كنت في حوار مع بعض أصدقائي حول ضرورة اندماج العراق في المجتمع الدولي وتقاربه مع الدول الغربية وبالذات دول الاتحاد الأوربي، عندما ابتدر احد الأصدقاء بالتساؤل عن مدى هذا التقارب، وهل يمكن أن يصل حد دخول الاتحاد الأوربي؟ فكان لهذا السؤال أثره الكبير على الجلسة التي خيم عليها الصمت لوقت طويل وكان قارعة نزلت فنسفت جلستنا وقلبت حورانا رأسا على عقب.


وفي الحقيقة لم أرد أن يذهب هذا السؤال دون مناقشة ولو مع نفسي، فالانضمام إلى الاتحاد الأوربي هو مطمح كبير ليس في أن نفكر به ونحلم بتحقيقه وحسب، بل في أن نسعى إليه كما سعى غيرنا ممن يماثلنا في النسق ومستوى التطور، فإذا كانت تركيا وهي دولة إسلامية شرقية قد فكرت بهذا الأمر بل وعملت عليه وبذلت جهودا يصعب حصرها من اجله، فلماذا لا يكون لنا ذات الطموح ونفس الحلم، هل ما يصلح لتركيا لا يصلح لنا و ما ينفعها لا ينفعنا انطلاقا من بعض الفوارق التي تميزنا عنهم، أم أن للأمر علاقة بمزاج القوى المتحكمة بالقرار السياسي للبلد ورغبتها في أن يكون للعراق وجه يتفق مع مصالحها.


إننا لا ننكر بالطبع صعوبة الانضمام للاتحاد الأوربي الذي يحتاج إلى شروط يندر تواجدها في العراق، لكن من الضروري بمكان تفهم حاجة العراق إلى وضع يتسم بالديناميكية من اجل ضمان نجاح التجربة الديمقراطية الوليدة وتوجيه العراق نحو واقع أكثر انفتاحا وإشراقا، لان حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوربي سيضع العراق على طريق العمل لتحقيق هذا الهدف مهما كلفه ذلك من إجراءات وتنازلات بغض النظر عن حجمها ومكنونها. و لنا في التجربة التركية خير مثال على ذلك حيث عملت تركيا على تنفيذ شروط الاتحاد الأوربي بالرغم في ما في بعض تلك الشروط من تناقض مع واقع المجتمع التركي وظروفه التاريخية المعقدة، الأمر الذي ساهم في بلورة واقع تركي أكثر امتثالا لشروط التطور وخطوات الانفتاح على العالم.


وبالتالي ربما يمكن للعراق الاستفادة من التجربة التركية في إنضاج واقعه وتحسين ظروفه وتوجيه دفة البلاد نحو عالم الديمقراطية الرحب بكل ما يحمله من ثراء وغنى، فقد يكون العراق متخلف عن تركيا كثيرا ويعيش في تناقضات اخطر مما في تركيا إلا انه مع ذلك يتوافر على ميزات قد لا تتوافر في تركيا ذاتها، أهمها بالتأكيد وجود النفط الذي يشكل سلاحا مهما للعراق على المدى البعيد، وربما يمكن لهذه الثروة القيمة منح العراق ميزة مهمة عند تقديمه طلب الانضمام إلى الاتحاد الأوربي قد لا يسع لتركيا تقديم مثلها أبدا، فنحن مستعدون لان نقايض النفط بعضوية الاتحاد الأوربي فيستفيد كلانا من ذلك، الاتحاد الأوربي بحصوله على النفط بدون مشاكل أو مساومات كثيرة والعراق بحصوله على أثمن عضوية تتمناها الدول بكل ما تحمله هذه العضوية من قيمة وفائدة، فيكون لهذا الأمر أثره الكبير على الواقع العراقي وقد يساهم في حلحلة بعض الإشكالات التي شكلت على الدوام تحديا كبيرا أمام فرصة بناء دولة قوية ومستقرة في العراق.


إن العراق بما يملكه من ارث حضاري ضخم وإمكانيات اقتصادية كبيرة، يشكل بالتأكيد فرصة لإنجاح مسعى العالم المتحضر في إنتاج رابطة إنسانية لا تقتصر على مجموعة الدول الأوربية وحسب بل على دول أخرى تماثل أوربا في الطموح وفي الرغبة في التطور، حتى لا تقع أوربا في فخ العنصرية والفئوية اللتان جاهدت طويلا بهدف التخلص منهما، فحتى الآن لم تثبت أوربا براءتها من هذا الأمر بالرغم من سعيها الدؤوب لذلك، فحتى تركيا التي تمتلك شطرا أوربا مهما مازالت غير قادرة على الدنو من هذا النادي، الذي اتسع لدول أوربية كانت قبل وقت قصير جزءا من العالم الشرقي كجيكيا وسلوفاكيا وهنغاريا وغيرها، فأوربا معنية بتعميم تجربتها لتشمل دولا أخرى مع احتفاظها بالشروط التي تتيح لغيرها الاندماج بهذا العالم الساحر.


فعلى العراق أن يعمل على ذلك ليس لوجود فرصة كبيرة للنجاح بل لان الضرورة تتطلب ذلك من اجل تعضيد تجربته الإنمائية وتوسيع أفاقها إلى ابعد مدا، فخير لك أن تحاول من أن تبقى بدون محاولة وهذا هو المهم الآن.
بعد أن توصلت إلى استنتاجي هذا نقلته على الفور إلى أصدقائي في جلسة الأمس، كنت راغبا في فتح نقاش حول هذا الموضوع الذي اعتقده مهما ويهم جميع العراقيين، لكنني تفاجات بان الجميع كانوا غير مبالين بذلك بل فضلوا الحديث عن الكهرباء المفقودة على الحديث عن الاتحاد الأوربي وانضمام العراق إليه، وكأنهم يقولون لي قبل أن تحلم بالانضمام إلى الاتحاد الأوربي احلم بتوفر الكهرباء فهذا أجدى وانفع.