عندما قامت حركة الضباط الأحرار فى عام 1952 قامت بمساعدة الأخوان وبموافقة أمريكا وإنجلترا إنتقاما من الملك فاروق الذى أبدى تعاطفا مع دول المحور (إيطاليا وألمانيا) أثناء الحرب العالمية الثانية، وإستمر شهر العسل بين العسكر والأخوان لمدة عامين فقط بعدها تغدى عبد الناصر بالأخوان قبل أن يتعشوا به، وباقى التاريخ معروف. أما فى ثورة 25 يناير 2011 فقد بدأها شباب ليبرالي يمثل أجيال جديدة لم نكن نسمع بها وفى البداية قرر الأخوان عدم الإشتراك لخوفهم من الصدام مع السلطة وقتها ولكن عندما قلبت الثورة بجد بدأوا فى الإشتراك فى جمعة الغضب.
وفور سقوط حسنى مبارك بدأ الجميع يحاولون إقتسام التركة، وللأسف فإن ضعف الليبراليين وتشرذمهم وعدم وجود أى قيادة لهم تسبب فى وصول تلك الثورة لما وصلت إليه اليوم، وقد إفتخر (وائل غنيم) أحد أهم مفجرى تلك الثورة وأكثرهم تعقلا عندما قال فى كتابه:quot;ميزة هذه الثورة أنها ثورة بدون زعامة، ولكنها تفجرت فى أنحاء مصر بدون تخطيط مسبقquot; وهذا كلام شاب رومانسي لأنه لا يمكن لأى حركة ثورية أن تستمر و تنجح بدون زعامة، لذلك كان من السهولة على التنظيمات المتواجدة فى الساحة ولها قيادة تدين لها بالولاء والطاعة أن تركب الثورة وتخطفها.
وتحققت نبوءة حسنى مبارك عندما قال : quot;أنا أو الفوضىquot; وتحقق أيضا أن الأخوان لم يكونوا فزاعة للنظام ولكن ثبت أنهم كانوا جاهزين أكثر من أى قوة أخرى لملء فراغ السلطة الذى حدث بذهاب مبارك، ولعبوها سياسة من أول يوم، حتى أنهم إستخدموا السلفيين كفزاعة لإرهاب المصريين على أساس أن الأخوان أرحم كثيرا من السلفيين، وكانت نكتة مصطفى حسين الشهيرة وقتها: أن مسيحى مصرى قال لصديقه : صباح الخير، فرد الصديق: صباح الحرية والعدالة! فقال المسيحى: يانهار أسود إنت بتقول إيه؟ فرد الصديق: مش أحسن ما أقول لك صباح النور!!
ولم يجد المجلس العسكرى بدا من التعاون مع الأخوان بعدما أبدوا أستعدادا للتعاون خلافا للقوى الثورية التى رفضت التعاون معه وإستمرت تنادى بلا عقل :quot;يسقط ... يسقط حكم العسكرquot; دون أن تدرى أن سقوط حكم العسكر يصب فى خدمة خصومهم الأساسيين أعداء الدولة المدنية، وقد تخبط المجلس العسكرى عندما أوكل إلى الأخوان رئاسة لجنة الإعلان الدستورى، ثم السماح بتشكيل عدة أحزاب دينية خلافا للدستور، حتى أن الأخوان أعلنوا مرشحهم للرئاسة من مقر الأخوان المسلمين ولم يعلنوه من مقر حزب الحرية والعدالة، ويبدو أن هناك داخل المجلس العسكري قوى كبيرة تؤيد قيام الدولة الدينية وإلا كيف تم لحس تصريح سامي عنان (رئيس الأركان) ونائب رئيس المجلس العسكرى :quot;أن الدولة المدنية خط أحمرquot;!! وهاهي مصر تتجه نحو الدولة الدينية بسرعة لم يتوقعها الإسلاميون أنفسهم.
وعندما شعر الإسلاميون بأنهم قد تمكنوا من البرلمان بغرفتيه وتمكنوا من معظم النقابات بدا لهم أن الطريق مفروش أمام دولتهم الدينية فإستولوا على اللجنة التأسيسية للدستور ودفعوا بحازم أبو إسماعيل بتطرفه الكوميدى لكي يقبل المصريون بعبد المنعم أبو الفتوح (على اساس أنه أرحم)، ولكن يبدو أن طمعهم لم يقف عند حد فبعد أن كرروا مرارا بأنهم لن يرشحوا أى أحد للرئاسة فوجئ الجميع بأنهم يرشحون خيرت الشاطر (نائب المرشد العام للأخوان) للرئاسة، ولم يكتفوا بهذا بل دفعوا بمرشح آخر من على دكة الإحتياطي محمد مرسي رئيس حزبهم، وفوجئ المجلس العسكرى بوحش الأخوان القادم لإلتهام كل شئ، ووجدوا أن المشير طنطاوي ربما سوف يؤدى التحية العسكرية لخيرت الشاطر لو تم إنتخابة رئيسا لمصر بإعتبار أن رئيس مصر هو القائد الأعلى للقوات المسلحة!!
