علي النجار:nbsp; تعرض الفن التشكيلي الواقعي، أو وهم الواقع، لتغييرات وخسارات ما في عراق ما بعد الخمسينات، وان كانت له بقية من رمق في زمن الستينات (واقصد رسوم أساتذة الواقع ومعظمهم من الرواد باختلافات أزمنتهم المتتابعة أو طبقاتهم المهنية ومنهم فائق حسن ومحمود صبري والدروبي والشيخلي وكاظم حيدر وحتى نوري الراوي.) قبل أن تتحرك أو تتحول مناطقهم المألوفة من قبل الأجيال التشكيلية الأحدث (رغم تنوع اداءاتها ما بين الواقعية الطبيعية ومقاربات انطباعية أو تعبيرية واختلاطات أساليبها أو أشباهها ومؤثراتها المحلية) وترحيلها، وليس إلغائها أولا، إلى مناطق الإرث الأثري والفولكلوري ومن ثم إقصاء غالبيتها لصالح التجريب التجريدي والتجريد ألحروفي، ومن ثم ضياع المتابعة ولو بمؤثرات حداثية مستجدة. مما يعني إقصاء المنجز التشكيلي العراقي عن الحراك الاجتماعي رغم قسوة الظروف التي مرت بها تواريخه. والاستعاضة عنه بمناورات الموروث نصا قابلا للإفصاح بحدود محدوديته الخطية لا المضمون.
nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp; في الضفة الأخرى من الأطلسي، وبعيدا عن كل الحراك التشكيلي العراقي وأزمنته، وجد الفنان (أثير شيوطة) نفسه منهمكا في استعارة واقعه العراقي المفقود اغترابيا عبر رسومات واقعية بنية استعادة الأثر والتوثيق لأيامه العراقية التي افتقد حاضنها المدني. رسوم تعيد سيرةnbsp; (فائق حسن) بشطرها الفرنسي (بما ان أعمال فائق بنت خلفيتها على انجازات الرسامين الفرنسيين من ديلاكروا حتى الانطباعيين). لكن، ولكون عالم أثير الفني محصورا في ارث عائلته ومناطق سكنه المدينية العراقية، فانه ومن اجل ذلك استعار أطرا لرسوماته استقطعها من مشهد أوسع بنية تسليط الضوء على جزئياته المنتقاة وهاجس الاستعادة بأوضح صورها المفصلية وليس الشبحية العائمة. لقد صنع جزئياته الواقعية بكثافة ملونته الوجدانية ولملم أو كثف جزئياتها قبل ان تتفتت و نظمها مثلما هي في مشهدية رسومات الفنان الفرنسي المابعد الانطباعي (بونارد).
nbsp;nbsp;nbsp; رسوماته واقعية، بمعنى تأصيل تفاصيل الواقع شخوصا ومشاهد ذاتية تنير احيازها الضيقة فقط وليس سواها. لقد ابتعد عن تشخيص المشهد الخلوي والحدث السياسي وباناروما المدينة، ليجتزئ له ركنا مقاسا على قدر الذات وما يحيط بها من أواصر قريبة، على اطر من معالم أزقتهrsquo;لا مشهديتها المعمارية واستشراقية نواياها، بل على حانوت جزار أو بقال مع التأكيد على كثافة وثقل ملامح أناسها ومحتوياتها وعناوينها بملونة تتبادل تفاصيلها كيانا واحدا تمتزج ملامحه الإنسانية بملامح الجزئيات المختلفة التي تحيطها وتغمرها لحد تضخم هذه المكونات المستعادة وتبادل أدوارها صياغات أثرية ولا تفقد حداثتها أحياءا لأزمنة لا تبارح الذهن. احياز عوالمه كلها مستعادة رغم تبدل أمكنته. عالم ألفة مثلما هي تواريخnbsp; مناطقه البغدادية كالبتاوين ورأس القرية وغيرها وملامح أناسها التي نسجها من جديد في رسومات زيتية لطفولةnbsp; شبت توا عن الطوق.
