قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من مفكرة سفير عربي في اليابان
يبدو بأن الأوضاع في منطقة الخليج العربي أخذت منحى تطورات جديدة، بعد الإنذارات الإيرانية بغلق مضيق هرمز، ورجوع البوارج الأمريكية لمياه الخليج العربي. كما سيكون للإسلام السياسي دورا مهما في التطورات المستقبلية لإرهاصات ثورات، ما يسمى، بالربيع العربي، وعلى قياداتها مسئولية القرار في اختيار نموذجا لنظام حكم معاصر، يحقق لشعوب بلادها التنمية الاجتماعية والاقتصادية والروحية، وهي أمام نموذجين للاستفادة منهما لتطوير تجربتها العربية، وهما النموذج الثوري الإيراني، والنموذج الإصلاحي التركي. ويعني ذلك الحاجة لدراسة متأنية فاحصة للثورة الإيرانية، والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التركية. ولنبدأ عزيزي القارئ مناقشة تجربة الثورة الإيرانية، التي مر عليها أكثر من ثلاثة عقود، وهي فترة كافية لتقيم تجربة ينادي البعض تطبيقها في بلاده.
وهنا سنحتاج لوقفة مراجعة هادئة، غير انفعالية، حكيمة، وبموضوعية متجردة، وبمقياس تقيم أكاديمي علمي، غير ديني، ولا طائفي، لكي نناقش تجربة تاريخ معاصر، غير مرتبطة مباشرة بأمور العبادة الدينية، بل مرتبطة بتحقيق نجاح دنيوي في أمور حياتية سياسية واقتصادية وإدارية. ولكي نستفيد من هذه التجربة علينا طرح الأسئلة التالية: لو لم تنجح الثورة الإيرانية، هل سيعاني العالم من إرهاصات الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج، وحرب العراق؟ وبعد ثلاثة عقود ما الذي حققته هذه الثورة للتناغم والسلام العالمي، ولمنطقة الشرق الأوسط، بل للمواطن الإيراني بالذات؟ هل حسنت المؤشرات الاقتصادية في بلادها؟ وهل يعيش المواطن حريته الشخصية، وكرامته الإنسانية؟ وهل هذا المواطن راضي عن نظام بلاده، وديمقراطيتها، وعن ما يجري من إرهاصات جديدة اليوم في بلاده؟ وهل فعلا تتطلع الشعوب العربية لهذا النموذج من نظام الحكم لكي تحقق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والروحية؟ وهل أثبتت تجربة التاريخ نجاح القيادات الدينية في أدارة الحكم في الدول العصرية؟ وهل سنقيم القيادات الدينية في العمل السياسي والحكومي كبشر مثلنا، أم سنعتبرهم قديسين، معصومين عن الخطأ الحياتي الدنيوي، كما أن إفتاءهم السياسي والاقتصادي الدنيوي معصوم عن الخطأ، ومحرم من المناقشة؟
وليسمح لي القارئ العزيز بمجموعة أخري من الأسئلة: هل هناك بوادر حرب جديدة بين الغرب وإيران؟ وكيف ستكون نتائجها على منطقة الخليج، وعلى الشرق الأوسط الكبير، وعلى العالم واقتصاده؟ وما السبب وراء تكرار الحروب المزمنة في الشرق الأوسط؟ ولماذا يصر النظام الإيراني تصدير ثورته للخارج، بدل التفرغ لتطوير اقتصاد بلاده، وتوفير عمل منتج للمواطن، لتحسين مستوى معيشته، مع توفير التعليم والتدريب المتميز والرعاية الصحية المتقدمة له ولعائلته؟ ولو عاش الأمام الخميني، رحمه الله، حتى اليوم، هل سيعتبر الجمهورية الإسلامية نموذج لثورات الربيع العربي؟ أم سيفضل النموذج التركي للإصلاحات الدنيوية؟ وهل سيقبل بأن يدير شؤون الدولة القيادات الدينية؟
