قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تزداد المخاوف من احتمالات تطور التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وتلويح الأخيرة بإمكاناتها في عرقلة الصادرات النفطية الى أوروبا وأميركا، إذا ما اشتد الحصار عليها، فحسب قول نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا رحيمي quot; لن تمر قطرة نفط عبر مضيق هرمز إذا عزز الغرب عقوباته بسبب برنامجنا النوويquot; . ويبدو القادة الإيرانيون واثقين من قدرتهم على وضع القول موضع الفعل. مقابل ذلك قالت المتحدثة باسم الأسطول الأميركي الخامس في الخليج العربي، إن الأسطول لن يسمح بتعطيل الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وسيواجه أي تصرفات مسيئة لضمان أمن وحرية الملاحة. الطرفان حاضران بقوة في ساحة الصراع، أي في الخليج العربي- الفارسي، ولكن أيهما فعلاً يمكن أن يبدأ الخطوة الأولى، وهل ستتعامل الولايات المتحدة مع إيران إذا ما أغلقت مضيق هرمز، كما تعاملت إسرائيل مع عبد الناصر حين أقدم على إغلاق مضائق تيران في العام 1967؟ وهل بوسعها مهاجمة إيران بضربة مباغتة قاضية، تنهي طموحاتها وتلزمها بحدود دولتها كما التزمت مصر بعد هزيمة حزيران؟ في رأيي إن الجواب هو النفي، فحكام إيران ليسوا حملة شعارات فحسب بل هم أصحاب خطط ومشاريع مدروسة لتوسيع نفوذهم في منطقة الخليج، مستغلين فشل السياسة الأميركية في العراق، وعدم قدرة الغرب على حسم الأمور في سوريا، فضلا عن واقع وجود دولتين في لبنان، إحداهما يمثلها حزب الله، الذي يجاهر أمينه العام بالإلتزام بسياسة إيران، ويعمل لخدمة مصالحها.
لقد ارتكبت الولايات المتحدة أخطاءً كبيرة حين غضت النظر عن تنامي القوة التعبوية للخميني، وتركت حليفها الشاه يواجه نهاية حكمه، وحين تصور قادتها إن إقامة سلطة لرجال الدين على حدود امبراطورية السوفيت، سيعجل بانهيارها، ويكون الغرب بمنأى عن تداعياتها، كما إنها تجاهلت عواقب تفكك الإتحاد السوفيتي وحقيقة الفراغ العسكري والسياسي الذي نتج عن ذلك، والذي لم يكن من السهل معالجته، من تلك العواقب بطالة العلماء الروس في مجال الصناعات العسكرية والذرة، وقد تلقّفت إيران بعضهم، واصبحوا عوناً لها لتطوير إمكاناتها العسكرية، وإضافة الى قصور النظر السياسي الأميركي، فإن روسيا أيضاً لم تتبين مخاطر المدّ الإسلامي الإيراني على جمهورياتها الإسلامية، فواصلت مساعدة إيران، تحت وطأة الحاجة الإقتصادية.
إن الإدارة الأميركية تبالغ في التركيز على البرنامج النووي الإيراني، باعتباره أكبر الأخطار، متناسية إن الموقع الجغرافي لإيران يؤهلها بقوتها الحالية، ودون سلاح نووي، لأن توجه ضربات سريعة ومؤثرة للأسطول الخامس في الخليج، وللقواعد الأميركية هناك، فضلاً عن استهداف الدول المنتجة للنفط. ولا تبدو سياسة الغرب تجاه إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي، منطقية بالقياس الى حقائق وجود السلاح النووي في بؤر توترات خطيرة، كإسرائيل وباكستان وكوريا الشمالية. إن ما لم تفهمه السياسة الأميركية عن إيران، هو إن حكامها لا يعبأون بمخاطر الحرب إذا ما فرضت عليهم، كما هو الحال في الدول الغربية، ولا وزن عندهم للرأي العام المحلي، ولا يهمهم توفير مقاييس الرفاهية لشعبهم، وإنهم مازالوا قادرين على شحن الناس بعقيدة التضحية، وبخاصة الطبقات الفقيرة منهم، التي ليس لديها ما تخسره، ما يشكل قوة كبيرة في أي نزاع محتمل، تسندهم في الداخل، وتحول دون انهيار سلطتهم.
إن أفضل سياسة لحصار النظام الإيراني هو التغاضي عن برنامجه النووي، فالإدارة الأميركية عملت على استنزاف الإتحاد السوفيتي، بجرّه الى منافسات التسلح، على حساب ضعفه الإقتصادي، وكان ذلك السبب الرئيس في سقوطه، ويتوقع أن تسير القيادة الإيرانية بالطريق نفسه، فتستنزف مواردها تسلحاً، ما يفاقم من النقمة الشعبية عليها ويوفر الأرضية اللازمة لسقوطها. الى جانب هذا يمكن التركيز على مساعدة القوى الداخلية المعارضة للنظام الإيراني، والإستفادة من التناقضات بين اجنحة النظام المختلفة. وبشكل عام فإن مواجهة واشنطن لحكام طهران ينبغي أن تأخذ بحكمة النفس الطويل، لأن مصالحها في منطقة الخليج ستكون هدفاً سهلاً لإيران في أي حرب محتملة، فضلاً عن إمكاناتها في احتلال العراق.
إن ما أغرى إسرائيل في إنزال ضربات متتالية ضد العرب، لا يصلح في التعامل مع إيران، ففي العام 1967، وفي الوقت الذي تعالت تباشير القيادة المصرية للشعوب العربية، بقرب نهاية العدو الإسرائيلي، لم تكن القوات المسلحة المصرية على أدنى درجة من الإستعداد لمواجهة القوة الإسرائيلية، وكذا كانت جبهتا سوريا والأردن -إذا أغفلنا جانب التواطؤ لتحقيق الهزيمة في هاتين الجبهتين- ، وعلى الرغم من فقر الإستعداد فقد أصدر عبد الناصر في الثاني والعشرين من شهر أيار- مايو، قراره غير الحكيم بإغلاق مضائق تيران (جنوب سيناء)، لمحاصرة إسرائيل فجاء جوابها سريعا بعد اسبوعين، وفي خلال ساعات وليس أيام، استطاعت أن تحطم الجيش المصري، فكانت هزيمة الخامس من حزيران، وهذا بالطبع ليس حال إيران المدججة بالسلاح، عقائدياً وواقعياً.
على إنه ومهما كانت عليه قوة إيران، ومساحة المناورة التي تمتلكها، فإن قائد البحرية الإيرانية الأميرال حبيب الله سياري لا يمكنه أن يقنع العالم بأن إغلاق مضيق هرمز هو أشبه بشربة ماء- على حد تعبيره- لأن مياه الخليج حين تختلط بنفطه المحترق فإن الشواطئ الإيرانية لن تكون بمنجى عن عواصف الإحتراق، لذلك لا اعتقد بأن إيران ستقدم على إغلاق المضيق، ولن تغامر إسرائيل بتوجيه ضربة لها، لأنها ستكون أول ضحية. إن التهديدات المتبادلة هي تصعيد ضروري لتحقيق تنازلات متقابلة، فالحرب قرب منابع النفط ليست نزهة للطرفين، الأميركي والإيراني.