nbsp;nbsp;nbsp; منذ فائق حسن تم التأكيد على براعة استنساخ الملمح الإنساني في ولع لم يخلو من جمالية مشهديه وفنتازيا أدائية. ولم تجري محاولات لتعدي هذه الجمالية والبراعة الأدائية لحد فقد مقوماتها الفنية (إن لم تكن إبداعية) ولم تكن حصيلة كل ذلك حراكا يوصلها لمناطقها القصوى ولا أثرا يمتلك مقومات أثره ولاnbsp; مؤثرات بيئية واضحة (ليست صورية) ولا بمقاربات لحراكها العالمي إلا ما ندر، وحتى الندرة ضلت تراوح مكبلة بشبكة مصادرها. ضمن تسطيح التجربة لعدة عقود زمنية، وحتى لو تجاوزنا هذا التسطيح، فإننا لم نشاهد تجارب واقعية تناور المكان زمانا كما في رسوم أثير شيوطة. علما بان شيوطة لم يأت بمعجز، وعمله يكمن في حراك هذا الواقع المفترض مكانا ذاتيا يملك شروط إثارته، وإشارة تحوز نياتها الدلالية.
nbsp;nbsp;nbsp; أثير مولع بالاستقطاعات أو الكادر الصوري الانطباعي والذي هو ياباني المنشأ لحد اقتطاع إطار الرسم (كادر اللقطة) لبعض من رسم لصورة وجهه الذي اقتطع فيه الجزء الأسفل منه كما بقية المشهد المصور كإثارة لا تفقد أية خسارة من مقومات الرسم. والأثر المصور في هذه الرسمة لا يتعدى الفراغ الاغترابي جدارا بإشارات حروفية ورقمية لأمكنة لا نستعيدها بدونها. الفراغ هنا بإشاراته الشحيحة تعدى مستواه الدلالي السياحي لسياحة الذات عبر اغترابات تتقلص أو تفقد بعض من ملامحها إسقاطات من أزمنة أسقطتها من حساباتها الجغرافية لصالح أنظمة محاسبات رقمية جديدة أفقدتنا زوايانا أو منعطفاتنا الأليفة. والملونة التي اشتغلها الفنان هي الأخرى تجردت من زهوها الضوئي الشرقي لصالح عتمة معدنية تنصلت من جدرانها حتى ملامحها المقشرة صدفا معدنا قابلا للصدأ الزمني. فهل صنع لنا الفنان استقطاعاته المكانية كما هي استقطاعات ملامحه الغير معهودة في الرسم الشخصي العراقي والعربي. هل كانت نياته التي أوصلتنا لنتائجنا هذه أم هي نواياه وكلنا نتبادل النيات المهاجرة.
nbsp;nbsp;nbsp;nbsp; في رسمه الشخصي (كما عنوانه) ثم جحيم طقسي يحتمي منه بالمظلة. في هذه الرسمة ثلاث مستويات تلوينية. الجو الطقسي ملتهب بملونة حارة استعارة لحرارة صيف هو الآن (في نيويورك) ليس ملكه، بلnbsp; هو بعض من جحيم اصيافنا التموزية وسط فوران زفت بلاط شوارعنا البغدادية. ملونة جحيمية يستعيرها الفنان محيطا قابلا للمعايشة اللاعبثية بما توفره لنا الآلة،المظلة (المستوى الثاني) من حماية استظلالية لا نزال نستعيرها عبر دروبنا. وان بدا هيكل المظلة معدنا كما هي فان اللون المعدني انصب على ملامح الفنان أيضا (في جزء أو مستوى الرسم الثالث) قناعا واقيا من كل المؤثرات الخارجية. لكنه قناع وان بدا على وشك الذوبانnbsp; والانصهار المعدني إلا أن ما يدعه متماسكا هو نسيج ملونته الإنسية الخلفية التي تشد من صرامة ملامحه ضمن فضاء نسيج الشبكة الانصهارية اللونية المعدنية. لقد خلق الفنان عناصر الشد والجذب ضمن تكنيك ملونته هذه تأكيدا وعزلا في آن واحد لهيكل ملامحه الذاتية كتلة مستقلة عما عداها من عناصر عمله الأخرى، كتلة جذب كسر من حدة هيمنتها بمعادل حركي تمثل في بصرامة مقبض المظلة وهيكلها المعدني وحركتها المائلة (كسرا لأسطرة كتل الرسم الأفقية) وعتمة نسيجها المهيمن المعتم والذي ينحدر ويتغلغل وكتلة شعر رأسه وبدرجة لونية اخف ممهدة للانحدار وظلال الوجه، لتشكل نسيجا متدرجا متعرجا يخفف من صرامة مكونات الرسم بشكل عام ويحرك مناطقه العازلة ضمن وحدة حوارية متقاربة متجاذبة ومتصادمة. أخيرا ماذا بقى لنا من كل ذلك، هل حقق الفنان غرضه الإبداعي بمونولوج أضداده أمnbsp; بتراكم وحداته وهندستها الحركية أم من خلال كمون المغزى الاغترابي كمسافر أو مشاء ابدي، وهو الذي أغرانا بعنوان رسمه كصورة شخصية. اعتقد بأنه فعلا رسما شخصيا. لكنه رسم شخصي لا كما ألفناه، بل لقد رسم بهاجس نوايا الصورة الشخصية المؤجلة أو الارتحالية لشخص تعلم حرفة الرسم كشفا عن منشأ أو لغز ارتحالاته. .
