nbsp;عبدالجبار العتابي من بغداد: حين تقف امام هذه المكتبة الكائنة في (سوق السراي) ببغداد، تذهب نظراتك لتلامس عددا كبيرا من الصور المعلقة على واجهة المكتبة وطرفيها والتي يعود تاريخها الى عام 1930، فيما عمقها يغرق بأعداد كبيرة من الكتب، هذه الصور هي اكثر ما يلفت الانتباه، بل انها تدعو الى التأمل للوجوه والقسمات والملامح، حيث انها اكثر ما يميز المكتبة عن سواها، لا بد لك ان تقرأ الوجوه فتأخذك في رحلة بعيدة الى ماضي العراق البعيد وتشجر في نفسك الحنين، بل ان صور الامكنة والمهن تجعلك تقارن بين الازمنة، بين بغداد الان وبغداد البعيدة، يزداد الفضول لديك لتحقق من صور تتعلق بالمهن، تشعر لحظتها ان الاناقة صفة تتسع لكل شيء، الفضول ذاته يدعو الى الاسئلة، طرح الاسئلة على صاحب المكتبة التي تحمل اسم (الزوراء) لكنها تشتهر بأسم الفلفلي، وهو السيد اكرم حسين الفلفلي، الذي قلت له اول الامر: اراك تركت المكتبة وتحولت الى بيع الصور؟ فقال: انا لم اترك الكتب وها هي المكتبة عامرة، ولكن الصور هناك طلب عليها حاليا، اسأل عن اي كتاب ستجده، لديّ هنا اكثر من 20 الف عنوان بالعربي والانكليزي، اما اذا ما كنت تقصد المعروض من الكتب في الواجهة فلأنها لا تحتمل عرض اكثر من هذا العدد.

* ما السر في اهتمامك البالغ بالصور القديمة؟
- ليس فيها اي سر، انها اعادة لتراث بغداد القديم وللناس الذين خدموا بغداد والعراق العزيز، من ملوك ورؤساء وشيوخ عشائر وشعراء ومطربين، نعيد تاريخ بغداد، لان الاجيال الحالية لا تعرف غير المطربين والمطربات الذي اساءوا حتى للغناء العربي، وهذه الصور تم عرضها بعد الاحتلال، لانها كانت ممنوعة سابقا، لان شخصية النظام السابق وطبيعته هو الحكم الانفرادي الذي يمثل صورة الرجل الواحد الذي يقود الدولة.

* كيف حال الاقبال عليها اذن؟
nbsp;- الاقبال شديد ومن مختلف الاعمار وحتى الاطفال، وكل واحد يقتني هذه الصور لاسباب فمثلا: صور شيوخ العشائر هو ما يخص عشائرهم، وبالنسبة لبغداد هناك من يحب ان يستذكر المناطق التي كان يتردد عليها او عاش فيها او نما، اضاف الى ذلك هناك من يقتني صور الملوك لكي يتعرف على هذه الشخصيات التي كانت تحكم العراق او يؤكد اعتزازه بها بعد ان كانت هذه الصور غائبة، كما ان وزارة الثقافة اشترت مني ودائرة السياحة كذلك، وكل جامعات العراق من شماله الى جنوبه، ولديّ علامتي التجارية موجودة على كل الصورة وهي (الفلفلي) باللغة الانكليزية، ولكن للاسف المجلات التي تصدر حديثا والقنوات الفضائية تنشر بعض الصور لا تشير الى اسم المكتبة ويشطبون اسمها من الصورة، على اساس انها من ارشيفها الخاص!!.

* هل تعتقد ان الصورة تكفي لاعطاء معلومات؟
- كل من عرف الشخصية سيكون لديه حب استطلاع ان يقرأ عنها ويجمع معلومات، ولا تنسى ان هذه الصور ليست في بغداد بل وصلت الى كل انحاء العالم، العراقيون المغتربون الذين جاءوا الى العراق او الذين لديهم مصالح مثل الكازينوهات والمطاعم في كل دول العالم يحبون عرض مثل هذه الصور لانها تجذب العراقيين، انا اعتقد ان كل صورة لها قصة، كل صورة بكتاب، من الممكن ان تتطلع الى الصور الجماعية لتعرف من خلال التعليق البسيط على الصورة بالاسماء كثيرا من المعلومات، مثلا: هذه صورة العائلة المالكة بكامل افرادها، فهي تعطيك عن افرادها.

* ما مصادرك في الحصول على هذه الصور؟
- هناك عدة مصادر منها خاصة ومنها الكتب القديمة ذات الطبعات الانكليزية والمجلات التي صدرت في تلك السنوات البعيدة، بالاضافة الى الصور الشخصية التي اشتريتها من شخصيات سياسية معروفة.

