قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

منذ أن إستلم حزب العدالة والتنمية مقاليد السلطة في تركيا مارس/2003، وتركيا تشهد تحولات كبيرة باتجاه إستقرار الأوضاع السياسية والامنية والتحسن المضطرد في الاداء الأقتصادي، إذ وصلت نسبة التضخم مثلا الى اقل من 10% بعد ان كانت قد تجاوزت في التسعينات 150% وبلغ معدل دخل الفرد حوالي (5) الاف دولار وقدرته الشرائيه (7) الاف دولار وهو معدل لم يكن المواطن التركي يحلم به قبل أقل من عشر سنوات، إضافة الى تراجع العجز في ميزان المدفوعات والدين الخارجي الى اقل نسبة لها منذ عقود وعبور الدخل القومي لحاجز ال (200) مليار دولار، كل هذا ساهم في رسم الصوره الحديثه لتركيا اليوم كقوه إقليميه ودوليه تحضى بالكثير من الاحترام إستطاعت خلال حكم حزب العداله والتنميه أن تتصالح مع الأرمن واليونانيين والايرانيين وأرست أسس علاقات وديه متوازنه مع جيرانها ومع دول العالم، ومنها الدول العربيه منهية بذلك حقبة طويله من البرود، إن لم يكن العداء، التأريخي في العلاقات.

أما على الصعيد الداخلي، فقد قام حزب العداله والتنميه بتحجيم دور العسكر ووضع حدا لسيطرتهم على مقاليد الامور، كما عزز من سلطة القانون والقضاء وضمان الحريات العامه وحقوق الانسان وبدأ خطوات عمليه جاده على طريق معالجة المسألة الكرديه في تركيا، إبتداءً بالسماح بالتحدث باللغه الكرديه الممنوعه بحكم القانون لمده تزيد عن (70) عاما، وإعادة الاسماء الكرديه للقرى والقصبات والمدن وتقبل الحراك السلمي الكردي ووصول ممثلين للشعب الكردي الى البرلمان التركي، وإنتهاء بالتوجه لإيجاد الحلول الممكنه للقضية الكرديه في تركيا والتي كلفتها العديد من الارواح والممتلكات والاموال الطائله، وليس سرا ان الدوله التركيه كانت تفاوض زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان داخل سجنه في ايميرلي من خلال قنوات خاصه.

لقد استبشر المواطنون الكرد الذين يشكلون 35-40% من سكان تركيا خيرا واعتبروا هذه الخطوات تقدما كبيرا في وعي القياده التركيه نحو إقرار حقوقهم العادله ومطاليبهم المشروعه، وكإستجابه لهذه الخطوات وتوجهات حزب العداله والتنميه، فقد اوقف حزب العمال الكردستاني كافة اشكال نشاطاته المسلحه واعلن الهدنه من جانب واحد وقام بتمديدها عدة مرات لإتاحة الفرصه للجهود السلميه الراميه الى إقرار حقوق الشعب الكردي، وكان الموقف الكردي أبلغ رد على كل الجهات التي إتهمت الحزب والحركه الوطنيه الكرديه بالإرهاب، وكان من المفروض والمتوقع من القياده التركيه ان لاتدع هذه الفرصه تذهب سدى خاصة وهي من حزب العداله والتنميه المعروف بجذوره الاسلاميه المعتدله وبتمسكه بالوسطيه، فالإسلام يدعو : ( وان طائفتان من المؤمنين إقتتلوا، فاصلحوا بينهما فأن بغت إحداهما على الاخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله ndash; الحجرات )
من الواضح ان الطائفه التي ( تبغي ) اليوم هي الدولة التركية الجارة والتي تشن هجمات جوية وحشية على قرى وقصبات إقليم كردستان العراق وتتسبب في مقتل العديد من الاطفال والنساء والشيوخ الأبرياء، فمن سيصدق بعد اليوم مواقف حكومة حزب العداله والتنميه التي تدعي التضامن مع الشعب الليبي والشعب السوري، من سيصدق مزاعمهم عن الحرية والعداله وهم يمطرون أبناء شعبهم وأبناء اقليم كردستان العراق بالنار والحديد.

ان عودة الدولة التركية الى ممارسة العنف المنظم وإرهاب الدوله ضد الشعب الكردي على طرفي الحدود التركية العراقية لن يجدي نفعا، فقد سبق وأن مارسته الدولة التركية على مدى عقود دون أي نجاح، اللهم الا المزيد من الضحايا والويلات والدمار والانهيار الاقنصادي والأمني وتعميق الأزمه وخلق عداء تأريخي يحتاج الى اجيال لنسيانه وتجاوزه، لاسيما ان هذا العنف لم ولن يؤثر بأي شكل من الاشكال على الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني الذي لا يهتم بمسك الارض ولا بالمواقعه الثابته ويؤمن بعقيده عسكريه قائمه على التحرك والتنقل الدائم وتعويض الخسائر بسرعه فائقه، والذي يدفع الثمن عمليا هو : مواطنوا اقليم كردستان العراق الذين خرجوا ومعهم اغلب مدن العراق في تظاهرات صاخبه لإستنكار وإستهجان الضربات الجويه التركيه ونواياها العدوانيه في إكتساح كردستان العراق. هذا العدوان سيؤدي حتما الى شرخ كبير في العلاقات بين البلدين وسيؤثر على مصداقية العلاقات المتعدده الاوجه بين تركيا والعراق عامة وإقليم كردستان خاصه ويثير الكثير من التساؤلات حول الاسباب الحقيقيه وراء هذه الهجمات الجويه وفيما إذا كان لها علاقه بتداعيات ما بعد إنهيار النظام السوري وأحلام تركيا القديمه الجديده في استعادة ولاية الموصل.

صحيح ان العراق وإقليم كردستان لا يرغبان بأي تصعيد للمواقف مع الجارة تركيا، ولكن هذا لن يستمر الى ما لا نهاية، وعلى تركيا ان تجد حلا لمشاكلها الداخليه وحل المسأله الكرديه بالطرق السلميه والكف عن محولة تصدير ازمتها للعراق ودول الجوار، ومن الضروري ان تعرف تركيا اليوم بان تقدمها وازدهارها مرهون بحل المسألة الكرديه حلا عادلا، فلم يعد صوت البنادق والمدافع مقبولا في عالم اليوم، وإنما صوت الحوار والمجادله بالتي هي احسن والحلول السلميه وثقافة حقوق الانسان وإحترام الاخر.
إن العوده الى المربع الأول يقف تماما ضد مصالح ومستقبل تركيا، فهل هناك من يسمع؟