nbsp;nbsp;nbsp;nbsp; يشتغل شيوطة رسومه التذكارية عن منطقة البتاوين البغدادية كتذكارات بريدية مؤطرة بأطر منثورة ألوانا من نفس فصيلة موشور ألوان لوحته المرسومة كحوانيت بقاله أو قصابة التي تؤكد على ملامح أصحابها بتفاصيل ملامحهم العامة. ملامح أناس البتاوين هي نفسها ملامح المهاجرين من شمال العراق لهذه المنطقة السكنية. وهو إذ يستذكرها فإنما لنشاركه استذكاراته بنكهة أزقة هذه المنطقة وحميمية أناسها التي ألفناها نحن أيضا. بساطة التعبير وحتى بدائيته أحيانا لا تخفي ولعه الصوري كملون لا يفارق ارث ألوانه الشمالية الزاهية. ألوان هي نفسها ما ترتديه فتيات الشمال في أول قدومهم لبغداد البتاوين. فهل هي محاولة منه لاستعادة حلم العودة لمسقط رأسه العراقي الشمالي أم للبتاوين، مثلما اعتقد أنها آخر محطات إقامته العراقية قبل الرحيل (هذا ما تؤكده رسومه هذه أو وثائقه المرسومة). وما يدعو للدهشة هو كون هذا الفنان الشرق أوسطي وبالرغم من كل إغراءات الحراك التشكيلي العالمي وغرائبية معظم مناطقه الجديدة وتفكيكها لحد انحلالها أحيانا، ولحد إلغاء كل مكتسبات الإرث التشكيلي الحديث السابق، فانه لا يزال متشرنقا في حيز ضيق لا يتعدى ألفة محيطه الشخصي وبعض من نثار مخلفات أيامه العراقية في أضيق احيازها.
nbsp;nbsp;nbsp; ماذا تثبت رسوم أثير شيوطة. وهو أصلا يعمل في متحف فني وليس في أي عمل آخر كما العديد من أقرانه الفنانين المغتربين العراقيين أو العرب. وهل انتفى لديه حس التأثر بكل محيطه المتحفي الفني الثقافي الجديد لحده الأدنى المستحضر من بداية الزمن الحداثي، أم انه امتلك حصانة خاصة ضد كل ما هو طارئ على ذاته الإبداعية الخاصة المسترجعة من أزمنة رغم ترحالاتها إلا أنها لا تزال ترفض الرحيل بصفته المغادرة. هذا الأمر يذكرنا بقدرة الإرث الشخصي الجغرافي على العبور ثقافيا للجانب الآخر بدون التضحية بملامحه الخاصة. ملامح شعوب لا تزال تشكل ضمن اختلاطها ميزة غنى إبداعي وليس الضد من ذلك كما يروج له في كبريات المؤسسات التشكيلية المهيمنة على السوق التشكيلي العالمي. مع ذلك فان الأمر لا يعني أن ينحصر إبداعنا ضمن الملامح الواقعية وباداءاتها المختلفة وإهمال الجوانب الإبداعية الذاتية والثقافية والأثرية الشخصية والعامة وحراكها والاستفادة من كل ما يطرح في السوق التشكيلي العالمي لا لنقضها وإنما لتعزيز خطوطها العامة إرثا شخصيا وعاما ضمن مساحة الإرث البشري الخاص والعام المتحرك. لكنها هي الذات التي ترفض التجزؤ، الذات الطاغية التي لا تروم مغادرة احيازها الوجدانية وتذكارات أمكنتها الأولى، ذات أثير هي التي تقود ذائقته في عمره الغض هذا، ذائقة البرتقال ونكهة الزيتون وصلابة قشرة الجوز.

