قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا تزال حرب إسقاط النظام الصدامي موضع جدال ومثار تساؤلات. والوجهة الغالبة في كتابات العرب واليسار الغربي، ومنه حزب أوباما، تميل إلى تخطئة تلك الحرب، ومن منطلقات واعتبارات مختلفة. وأما جورج بوش، فلا يزال في التحليلات الغالبة بمثابة الوحش المفترس الذي تنكر للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة بشنه حربا quot;انفراديةquot; لا مبرر لها ولا مشروعية ما. وعندما نرى حماس معظم العرب وثوار ليبيا وإلحاحهم على الغرب لتزويدهم بالسلاح وقصف قوات القذافي، فلا بد من التساؤل عما إذا لم تكن هذه دعوة للتدخل العسكري الأجنبي في صراع بين طرفين محليين، لأن القضية هنا لم تعد حماية المدنيين بل المشاركة العسكرية الغربية المباشرة في الحرب على القذافي. وهنا نلاحظ المفارقة والازدواجية بين الموقفين: إدانة حرب إسقاط صدام وطلب التدخل العسكري في ليبيا لصالح الثوار. وهذه المفارقة تصدق أيضا على معظم تعليقات الصحافة الغربية هذه الأيام عن الحالة الليبية.
في الحالة الليبية صدر قرار من مجلس الأمن بعنوان حماية المدنيين الليبيين، ولكنهم يطالبون عمليا بالتدخل العسكري الخارجي المباشر لأن كفة الميزان ليست لصالح الثوار، وهذا الطلب يشكل تعسفا واضحا في تفسير قرار مجلس الأمن. وهذه هي الازدواجية العربية.
نعم، في المسألة العراقية لم يكن هناك قرار دولي، ولكن كانت هناك سلسلة قرارات بموجب الفصل السابع تؤدي جميعها لتبرير التدخل لولا المواقف الروسية والفرنسية والألمانية عهد ذاك بفعل المصالح النفطية والتجارية، بعكس المواقف الحالية. ومع ذلك، فإن حربي كوسوفو والبوسنة شنتا من دون قرار دولي وبعنوان التدخل الإنساني، وكانت النتيجة حماية المسلمين من حملات التطهير العرقي الغاشم. أما حرب العراق، فجاءت بعد 11 سبتمبر، وإعلان جورج بوش عن مشروعه لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، من منطلق أن أنظمة القهر والطغيان والفساد تغذي نزعات التطرف وعنف الإرهاب، ومنها من يقترف جرائم الإبادة وجرائم ضد الإنسانية؛ كما تشكل تلك الأنظمة، في الوقت نفسه، خطرا على أمن الولايات المتحدة والغرب، كما حدث في 11 سبتمبر. وبالنسبة للنظام البائد في العراق، فقد كانت هناك أيضا، وخصوصا، قضية أسلحة الدمار الشامل التي اتهمت قرارات مجلس الأمن نظام صدام بامتلاكها.
بالنسبة لمشروعية التدخل الإنساني في العراق: هل من يشك اليوم في وجود المقابر الجماعية وغازات حلبجة وتهجير الفيليين، وسراديب التعذيب على الطريقة الفاشية؟ وقد يقال لقد كان واجب الخلاص يقع على الشعب العراقي نفسه كما في الانتفاضات العربية اليوم. وهذا الكلام ينسى أن العراقيين انتفضوا قبل غيرهم في مارس 1991، واحتلوا 14 محافظة، وكان النظام على وشك السقوط لولا تدخل قوات الحرس وفيلق القدس الإيرانية وارتفاع شعارات وهتافات طائفية من مثل quot; ماكو ولي إلا عليquot; وتنفيذ عمليات تخريب وقتل جماعي طائفي، مما أقلق بوش الأب ولم يواصل دعمه بعد أن كان هو الذي دعا الشعب العراقي للثورة. وكل المحاولات العراقية التالية للخلاص كانت تقمع وتفشل. إن مشكلة الشعب العراقي عهد ذاك أنه لم تسعفه منابر إعلام حديثة، [ شاشات تلفزيون وأنترنيت ويو تيوب وفيس بوك وغيرها]، لتنقل صور القمع الوحشي للعالم الخارجي، وتعرض الحقائق له. وما عاناه العراقيون تحت النظام السابق كان أضعاف ما عاناه مسلمو البلقان، وميسلوسوفيتش كان كملاك بالنسبة لحاكم بغداد المزاح. ونضيف أن بيل كلينتون الديمقراطي، لا بوش، هو الذي اتخذ قرار إسقاط صدام عام 1998 بقانونه المسمى quot;قانون تحرير العراقquot;.
