قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تنشأ بين الشعوب المستسلمة إلى العواطف والأحلام في أغلبها، وبين بعض الزعماء الذين يملؤون الدنيا ويشغلون الناس أحياء وأمواتا، علاقة عجيبة يختلط فيها الكره الشديد والنقمة بالإعجاب الكبير والإجلال.وتتطوّر هذه العلاقة. وتتلوّن صعودا ونزولا بحيث يحار المتابع في توصيفها وتقويمها.ولا يكاد عاقل يتبيّن سرّ هذا التعلّق الشديد بالزعيم المنقذ الذي ينقلب في مرحلة معيّنة إلى نقمة كبيرة واستياء عارم ليتحوّل فجأة إلى تقديس بعد الموت.

آخر دليل على هذه العلاقة الغريبة ما حدث في شوارع مدينةquot;كاركاسquot; وغيرها من المدن والعواصم في أمريكا اللاتينيّة.فقد خرج آلاف من البشر تلقائيّا يبكون رحيل quot;تشافيزquot;.ولا يمكن لأحد أن يتصوّر أنّ هذه الآلاف التي خرجت باكية في الشوارع كانت تنتظر مقابلا ماديّا على الدموع التي سالت،أو كانت تتصيّد الشاشات لتمارس الرياء السياسيّ المفضوح.والسؤال الذي يطرح هو ما الذي يجعل كلّ تلك الجموع تبكي quot;تشافيزquot; نصير الفقراء خطابا وممارسة رغم أنّ أغلب من خرجوا باكين رحيل زعيمهم لم يتخلّصوا من معاناتهم وفقرهم في سنوات حكمه!!

هل أدرك هؤلاء أنّ quot;تشافيزquot; كان صادقا عندما ألقى بحزمة وعوده ولكنّ المحيط الدولي والأزمة العالمية لم تمكناه من تنفيذ برنامجه الوطني؟ هل تبيّن الذين خرجوا لتوديعه بالبكاء والعويل أنّ معاداته لأمريكا لم تكن مسرحيّة هزليّة غايتها شحن الخزان الانتخابيّ؟و هل كان المرض الذي داهمه في عنفوانه السياسيّ سببا في تعاطف الناس معه؟

بالتأكيد لم يخلُ حكم الزعيم quot;تشافيزquot; من أخطاء..تلك حقيقة لا يمكن أن ينكرها إلا مَنْ يريد تحويل الزعماء إلى أنصاف آلهة لكن يبدو أنّ السواد الأعظم من البشر -على ما يبدونه من بساطة في التفكير واستسلام للعواطف- يدركون جيّدا ما في نبرة السياسيّ،وفي سلوكه من صدق وما في ممارسته من رغبة صادقة في تحسين الظروف والأوضاع، حتى وإن انتهت محاولاته إلى فشل ذريع. ولنا في بلاد العرب ما يدعم هذا الطرح ويؤكده. أليس غريبا أنّ أكثر الذين وضعهم quot;جمال عبد الناصرquot; في السجون والمعتقلات على اختلاف توجهاتهم السياسيّة، عادوا ليمدحوا وطنيّته، وابتعاده عن مفاسد السلطة بعد أن اكتشفوا أنّه عاش بسيطا ومات فقيرا مقارنة بمن خلفه في السلطة؟؟كيف يمكن تبرير استدعاء هذا الزعيم في عديد المحافل والمنابر رغم ارتباط فترة حكمه بأكبر فاجعة في تاريخ العرب وهي هزيمة1967؟هل تتعامل الشعوب عاطفيا مع زعمائها بإلغاء النتائج والنظر في النوايا؟

وفي تونس ألم تنتفض القوى الحيّة ضدّ تسلّط بورقيبة خاصّة في 1978 و1984؟ ألم يتأسّف أغلب الذين خرجوا منادين بإسقاط نظامه المعتلّ، على فترة حكمه لمّا هالهم رعب العصا الغليظة التي رفعها quot;بن عليquot; في وجه كلّ معارضيه يمينا ويسارا؟.فهل العيب في هؤلاء الزعماء الذين سبقوا أحيانا وَعْيَ شعوبهم بأشواط أم في الشعوب الساكنة التي تستعذب الحنين إلى جلاديها؟

لن يكون quot;تشافيزquot; آخر زعيم أراد فلم يستطع...وللتاريخ أن يحكم إن كان جلادا مارس كغيره التنويم السياسيّ أو زعيما وطنيا خانته الظروف...لكن المعضلة الكبرى تظلّ في هذه الشعوب التي تبكي بلا سبب، وتبتسم ببلاهة... في هذه الجموع، تكمن شياطين التفاصيل التي تحوّل بعض الشعوب العاشقة لزعمائها إلى مايشبه طيور quot;البطريقquot; وهي تمارس لعبة الانتحار الجماعي.