تتقاطع التصريحات حول وصف مهمة كوفي أنان بـquot;الفرصة الأخيرةquot; لإنهاء الأزمة في سوريا، ومنع تدهور الأمور نحو الحرب الأهلية. فالجميع بات يدرك بعد مرور عام على الأزمة أن كلا الطرفين (المعارضة والنظام) غير قادر على حسم المعركة لصالحه. كما أن آفاق الحل ما زالت ضبابية ومستعصية في ظل سقوط نحو عشرة آلاف قتيل.

النظام غير قادر على حسم المعركة بشكل نهائي بالأسلوب الأمني والعسكري، رغم الهزائم التي ألحقها بالجيش السوري الحر في حمص وإدلب وغيرها من المناطق السورية. كما أن المعارضة المتفككة والمنقسمة على ذاتها تبدو مرتبكة وحائرة وتنتظر الإشارات من الدول الكبرى. فيما يظل الشارع الجريح المطالب بالحرية والكرامة يدفع الفاتورة من دمه ودم أبنائه.

لا شك أن نظام الأسد نجح في إرعاب المجتمع الدولي من شبح القاعدة، ونجح أيضا في تخويفه من تداعيات الحرب الأهلية وفوضى السلاح، على الأقليات وعلى إسرائيل. كما أثبت أن نظامه حافظ على تماسكه رغم كل الدعم الإعلامي والسياسي وربما العسكري أيضا.

أما على الصعيد الدولي، فقد نجح النظام أيضا في دفع روسيا والصين للمشاركة بقوة في هذه المعركة والدفاع عن الأسد كما لو كانت معركة دبلوماسية مصيرية لهما. ذلك أن سقوط النظام في سوريا يعني تحجيم موسكو وبكين وفقدان دورهما العالمي بشكل كبير، وإنهاء نفوذها وأوراق قوتهما بشكل نهائي في الشرق الأوسط، بعد أن سقطت بعض أوراقهما في ليبيا والعراق واليمن وجنوب السودان.

في المقابل، فإن المعارضة السورية تبدو عاجزة عن تقديم أي مبادرة سوى التنديد بالجرائم، وتبشير الناس والعالم بحتمية زوال النظام. أما في الواقع، فالمجلس الوطني باتت تنخره الانقسامات بشكل كبير، وكل المحاولات الإقليمية والدولية لتوحيده تبوء بالفشل، فيما يهيم عناصر الجيش السوري الحر في البلاد للبحث عن أماكن آمنة لإعادة ترتيب صفوفهم، في ظل غياب الدعم العسكري الحقيقي الذي يمكنها من مواجهة الجيش النظامي.

وما بين هذا وذاك، فإن الجميع يستبعد حصول أي تدخل عسكري وشيك، على غرار ما حدث في ليبيا. كما أن المشهد العربي بعد مرور عام على الأزمة يبدو أكثر قلقا وارتباكا وعجزا عن القيام بمبادرة حقيقية، فيما يلتزم الأتراك الصمت حيال ما يجري، وما المؤتمر المرتقب لأصدقاء سوريا سوى من باب رفع العتب لمن عولوا على أنقرة كثيرا.

بعد أكثر من عام على الأزمة في سوريا، يمكننا القول أن الأزمة تحولت إلى معضلة دولية بعد تعذر الحسم، والجميع يبحث عن تسوية لها، لكن دون خسائر. وباتت الأزمة وتداعياتها تتخطى سوريا. فالأزمة قسمت العالم إلى حلفين، وبات حلها بيد الأحلاف الدولية لا بيد الأطراف الداخلية. وباعتقادنا فإن مبادرة كوفي أنان وخارطة طريقه المؤلفة من خمس نقاط، ليست سوى الوجه الظاهر لصفقات كبرى يجري التحضير لها أو الترويج لها ربما، في عواصم القرار العالمية.

لكن إلى حين الانتهاء من بلورة هذه الصفقات، فلا ضير بحسب منطق الدول العظمى من استمرار الأزمة، ليبقى الشعب السوري وسوريا هما من يدفعان الثمن، استنزافا بشريا واقتصاديا واجتماعيا.

لا شك أن الأزمة لها بعدين، بُعد داخلي يتجلى في المطالب المحقة التي ثار لأجلها الشعب السوري، وهناك بُعد خارجي له علاقة بالمصالح الدولية وتأثير سقوط النظام على التغييرات الاستراتيجية للعالم. وللأسف فإن المصالح الدولية كانت أكبر من المطالب الداخلية، وبات على الشعب السوري أن يدفع ثمن ذلك، وإن تداعيات سقوط النظام إن سقط أكبر من المكاسب التي يمكن أن تحققها المعارضة على الأرض.

سوريا في دوامة التعقيدات والتداخلات والتشابكات، لا حلول في الأمد القريب، ولا حسم أيضا، ومن الصعب التكهن بنتائج إيجابية في المدى المنظور قد ترشح عن تحركات أنان. لكن من الواضح، أن الجميع بات مقتنعا أن لا حل للأزمة سوى بتسوية سياسية، وما نقاط أنان الخمس سوى الخطوط العامة لصيغة الحل المرتقب.

لكن بتقديرنا أن فترة التوصل إلى اتفاق أو حل سياسي ستطول، ذلك أن أيا من الأطراف غير مستعد للتنازل، في ظل التوازن القائم بين المعارضة والنظام، وعدم خسارة أي من الدول الكبرى شيئا في حال استمرار الأزمة. وهنا يمكننا القول إن جولة أنان هي بداية لاستشعار توجهات الدول الكبرى.


ولذا على الجميع الانتظار لعدة أشهر حتى تنتهي المساومات الدولية على دماء السوريين وتنضج الصفقة الأممية بشكل نهائي.

*كاتب ومحلل سياسي