سوسن عبد الهادي: حفريات الغربة:
nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;

هذه ليست حيفا

nbsp;nbsp; بين مدينة مونتريال الكندية ونيويورك من الولايات المتحدة الأمريكية سهول وغابات ومياه بحيرات مضببة، تضاريس منخفضة ومتعرجة، لكنها تبقى ضمن مساحة يابسة محيطية واحدة رغم خط الحدود. وهكذا هي الفوارق مابين رسومات أثير شيوطة والفنانة العراقية الكندية سندس عبد الهادي. فمساحتهم المحيطية واحدة وما اختلف إلا اثأر تضاريسها. فبالوقت الذي يستعيد فيه شيوطة وثائق أزمنته الماضية كما هي من زمن رخي، فان سندس لا تستعيد بقدر ما تنبش هي الأخرى أزمنة، أزمنة تقع على الضد من استذكارات شيوطة. وان استحضر شيوطة بغداد في رسوماته فان سوسن هي الأخرى تستحضر من بغداد أمكنة أخرى تقترحها ذاكرة معاصرة، ومابين ذاكرة ثقافية وأخرى تطل علينا بغداد كما عرفناها وكما اندرست خطوط أو حظوظ معرفتنا بها. مثلما شب شيوطة عن طوق عبث الحروب الشيطانية، فان سوسن لا تزال مسكونة ضمن دوامات هذا العبث الجنوني مادام لا يزال ماثلا ومثيرا حساسيات اختلطت فيها علامات الأنوثة السرية وعلانية الفاجعة المضادة.
nbsp;nbsp;nbsp; هي التي ولدت خارج العراق ابتكرت قوانين أزمنتها المغتربة الحديثة لكنها ليست كقوانين ما بعد الحروب العراقية ولا قوانين هذه الحروب ولا ما بعدها، قوانينها هي قانون واحد يستمد شرعيته من مسارات أوتاره المستقيمة (آلة التخت الموسيقي العراقية الرئيسية) المدوزنة على أنغام الفرح لا الفجيعة رغم أنnbsp; الفجيعة هي التي تستنطقها. هكذا هي في محاولتها جمع الأضداد عبورا على أزمنة اغترابها وعثراته. هي التي فقدت بوصلة جغرافيا أزمنتها منذ الصغر تحاول استعادة بعض مساراتها عبر أزمنة أخرى فقدت هي الأخرى بوصلتها. أليس من اهتمامات ما بعد الحداثة بعثرة الخبر لحد فقدان مدلولاته وعرضها كما هي على سعة فضاءاتها، مثلما تستل سوسن حوادثها البغدادية من ركام بعثرتها ألامعقولة وتلصقها مع ما تبقى لها من خزين صندوقnbsp; طفولتها السمعية والبصرية في محاولة منها لأبصارنا بصوت هذا الخزين الوجداني كأثر يعلو على صوت الرصاص الملوث بدمائنا.nbsp;

الاوركسترا المنسية
رسمها المعنون (زهور حسين) بملونته التعبيرية الفائقة. يستنجد بموروث هذه المغنية التي تركت أثرا لزمن عراقي جميل قبل أن ترحل مبكرة بحادثة مأساوية قبل عدة عقود. سوسن تستعين بمقاطع الأغنية الاستنجادية لهذه المغنية الأثر تلصيقا وسط حاضن بيئي مغرق بملونة وجدانية رغم كمائن الغدر البشري. لقد جمعت في هذا الرسم مهارة الاشتغال على المادة والفكرة وغير بعيد عن معالجات الجيل التشكيلي الجديد، رغم التباس هذه الصنعة على العديد من تشكيليينا التقليدين للحد الذي دفع بعضهم للانتقاص من المقدرة المهنية للفنانة بادعاءات السذاجة والبدائية. والسذاجة او البدائية (بمفهومهما التقليدي) هي من ضمن المعالجات التشكيلية الجديدة التي تنسحب من كرافيت الجدار حتى قماش اللوحة المرسومة بمواد سائلة لغرض استباحة المعلن و المسكوت عنه. وان كانت خصائص هذا الرسم والرسوم الأخرى لسوسن تثير إشكالات الصنعة، فعلينا تجاوز ذلك رغبة لعدم إزعاج الصناع الكبار، والنظر لما تطرحه هذه الرسوم من أفكار (ومعظمها رسوم أفكار، أو لنقل رسوما سياسية تعالج الحالة العراقية كما تراها العين العراقية الملتاعة). فهل حققت الفنانة غرضها التواصلي الاغترابي.
