كان يعرف طريقه إلى الجامع رغم عينيه الضريرتين مستعينا بعكازه، منتظرا في كل لحظة أن يعترض طريقه أحد الصبية الأشقياء ليردد وراءه:
-ملا باميه.. ملا باميه!
في محاولة لاستفزازه ليرد عليه الملا بشتائمه المقذعة، التي لا يستثني فيها أحدا من عائلته، لكن ذلك لم يكن يغضب أحدا بل كان تدفعهم إلى الضحك وزيادة حجم نزقهم الطفولي والاستمرار في إثارته.
كان الكل في الحي ينعتونه بملا باميه في ثرثرتهم اليومية لفرط نحافته. ومع مرور الزمن طغى لقبه هذا على اسمه الحقيقي الذي لم يعد أحد يتذكره.
كانت الداية رزقية تشرف على شؤون بيته قبل أن تقيم أخته الحاجة قدرية معه. وكانت الداية تقسم انها تفعل ذلك شفقة به، وتقسم بأغلظ الإيمان انها لا تتقاضى من شيئا نظير عملها بل تفعل ذلك بحكم حقوق الجيرة. لكن عمش الكناس كان لا يتردد بعد تناوله الكأس الثالثة من العرق المغشوش الذي يصنعه جارهم عبدالمسيح من القول:
- حقوق جيرة!.. من يصدق ذلك؟ أرملة وشيخ عازب!.. نار وبنزين..هل يجتمعان معا ياناس دون أن يحدث حريق يحرق الأخضر واليابس؟.
زميله في الشرب شفيق القجقجي كان يستعيذ بالله من افتراءات عمش الكناس قائلا:
- عمش! هل سكرت كالعادة لتبدأ بهتك أعراض الناس؟ هل رأيتهما بعينيك اللتين سيأكلهما الدود في القريب العاجل إن شاءالله؟
يقول ذلك لكنه في أعماقه كان يصدق مايقوله عمش الكناس أو يراه أمرا متوقعا على أقل تقدير.
- الله أكبر.. الله اكبر..
انطلق صوت الملا باميه من مئذنة الجامع. هرع على أثره الصبية إلى بيوتهم لتناول الإفطار مع والديهم بعد يوم طويل من الصيام.

شرب الحاج سفر قدحا من اللبن وتجشأ حامدا الله على نعمته قال بعده:
- يالله من صوت عذب!.. يدخل مع الآذان الخشوع إلى القلوب بلا استئذان.
ردت عليه زوجته وهي تلوك في فمها حبة تمر:
- يقولون ان صوت مؤذن جامع الملا حسام الدين أعذب من صوت الملا باميه..وأن الملا يغار من شهرته التي أخذت تكتسح حي ( القورية).
توقف الحاج سفر عن مضغ الطعام:
- ياغبية..لا صوت يعلو على صوت الملا باميه!


* * *

لا يتذكر ( الملا بامية ) من الدنيا التي كان يبصرها في يوم ما الا مشاهد باهتة. الساقية التي كانت تمر من أمام بيتهم، وعربة علاوي المحملة بالبطيخ وهو يهرع خلفه مع أطفال الحي لسبب لا يدريه، دشداشته المقلمة بخطوط رفيعة زرقاء، وهديل الحمام في سطح الجيران.
يتذكر كل ذلك قبل أن تهبط فجأة ستارة سوداء كالليل على عينيه، أغلق فيهما كل النوافذ المضيئة التي كان يطل منها على النور في دنياه الصغيرة.
آخر مايتذكره عن ذلك النهار المشؤوم،هو أن الحاجة بهية وضعت في عينيه مسحوقا احمر أطفأ في عينيه كل نور.
امتد على فراشه بعد أن تناول الطعام الذي وضعته أمامه أخته الحاجة قدرية، مرددا بعض الأدعية.أشعل سيكارته، وسعل عدة مرات.
سألته الحاجة قدرية:
- هل تحتاج إلى شيء آخر؟
رد بالنفي. كان يتألم لوضعها، وتضحيتها بنفسها في سبيله. لولاه لكانت تنعم الآن بزوج صالح وأبناء يحيطون بها.
سنوات وهي تمد يدها الرحيمة إلى المساحة المظلمة والمعتمة في حياته. لم تشك منه قط، ولم تتأفف من خدمته ليل نهار. لربما تنتظر أن تعوض مافاتها في حياتها، في العالم الآخر، في جنة المتقين والأبرار.