منذ أن تحررت دول الشرق الأوسط من الاستعمار العسكري، تحاول شعوب المنطقة إيجاد طريقها المستقل لتحقيق تنميتها الاجتماعية والاقتصادية والروحية. وقد طرحت الحركات السياسية، في القرن الماضي، أيديولوجيات متعددة للتغير، كدكتاتورية الحزب الواحد بالشيوعية، والاشتراكية، والقومية، وديمقراطية الأحزاب المتعددة، باللبرالية الرأسمالية. وقد نجحت بعض هذه الأحزاب للوصول للحكم بالثورات والانقلابات، لتحكم جميعها باسم الطبقة الكادحة، وبشمولية نظرية الحزب الواحد. وقد صدمت هزيمة عام 1967 شعوب المنطقة، وأدت لردة فعل عنيفة بين الشباب، لتدفعهم للبحث عن حلول جديدة لتحديات حياتهم اليومية، فلم تتأخر المعارضة في طرح quot;أيديولوجيةquot; الدين السياسي هو الحل. وقد بدأت هذه الأيديولوجية في بدايات القرن العشرين، بتأسيس حركة الأخوان المسلمين، وقوى عودها بعد تجربة الثورة الإيرانية في عام 1979، ودعمتها الإصلاحات الأخيرة في النظام التركي. وبعد ثمانية عقود من تجربة الحركات الحزبية للإسلام السياسي، وبعد الانتخابات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، وإرهاصات التغيرات الأخيرة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، نحتاج لوقفة للدراسة والمراجعة، وخير من درس التاريخ المعاصر لمنطقة الشرق الأوسط، وأهتم بدراسة الثورة الإيرانية بتعمق هي البروفيسورة الغربية، روبن وايت، وقد جمعت نتائج دراساتها المستفيضة في كتابها، الأحلام والظلال، معضلة الثورات في الشرق الأوسط.
تعلق البروفيسورة وايت في مقدمة كتابها بالقول: quot;تبين دراسة التاريخ بأن الثورات تأكل، عادة، أطفالها، بالاضطرابات والمذابح، وتفشل في تحقيق مثالياتها النظرية الموعودة، ولتنتهي لرد فعل بإرهاصات جديدة، قد تبذر منها نبتة إصلاحات ديمقراطية طويلة الأمد. فقد أنهت الثورة الفرنسية حكم البوربون وأدت للعدالة والحريات المدنية، بعد أن تفجرت بعهود طويلة من العنف الدموي والإرهاب، واحتاجت فرنسا لقرن من الزمن لتطوير جمهوريتها الديمقراطية، التي لم تكتمل إصلاحاتها حتى اليوم. كما أسقطت الثورة الروسية حكم القياصرة، لتنتج مساواة لا طبقية بنظام سوفيتي، لحكم شمولي، بقى لسبعة عقود، ولينتهي انهياره، ببذرة تجربة ديمقراطية مبهمة المعالم. وكان لمنطقة الشرق الأوسط في القرن العشرين نصيبها من ثورات قومية اشتراكية، والتي لم تنتهي حتى الآن لإصلاحات تنميتها وديمقراطيتها المنشودة. وفي عام 1979 بدأت تجربة فريدة في إيران، بانطلاق ثورة حماسية جادة، جمع فيها أية الله روح الله الإمام الخميني الإيمان القديم مع التكنولوجية المعاصرة، لتوحيد اللبراليين مع التقليديين، الديمقراطيين مع الشيوعيين، التجار المحافظين مع نشطاء الطلبة الصاخبين، ليلهم الشعب الإيراني بالثورة.quot; وقد وصفت الكاتبة الثورة الإيرانية بأنها: quot;ثورة أصيلة بين عدة انتفاضات هبت على المنطقة خلال القرن الماضي، لأنها أنتجت أيديولوجية سياسية غيرت الطيف السياسي العالمي، وأدت لشكل فريد وعنيف من الإسلام السياسي، وبذرت أفكار جديدة عن الديمقراطية، من خلال ثوارها الذين تخمروا بسرعة ضمن النظام الجديد، ثم ثاروا ضده.quot;