تبقى مسألة عدم العثور على أسلحة الدمار الشامل بعد الحرب. هنا ننتقل لمناظرات المفكر الفرنسي أندريه غلوكسمان في كتابه quot;غرب في مواجهة غربquot;، المكرس لموضوع حرب العراق.
جورج بوش يكتب في أوراق مذكراته عن خيبته وصدمته لعدم العثور على تلك الأسلحة، بمعنى أنه كان يعتقد فعلا بوجودها قبل الحرب. ولكن حملات الإعلام العربية وحملات اليسار الغربي وصفت بوش بالكذاب الأكبر، وبأنه اقترف quot;أكبر عملية تضليل في التاريخquot; .
يرد غلوكسمان بقوله إن كل أعضاء مجلس الأمن كانوا يعتقدون ببقاء تلك الأسلحة لدى صدام، وكان قد استعمل في السابق سلاح الغاز، كما عُثِرت عام 1995 على كميات من السلاح البيولوجي في مزرعة قرب بغداد، وكانت التقارير تتحدث عن استمرار السعي لناء مفاعل نووي. إن النقاشات في مجلس الأمن، بين أتباع استخدام القوة ودول الضد -[ فرنسا وألمانيا وروسيا]- لم يكن حول وجود أو عدم وجود الأسلحة، بل حول كيفية معالجة الموضوع: بالدبلوماسية ومواصلة عمل فرق التفتيش، أم باستخدام القوة نظرا لأن الحكومة العراقية كانت تماطل وتقدم معلومات متناقضة وتطرد المفتشين، مما كان يعني ضمنا أن هناك أشياء تريد إخفاءها؟ فالنظام السابق كان ماهرا، كالنظام الإيراني، في المناورة والبلف والتلاعب بالوقت. ويقتبس المؤلف فقرة من كلام الرئيس الفرنسي السابق شيراك، الذي كان أعنف الجميع ضد الموقف الأميركي. تلك الفقرة هي: quot;إننا نفضل الوصول لهدفنا الذي حددته الأسرة الدولية، وأعني نزع سلاح العراق. ولا نخدع أنفسنا، فإنه، بنزع سلاح العراق، ستكون نهاية النظام العراقي.quot; يقول الكاتب إن الحديث هنا عن نزع السلاح لا يعني طبعا أسلحة حجرية بل أسلحة محرمة، وهي أسلحة لم يكن هناك شك في وجودها بحيث أن نزعها كان سيعني حتما سقوط النظام كما قال شيراك. ويسأل غلوكسمان، هل يمكن القول إذن أن جاك شيراك كان هو الآخر quot;يكذبquot;، كما حال جورج بوش؟!

سقط النظام العراقي السابق: ولكن!
إن نظرة لعراق اليوم تخيب الآمال، وعراق اليوم قد صار بعبعا يلوح به كل حاكم عربي مستبد ضد الاحتجاجات quot; هل تريدون أن نصبح كالعراق؟! هل تريدون أن نقع تحت هيمنة إيران؟؟quot;
أجل مع الأسف: لقد منح الشعب العراقي حريته بعد عقود قمع وظلام، وهو مدين بذلك quot;لقوات الاحتلالquot;، [المأكولة المذمومة]، ولكن ما يحدث، منذ ثماني سنوات، لا يسر غير إيران وأتباعها، وذوي النظرات الأحادية، وغير القاعدة، وبقايا صدام. ولكن هل هذه النتيجة المحزنة والمظلمة تعني أن سقوط ذلك النظام لم يكن لصالح شعبنا وأمن المنطقة؟ هل يجب الحكم على قرار الحرب بالوضع الراهن، الذي يعود وجوده لا لقرار الحرب، بل لجملة عوامل وأسباب، ومنها أخطاء أميركية فادحة. وهذا ما سنعود إليه.
يقول جوزيف كونراد: quot;إنني أقبل الحرية من أية يد جاءت كرجل جائع وقطعة رغيف.quot;