أحس بأنفاسه تضيق عندما تذكر غريمه المؤذن في جامع الملا حسام الدين، والذي بدأت شهرته تعم حي (القورية). وظهر له معجبون ومؤيدون يقارنون أداءه للأذان بأدائه.
كان ألمه وخنقه يزدادان لمنافقين يمتدحونه في حضوره، ويقرعونه بسياط من ألسنتهم في غيابه.
هو لم يلتق بغريمه الشاب، مؤذن جامع الملا حسام الدين حتى الآن. لكنه رغم ذلك يغار منه، ويعتبر أداءه للأذان بدعة، وتلاعب بالأداء المتعارف عليه. كأداء أبو العينين الشعشاعي وعبدالباسط عبدالصمد ومحمود عبدالوهاب وعبدالستار الطيار والشيخ محمد رفعت.
هؤلاء هم الأصل في التلاوة ورفع الأذان.. ولكن أنى لمؤذن جامع الملا حسام الدين، الغرير أن ينهل من هذا الينبوع الأصيل، وأن يعرف كل ذلك؟!.
سمع صرير غرفة الباب. كانت أخته الحاجة قدرية تذكره بأن ثمة عشر دقائق لرفع أذان العشاء.
تنحنح وهو ينهض من الفراش. حمد الله على أن الجامع لا يبعد عن بيته إلا بمسافة قليلة. ولم يكن بحاجة إلى مساعدة ما لبلوغه.
سمع وهو يتهيأ للخروج صوت طائر ساحر. تمنى للحظة لو أنه استطاع أن يبصر الطائر الجميل.


****
كان من عادته أن يقضي بعض الوقت في المقهى القريب من منزله. وكانت من مهام الحاجة قدرية أن تقوده إلى هناك، ثم تعود إليه بعد ساعتين لاصطحابه إلى البيت ثانية.
كان صوت الغناء الصاعد من قلب المقهى يصل إلى الشارع. لم يكن الملا باميه يحبذ الغناء لأنه مضيعة للوقت. والأفضل هو الاستغفار وترديد الأدعية. لكنه لم يجد بدا من تحمل الأغاني المتتابعة أثناء ارتياده للمقهى.
نهض شفيق القجقجي من مكانه مرحبا بالملا، وكذلك فعل عمش الكناس والعسكري المتقاعد أبو جبار.
- عيني جبار.. شاي مهيّل لمولانا!
كان صوت المغني يختلط بقرقرة الناركيلة،وأصوات أحجار الدومينو والطاولة على يد لاعبين متحمسين.
تغضن وجه الملا وهو يخاطب من حوله:
- لا أدري لماذا لا يفتي مشائخنا بتحريم الدومينو ولعب الطاولة..إنها مضيعة للوقت ومفسدة للوقت.
غمز عمش الكناس شفيق بخبث وهو يشير بطرف عينه، مشيرا إلى الجهة التي يجلس فيها غريم الملا، المؤذن الشاب في جامع الملا حسام الدين. أطلق عمش ضحكة خبيثة.
أحس الملا به وكأنه يراه.
- خيرا ياعمش.. لماذا هذا الضحك الذي أراه بلا سبب.
تدخل العسكري المتقاعد وهو يسحب نفسا طويلا من الناركيلة:
- مولانا..إن مؤذن جامع الملا حسام الدين موجود في المقهى!
تظاهر الملا بامية بعدم الاهتمام، مفضلا الصمت. كان يعلم مايرمي إليه العسكري أبو جبار.يقصد أن غريمه هنا، أي أن من سيسحب البساط منه ( حسب تفكيرهم العليل) يجلس على بعد أمتار قليلة منه. لكنه مالبث أن استعاد رباطة جأشه وهو يفاجئ جالسيه:
- أرغب في التعرف عليه!
هذا ماكانوا يريدونه. إشعال نار الفتنة بين الجانبين.
انطلق عمش الكناس صوب المؤذن الشاب وهو غير مصدق، ثم مالبث أن عاد معه بعد لحظات قليلة، إلى حيث يجلس الملا بامية.
تقدم الضيف بأدب جم، محييا الجميع ومصافحا بحرارة الملا وهو يقدم نفسه:
- أهلا بك ياسيدي..أنا خادمك عبدالوهاب.
