حينما قبل الكردستانيون استفتاء الأهالي في ولاية الموصل من قبل عصبة الأمم مطلع القرن الماضي، حول تبعية الولاية التي كانت تضم كل كوردستان الحالية تقريبا وتشكل عاصمتها، والتي عرفت بمشكلة أو مسألة ولاية الموصل وتبعيتها إلى واحدة من اثنتين تركيا التي كانت تصر عليها، والبريطانيون الذين أرادوها جزءً من المملكة الجديدة التي أسسوها في بلاد الرافدين من ولايتي بغداد والبصرة، على ضوء اتفاقية سايكس بيكو سيئة الصيت والتي قسمت وأسست معظم دول الشرق الأوسط دونما خيار أو رأي لشعوبها أو مكوناتها؟

لقد نكر الكثير واستاء من توصيف الملك فيصل الأول لشعب العراق واعتبره الكثير قاسيا وجارحا متناسين إن تأسيس تلك المملكة أو الكيان كان بعيدا عن اختيار شعوبه ومكوناته ولذلك لم ير الملك تجانسا أو تناغما بينها بل رأى في عام 1921م وهو متألم وقلبه مليء بالأسى كما وصف حاله:

quot; في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء ميالون للفوضى، مستعدون دائما للإنتفاض على أي حكومة كانت، فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل شعبا نهذبه وندربه و نعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف يجب أن يعلم أيضا عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين وهذا التشكيل.. هذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي quot;

واليوم وبعد مرور أكثر من تسعين عاما، نرانا نقترب من ذلك الوصف وكأن العراقيين عادوا إلى النقطة التي بدئوا منها، بل اثبتوا أن كيانهم إنما تأسس رغم إرادتهم ودون مشورة مكون العرقية والدينية والمذهبية، فلم تثبت أي فئة حكمت تلك البلاد مصداقيتها بإقامة كيان يرضي الجميع كشركاء فعليين في الأرض والمال والقرار، بل على العكس حاولت كل الأنظمة المتعاقبة طيلة ثمانين عاما قبل سقوطها إن تفرض شراكة بأسلوب التبعية والتهميش والإقصاء، حتى اشتعلت الثورات منذ ثلاثينات القرن الماضي في كوردستان رافضة تلك التبعية ولم تبرد بارودتها كما تقول العرب حتى نالت جزءً يسيرا من حريتها اثر انتفاضة عارمة في ربيع 1991م، لكي تعود ثانية بعد أكثر من عشر سنوات اثر سقوط ذلك النظام، لتؤسس بشكل رئيسي وبدور فعال نظاما ديمقراطيا تعدديا اتحاديا قائما على الشراكة الفعلية لا على الأغلبية العددية، تلك الشراكة والتوافق اللتان أوصلا طاقم الحكم الحالي الذي يحاول التفرد والاستحواذ على القرار باستخدام الأغلبية.

إن القضية الكردية قضية قومية جغرافية وليست قضية إدارية سلطوية، ونضال شعب وكردستان لم يكن من اجل منصب سياسي هنا أو هناك، بقدر ما كان من اجل قضية التحرر والانعتاق وحقه في تقرير مصيره، وقد ذهب الكوردستانيون إلى بغداد ساعة سقوط النظام وتخلوا عن كثير من مزايا استقلالهم منذ 1991م ليؤسسوا شراكة فعلية مع بقية مكونات البلاد وفعالياتها السياسية، نظاما ديمقراطيا تعدديا اتحاديا قائم على الشراكة الأساسية بين العرب والكورد كقوميتين رئيسيتين في البلاد، مع ضمان حقوق كل المكونات الأخرى، لا من اجل الأغلبية والأقلية التي ربما ستؤدي إلى تعقيدات لا تحمد عقباها، ولن يكون للكوردستانيون أي مستقبل فيها ضمن هذا الكيان الذي اتفقنا على إعادة تشكيله وصياغة دستوره، وفق حياة مدنية مشتركة تحترم حقوق الجميع بذات الأطوال وبشراكة فعلية في صنع القرار وبناء الدولة بشكل متحضر يليق بشعوب العراق وتضحياتها من اجل الحرية.

[email protected] hmail