إن الانفحارات العربية الساخنة في عدد من الدول العربية، والموصوفة بـquot;الربيع العربيquot;، ليست من طبيعة واحدة، ولا بمستوى واحد من حيث تطورها، وإن كان منها ما حقق هدفه الأوحد، [لحد اليوم]، وهو إزاحة الحاكم.
تشترك هذه الانفجارات، رغم الاختلافات، في مجهولية مصيرها ومآلها- أي كيف سوف تنتهي، ومن سيكون المنتصر الحقيقي في آخر الشوط، وأي نظام سوف يبنى على انقاض القديم. ولكن المؤشرات، بوجه عام، تؤكد على أن الأنظمة المستبدة، التي أصرت على عدم الانفتاح، وعدم الأخذ بتعددية الحياة السياسية، ورفض القيام بحد مناسب من الإصلاحات الديمقراطية، قد وضعت شعوبها وبلدانها والمنطقة أمام خيارات: إما مواصلة القمع والبقاء والاحتكار، وإما المصير المجهول، الذي قد يكون هو الآخر قاتما وشرا. والشعوب معذورة على أية حال إن شكت، واحتجت، وتظاهرت، ثم انتفضت وأرخصت الدم من اجل الحرية وحياة إنسانية.
الشعوب المظلومة تثور في لحظات اليأس من الإصلاح وتفاقم الظلم، وعلى القيادات الواعية والمخلصة، إن وجدت، أن ترشدها، وتصرّف طاقاتها الثورية نحو الطريق الأسلم المؤدي- عبر المسافات والمراحل- نحو مستقبل أفضل؛ مستقبل دولة المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان والحياة الكريمة.
إن من يقول إن الانتفاضات العربية تخدم في النهاية إسرائيل، إنما يلتقي مع بعض هؤلاء الحكام الذين ثارت عليهم شعوبهم، حين يثرثرون عن quot; المؤامرة الخارجيةquot;، وهي لا بد أن تكون مؤامرة إسرائيلية- أميركية. وقد تفوه الرئيس اليمني بشيء من هذا في الأسابيع الأولى من الانتفاضة، ثم تراجع- لحسن الحظ- معتذرا؛ أما الإعلامان الإيراني والسوري، فهما يواصلان الحديث عن المؤامرات الخارجية المزعومة، ولكن فقط عند الحديث عما يجري في سورية والبحرين!!
لقد نشر الكثير من قبل، في الإعلام العربي وفي وسائل إعلام يسارية غربية، عن quot;طمع أميركا في نفط العراقquot;، وكونه سبب حرب ترحيل نظامه السابق. واليوم، وبعد أكثر من ثماني سنوات، فأية شركات أخذت النصيب الأكبر من هذا النفط؟ لا أرى بينها، وعلى حد علمي، شركة أميركية.
وجوابا على سؤال عنوان المقال: هل حقا ربحت إسرائيل من سقوط مبارك، الذي حافظ على كمب ديفيد والذي يحاكم اليوم بتهم منها بيع الغاز لإسرائيل quot; بأسعار منخفضةquot; -كما يقولون؟ هل هي الرابحة من صعود الإخوان المعادين لإسرائيل، وعودة الأعلام والشعارات الناصرية في نفس الوقت؟ هل هي المستفيدة من التسيب على الحدود المصرية ndash; الإسرائيلية، وعمليات تفجير أنابيب الغاز، ونشاط القاعدة في سيناء، وتسلل إرهابيي حماس [المسيرين إيرانيا وسوريا] عبر الحدود وتهريب السلاح وتنفيذ العمليات المسلحة داخل إسرائيل؟ كل هذا حدث بعد مبارك، وقد يحدث أكثر من ذلك على ما رأينا من هيجان الشارع المصري مرة أخرى على أثر مقتل بعض أفراد الجيش المصري في سيناء بالنار الإسرائيلية.
والحالة السورية، التي هي شاغل إيران وحلفائها الإقليميين في لبنان والعراق؟ هل ترتاح إسرائيل لتصدع هدنة 40 عاما على جبهة الجولان، وانهيار المفاوضات السرية السورية ndash; الإسرائيلية بالواسطة؟ لقد حاول النظام السوري مرتين تسخين جبهة الجولان خلال الفترة القصيرة المنصرمة لصرف الأنظار عن القمع الوحشي للجماهير المنتفضة، وبأمل تصريف السخط نحو إسرائيل، وإشغال الرأي العام الدولي. وسقط من الفلسطينيين ضحايا في هذه اللعبة البائسة. واليوم تفتح حماس، بعد تسلل عناصرها عبر الحدود المصرية، النيران على الإسرائيليين من مدنيين وعسكر، لتسخين الجبهة. وتتصاعد النيران وتشتعل، ويسقط العشرات من قتلى وجرحى، ويحدث توتر محسوس بين مصر وإسرائيل. فهل هي إسرائيل الراغبة في فتح الجبهة، وهي التي تعاني من مشاكل داخلية حادة، ومن ضغوط إقليمية ودولية عليها لوقف الاستيطان؟ أم هما النظامان السوري والإيراني، المرتبكان والقلقان خوفا على مصير النظام السوري، والساعيان لإشعال عدة جبهات في وقت واحد لإنقاذ النظام السوري؟؟ والنظامان يعرفون أن الشارع العربي والإسلامي كثيرا ما يطرح جانبا قضايا الحرية والديمقراطية كلما أثير خطر البعبع الإسرائيلي، وزج بإسرائيل في المعركة بشكل من الأشكال. ولكن السؤال: هل هذه اللعبة سوف تنجح اليوم مع الانتفاضة السورية؟!! ربما قد تخدع شرائح من الجماهير في مصر، خاصة وبعض المرشحين للرئاسة، كالبرادعي وعمرو موسى، استغلوا العمليات الحمساوية والرد العنيف عليها للمزايدة والكسب السياسي، ولتأجيج المشاعر. أما المعارضة السورية الديمقراطية والسائرون من الجماهير معها، فقد لا يكون انخداعها باللعبة سهلا.
نعم، إن هناك حقا فلسطينيا على إسرائيل، وللفلسطينيين حق مشروع في دولة مستقلة لهم، والقضية تهم كل شعوب المنطقة والضمير العالمي. أما استغلال القضية لتصفية حسابات لا علاقة لها بمصالح الشعب الفلسطيني، والمتاجرة والمزايدة بالقضية، واستخدام إسرائيل مرة، وإسرائيل وأميركا مرات، كفزاعة، أوكشماعة، لطمس جرائر الحكام العرب وخطاياهم ولإنقاذ الأنظمة الظالمة والفاسدة، فإن هذه الممارسة [التي تستمر من عقود بعد عقود] لا تخدم غير أنظمة الاستبداد في المنطقة.
أخيرا، يذكّرنا الأستاذطارق الحميدفي مقاله الأخير بما قاله رامي مخلوف في أيار الماضي في مقابلة مع النيويورك تايمس. لقد قال التالي: quot;لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إن لم يكن هناك استقرار في سوريا.quot; فما أوضح!