nbsp;nbsp;nbsp;nbsp; بعد ان ترسخ ولع الاشتغالات الجمالية في التشكيل العراقي، وباتت هذه الاشتغالات مرهونة بتفاصيل معينة لا تتعدى موشورا لونيا معينا وتفاصيل تشير إلى الأثر المحلي الصوري والخطي وواقعية متهافتة حجبت أطرها الكثير من مساحة الحراك التشكيلي العالمي بتعدد مناطق إبداعاته واختلافاتها الأدائية والذهنية، لقد تحولت هذه الأطر الى ضوابط لمرجعية يستشهد بها لا من اجل التجاوز بل لتكريس تفاصيلها المشهدية والأدائية كمعيار نموذجي وباتت كل تجربة جديدة تتخطى مقارباته من اجل ان تساير أزمنتها المتجددة عرضة للريبة من قبل غالبة التشكيليين ونقادهم. وهذا الأمر ينطبق أيضا على نتاج سوسن الذي يبدو مظهريا كنتاج ساذج لا يمت بصلة للنتاج الواقعي الأكاديمي العراقي. من هنا حدثnbsp; هذا الالتباس، فنتاج هذه الفنانة لا يخضع أصلا لنفس المعايير النقدية التشكيلية التقليدية كونه يختلف في منطقة اشتغاله عن معايير هذه المنطقة. فالأفكار هي التي أنتجت أعمالها والافتراض هو ميزتها الواضحة. ومابين الفكرة والمنطقة الافتراضية لتنفيذها تحققت مشروعيتها بمشهديتها هذه التي هي قريبة عن مشهدية التجارب التشكيلية الشبابية المعاصرة التي لا تعير أهمية للمقاييس الأكاديمية الموروثة. بل هي تشتغل على البساطة والتلقائية والتلسيق وتجميع المفردات لتقترب بنسب ما من الواقعية الغرائبية التي هي جزء منnbsp; محيط اغتربت والتسقت أجزاءه. وهكذا هي تفاصيل حراك مجتمعنا العراقي في زمنه الراهن والتي عالجتها صوريا الفنانة.nbsp;
nbsp;nbsp;nbsp; رسومها هي حكايا في محصلتها النهائية متوحدة ونسيج مشهديتها كواقع صوري عراقي. لقد حاكتnbsp; هذا النسيج الصوري من مفردات الواقع (الحادثة) والواقع افتراضا وولع شخصي بماضي هو صور من أزمنة الرخاء أو الحلم كما هو النغم حين عبوره من وتر لوتر. لكن وكما هو الواقع الحالي حيث كمم فاه المغني وطمست معالم بقية التخت الموسيقي وقبعت صور أشباحهم تطارد مخيلتها. وان كان الشبح يظهر بعضا من ملامحه الإنسية، فقد اختلطت الملامح والأفعال وباتت سوسن متشبثة بفعل التقصي. وهكذا بدت رسومها تلتصق بأفكار تدعونا لرثاء أو ندب تواريخنا التي صنعنا نحن بعض تفاصيلها وتركنا التفاصيل الأخرى لغيرنا يلهو بها كما يشاء أو كما يشاء العصر الملتبس بمكائده الغير بريئة. لقد أتمت سوسن فعل ملسقاتها من شظايا هي مهيأة أصلا للتشضي. وبات النغم رفيقا لغدر الرصاص. والكمامة أو كيس الرأس بديلا لنضارة الملامح. وبات اغترابها اغترابين.
nbsp;nbsp; أعمال أثير شيوطة تشير إلى محاولاته الاحترافية لتقصي الملامح الإنسانية الأليفة لمحيط ألف مسالكه.nbsp; أما أعمال سوسن عبد الهادي فإنها لا تزال تبحث عن الملامح الضائعة. فهل يعني ذلك أن ثمة ثقافتين تقود ذائقتهما الصورية. اعتقد أن الأمر كذلك. فالتشضي الثقافي هو من إحدى ميزات سماتنا الذهنية والنفسية التي عمقت خطوطها حظوظنا الوطنية. والوطن هو الحاضن الحظ. وهكذا تردت حظوظنا ما بين عهر السياسة الفردية وعهر السياسة الدولية، وتشتت شملنا. وكما تخبرنا السيرة الشخصية للفنانة منذ ولادتها في بلد خليجي حتى سياحتها الاغترابية وصولا لكندا. وان هي تغذت منذ طفولتها على الحنين لنغمات طبقات الصوت اللحني العراقي ومفرداته الوجدانية. فقد خلف هذا الحنين شرخا في مسارات سيرتها الشخصية لن يندمل إلا في حالة استرجاع حاضنها الأمين المفقود. وهي التي سبرت بعض المسالك التي كشفت لها حجم خسارات جنسها (1). إن أثث أثير حاضنه الجديد (نيويورك) بمخلفات أيام عز ارثه العراقي فان سوسن لم يسمح لها زمنها الاغترابي إلا بتأثيث الخراب على أنقاض مخلفات الذات الوجدانية.nbsp;

10ـ07ـ29