* ما اكثر الشخصيات التي تباع صورها؟
- الملك فيصل الثاني اكثر الصور التي عليها اقبال، لان الناس يحبونه، وكذلك الزعيم عبد الكريم قاسم، هذان دائما الطلب عليهما جيد جدا، وكذلك الشعراء والادباء والفنانين.

* الم تفكر في اقامة معرض لها؟
- نعم.. اقمت ولكن لست انا، هناك من ناب عني في اقامة معارض في الجامعات.

* ما سعر الصورة الواحدة؟
- 1500 دينار، (اكثر من دولار واحد بقليل) والورق هو الخاص بالتصوير وليس ورقا طباعيا او مقوى (كارتون).

* هل تسمع تعليقات ما من الجمهور؟
- التعليقات حدث ولا حرج، هناك قسم ينبذ بعض الاشخاص وقسم اخر يمجد فيهم ويمتدحهم، وهناك من يقف امام الصور ويبكي، هناك رجل يأتي صباح كل يوم تقريبا ويقبل صور الملك فيصل الثاني، يقول: هذا حرام طفل لماذا قتلوه، وهناك الكثير من التعليقات التي اسمعها ومنها تحديدا تذم الرئيس عبد السلام عارف، يقولون انه السبب في مقتل الملك فيصل الثاني، بتحريض من عنده.

* هل صور الشخصيات وحدها المطلوبة؟
- بل.. هناك من يحب صور المهن البغدادية القديمة ويقتنيها، النساء بائعات اللبن (اللبانات)، بائع الملح، الحلاق، بائع الرقي،بائع السمك، حامل القفة، سوق الصفافير، الخباز، وكل المهن الشائعة في بغداد القديمة لديّ صورها، وحتى وسائل النقل القديم.

* الذين يأتونك.. هل تحاول ان تعرف سر اهتمامه؟
- هناك من يحاول ان يستذكر الماضي ويشعر بالحنين لاسيما كبار السن، هنالك شخص يزورني كل اسبوع ويشتري عشرين صورة، ليس له فقط كما يقول، بل انها يوزعها على اصدقائه او يرسلها للخارج.

* هل هناك اسماء معروفة تزور المكتبة؟
- اسماء كثيرة تزور المكتبة من المشاهير من العراقيين والاجانب وحتى السفير البريطاني بعد عام 2003 زارها.

* كم صورة تبيع يوميا؟
- ليس سواء، مرات ابيع مئتي صورة ومرات مئة، ولكن لا ابيع اقل من خمسين صورة يوميا.

* اي امنية لديك تتمنى تحقيقها؟
- امنيتي ان يأتي الذي بعدي ليستمر في تعريف الاجيال الجديدة ما هي بغداد ومن حكمها لكي يقارن بين ما سبق وبين الواقع الحالي، هناك دراسات تأخذ هذه الصور وتقارن ساحات بغداد، من الممكن ان اريك صورة ساحة (حافظ القاضي) قبل عشرات السنين وقارنها بالساحة حاليا، تلك الصورة كل من شاهدها يقول انها ليس في العراق، الان الساحة كلها ازبال ونفايات، لدي صور عن شوارع بغداد وعن الازياء، على عكس الازياء التي يتم ارتداؤها الان، عليك ان تنظر الاناقة التي كان عليها العراقيون في الاربعينيات والخمسينيات والستينيات حتى وتقارنها بالاناقة الان، ما اجملها في السابق، وكذلك وسائل النقل على الرغم من محدوديتها فلها نطهة خاصة وكانت نظيفة، انظر الى صورة بائع الخبز، هل تجد مثلها الان، لا اعتقد ان هناك من يصنع الخبز ويرتبه بهذا الشكل، وهناك الكثير من الاشياء تجعل الانسان يعشق هذه الصور ويقتنيها.

* هل تعطيني نبذة قصيرة عن المكتبة؟
- اسسها حسين الفلفلي عام 1930 ولا زالت قائمة الى حد الان، تتعامل ببيع الكتب التراثية والادبية والتاريخية بكافة اللغات وكافة الاختصاصات، عندي كتب حتى مكتبة المتحف العراقي ليس لديها منها، تتحدث عن بغداد وعن العراق القديم، هي للبيع ولكن اسعارها غالية جدا، انا ابن حسين الفلفلي استلمت المكتبة من عام 1977، لديّ ابني واحتمال يأتي من بعدي وربما لا، وهذا ليس مهما لان الاسم باق، مكتبتنا كانت تعتبر مجلسا ادبيا، والكثير من الاسماء الادبية كانت تحضر اليها.