وكانت رد العسكر مفاجأة كبرى هو ترشيح عمر سليمان رجل المؤسسة العسكرية القوى للرئاسة فى ظل تأييد شعبى جارف على أساس أن الشارع المصري بدأ يشعر بقلق من وحش الإخوان، وفجأة إنقلب السحر على الساحر، وفى تسرع مخجل قرر ترزية القوانين فى مجلس الشعب الأخوانى عمل قانون مقاس 43 لإستبعاد عمر سليمان وأحمد شفيق والإبقاء على عمرو موسي، ولكن طبعا قوانين مجلس الشعب لا تصبح قانون إلا أذا إعتمدها رئيس الجمهورية وهى السلطة التى يقوم بها المجلس العسكري.
وفوجئ المصريون بالإسلاميون ينزلون ميدان التحرير ردا علي ترشيح عمر سليمان وهم يهتفون :quot;يسقط ... سقط حكم العسكرquot; وهو الهتاف الذى إعترضوا عليه بشدة عندما ردده جماعة 6 أبريل وغيرها من الجماعات المدنية المغرر بهم، ومازلت أذكر خطبة الشيخ محمد حسان العصماء أثناء الحج فى الحجاز عندما قال: quot;أن القوات المسلحة المصرية خط أحمرquot; ويبدو أن كل الخطوط الحمراء مرسومة بألوان مية يسهل إزالتها.
وإذا كان الإسلاميون فخورون (وهذا من حقهم) أن الشعب جاء بهم عن طريق صندوق الإنتخاب وفي حماية العسكر (أتذكرون غزوة الصناديق)، فلماذا هذا الذعر الشديد من عمر سليمان، ولماذا بدأوا فى نشر الأكاذيب حول الرجل (وتبعهم فى هذا بسذاجة شديدة أدعياء الليبرالية)، فلماذا لا ننتظر غزوة صناديق أخرى؟ ربما تجئ بالشاطر أو أبو إسماعيل أو محمد مرسي، ألا تثقفون بإختيارات الشعب المصري؟، حتى أن الشاطر فى تصريح يائس قال: quot;أنه إذا فاز عمر سليمان فإنه سيفوز بالتزوير، وسوف يؤدى هذا إلى ثورة ثانيةquot; فجأة أصبحت الصناديق غير صادقة إذا لم تأت بالأخوان!! وبدا أن الأخوان يلعبون الآن بطريقة :quot;فيها لأخفيهاquot;!!
الكرة الآن فى ملعب القوى المدنية والجيش: أما أن تتحد تلك القوى مع الجيش ويصبح فعلا الجيش والشعب إيد واحدة أو تستمر القوى المدنية بسذاجة فى مهاجمة الجيش وترشيح عمر سليمان لأن الجيش لن يستطيع أن يوقف الأخوان عند حدهم إذا لم يجد مساندة شعبية. والخيارات كثيرة أمام المجلس العسكرى الآن:
يمكن أن يحل مجلسي الشعب والشورى ويعمل إنتخابات جديدة بعد إنتخاب الرئيس ولكن هذا يذكرنا بتجربة جبهة الإنقاذ فى التسعينييات عندما فازت فى إنتخابات الجزائر وقررت التوحش فتدخل الجيش الجزائرى وكانت حربا أهلية بين الإسلاميين والجيش راح ضحيتها الالآف من الأبرياء ومصر لا تحتمل هذا الخيار.
يمكن أيضا قبول الطعن فى دستورية الأحزاب الدينية ويمكن حلها ولكن هذا الخيار مستبعد لأنه متأخر جدا وسوف يسبب إعادة تعاطف الشارع مع تلك الأحزاب بعد أن بدأوا فى فقدان هذا التعاطف.
الخيار الأرجح هو أن يستمر صراع القوى للوصول إلى الإنتخابات الرئاسية وهو صراع قد ينقلب دمويا وخاصة إذا تصاعد عنف الإسلاميين ضد العسكر.
وأنا شخصيا سوف أنتخب عمر سليمان لأننا فى حاجة إلى رجل قوى ملتزم يعيد الأمن والنظام لمصر لأننا كمصريين أثبتنا أن المدنيين منا غير مؤهلين لحكم مصر بعد، حتى الإسلاميين غير مؤهلين بعد أن ثبت إنتهازيتهم.
والسؤال اذى يحيرنى هو :هل هناك فعلا قوى ليبرالية مصرية؟ تستطيع أن تسهم فى رقي هذا البلد الذى يستحق أفضل كثيرا من أبو إسماعيل والشاطر ومحمد مرسي؟ وأين هى تلك القوى؟ أعتقد أن تلك القوى هى قوى متشرذمة وشاطرة فقط فى الكلام على صفحات الجرائد وبرامج الكلام فى التليفزيون.
....
فى أواخر السبعينات عندما أعلن السادات عن أن للديمنوقراطية أنياب وأعلن عن دولة المؤسسات ودولة القانون، وكان مسموح وقتها بقدر من الحرية، قام (زهدى) رسام الكاريكاتير برسم كاريكاتير فى روز اليوسف لقط ضخم ذو أنياب كبيرة وأمامه قط مسكين صغير، والقط يقول للفار: quot;حا أكلك .. حأ أكلك .. بالقانونquot;!!
فمرحبا بالدكتور الكتاتنى ترزى القوانين الشرعية!!
[email protected]