وقد توقع الإمام الخميني مجتمع جديد بعد هذه الثورة، وصفه في مقابلة مع صحيفة دير شبيجل الألمانية في عام 1978 بقوله: quot;مجتمعنا المستقبلي سيكون مستقبل حرا، وسيقضي على كل آليات القمع والوحشية والفرض.quot; وقد عانت الثورة الإيرانية منذ البداية صراعات مختلف القوى الوطنية، وأستاء الإمام الخميني بالأخص من صراعات بعض رجال الدين السياسيين على السلطة، وقد وبخهم بمقولته المشهورة في عام 1981: quot;توقفوا عن عض بعضكم البعض كالعقارب.quot; وحينما تفاقمت النزعات على السلطة في عام 1987 كرر انتقاده لهم بالقول: quot;زرع النزاعات بين علماء الدين من أسوء الذنوب.quot; فلم يكن راضيا، رحمه الله، بأي دور لرجال الدين في السلطة، لإيمانه بأن إغراءات السلطة الدنيوية قد تفسد، وبأن استلام بعض رجال الدين لهذه السلطة وبإدارتهم للسياسة باسم الدين، قد يحول حكمهم مع الوقت لسلطة مطلقة، قد تعيد تجربة استبداد الشاه من جديد. وقد صرح الأمام الخميني لصحيفة الليموند الفرنسية في عام 1979 خلال رجوعه لإيران بالقول: quot; نيتنا بأن لا يستلموا رجال الدين الدولة.quot; وقد وفى بوعده حينما تشكلت أول حكومة إيرانية بعد الثورة من مسئولين تكنوقراط، ولم يكن بينهم رجال دين. وحينما بدأ الشعب الإيراني في كتابة دستوره، برزت الخلافات الحادة على السلطة بين التكنوقراط المتخصصين وبعض رجال الدين السياسيين، فعرضت أربعة ألاف صياغة للدستور الجديد، وانتهت بصياغتين أكدتا معا ضرورة استمرار التكنوقراط في السلطة، ومنعت تدخل رجال الدين في الحكم، وطالبت ببرلمان قوي لمنع الرئيس من الاستبداد برئيه، كما اقتبست الكثير من القوانين الأوربية، ولم تعطي جميع أطراف النزاع أي دور سياسي لرجال الدين.
لقد وافق الإمام الخميني على الصياغة الثانية للدستور، ومع ذلك لم ينتهي الصراع على السلطة، ليستمر الخلاف وليطالب مجلس الثورة انتخاب فريق جديد لكتابة الصياغة الأخيرة للدستور. وقد ترافق ذلك بخلاف شديد بين الأطراف المتنازعة، ونجح بعض رجال الدين السياسيين، بعد ستة أشهر من بدأ الثورة، الحصول على ثلثي أصوات مجلس صياغة الدستور، بعد أن قاطعت انتخاباته القوى السياسية الوطنية الأخرى. وقد فصل الدستور الجديد السلطات التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، وأيد حق الانتخاب للمواطنين منذ سن السادسة عشر، ونجح بعض رجال الدين السياسيين من quot;فرض سلطاتهم المتوازية القوية على جميع فروع سلطات الدولة من خلال مؤسساتهم الدينية ومعظمها بالتعين.quot; وحينما زادت النزاعات حول المراكز وقوت مواقع بعض رجال الدين السياسية، اضطر الأمام الخميني رفع الحضر عنهم للمشاركة في السلطة، ليؤدي ذلك لانتخاب آية الله خامنئي رئيسا في عام 1981، بل وليخلف الأمام الخميني بعد وفاته في عام 1989 كالمرشد العام للثورة. ولنا لقاء.

سفير مملكة البحرين في اليابان