شعر الملا بامية بارتياح وهو يسمع من غريمه الكلمات التي تبجله.
بدأ الجميع في صمت مطبق بارتشاف الشاي. لم يلبث أن قطع الملا الصمت، مخاطبا غريمه:
- أعتقد ياعبدالوهاب بأنك حديث العهد بجامع الملا حسام الدين..
أجابه المؤذن الشاب بأدب:
- هو ماتقوله ياسيدي.. بدأت برفع الأذان منذ أشهر في الجامع.
- على طريقة من تتلو الأذان؟
قال عبدالوهاب بنبرة من ثقة، انعكست على صوته:
- لا أقلد أحدا.. أقلد نفسي فقط..وأتلو الأذان بمقامات مختلفة بين فترة وأخرى.
استنكر الملا بامية هذا الرد، ووجد فيه فرصة سانحة لمحاصرة غريمه.
- مقامات!.. استغفر ربك يارجل!
لم يبد على عبدالوهاب أي بادرة ترغمه على الاستسلام.
- هذه حقيقة يامولانا!.. وكنت أعتقد بأنك على علم بها!
صمت برهة قبل أن قنبلته الثانية بالنسبة للملا بامية:
- ولِمَ العجب ياسيدنا.. القرآن الكريم الا يتلى بمقامات مختلفة؟
كان الملا عازما على فضح غريمه:
- وضح ماتريد قوله!
قال الشاب بثبات لا يلين:
- اقصد مقامات موسيقية كالنهاوند والحجاز والراست والسيكاه والبيات والصبا والعجم.
واصل الملا تحديه قائلا باستصغار:
- وماذا عن إدعائك في مقامات تلاوة الأذان؟
واصل عبدالوهاب رده بهدوء:
- إنها مقامات مثل النهاوند والحجاز والسيكاه.. يعني سلالم موسيقية. ولتعلم ياشيخنا بأنني درستها في معهد الفنون الجميلة.. وأنا أرفع الأذان في جامع الملا حسام الدين تطوعا.
حانت فرصة ذهبية للملا بامية للاستهزاء منه:
- مادمت من جماعة (آمان آمان.. ياللي آمان) فمالك أنت والأذان؟
رد عليه غريمه بهدوئه المعهود:
- لقد استحسن أهل الحي تلاوتي وأصبحوا يلحون عليّ أن ارفع الأذان في أوقاتها..وأنا سعيد بذلك، لأنه يقربني من الله.
واصل الملا بامية سخريته:
- للأذان والتلوات المعطرة رجالها!.. كالشيخ النقشبندي، الشعشاعي،والطيار، والملا عابد، وأفذاذ آخرون.
قال عبدالوهاب بلهجة رصينة:
- كلهم على راسي يامولانا..لكنهم أيضا يتلون بالمقامات الموسيقية.
واصل الملا بامية عناده:
- يعني..؟
- يعني نهاوند: دو، سي، لا، صول،فا، سي، ري، دو. بيات: ري، دو، سي، صول، فا، مي، ري.
نهض الملا بامية بحنق من مقعده منتفضا:
- لا.. لا هذا لايجوز..هذا محض هراء وجنون. أمن المعقول أن يقرأ الحاج محمود عبدالوهاب بصوت الرخيم بهذا الدو والسي واللا، وبقية الخزعبلات.. التي تتحدث عنها؟!..كلنا نقلد كبار وكبار المشايخ من القراء بدون الحاجة للسيكاه والنهاوند!
في هذه اللحظة فقط تحركت المجموعة التي كانت تجالس الملا بامية،محاولة تهدئته وحثه على مواصلة الجلوس، يشاركهم في ذلك مؤذن جامع الملا حسام الدين.
- يامولانا أرجوك الجلوس..فأنا من اشد المعجبين بحلاوة ورخامة صوتك في تلاوتك للأذان أو في مشاركاتك بإحياء التواشيح الدينية.
فعل صوت المؤذن عبدالوهاب فعله في نفس الملا بامية، التي هدأ فيها لهيب الغضب،وعادت إليها السكينة بعد أن الثناء الذي سمعه من غريمه على طلاوة وحلاوة صوته.
نادى عمش الكناس على الجايجي:
- حجي.. يرحم والديك جدد الشايات!قال شفيق القجقجي كاذبا:
- والله ياجماعة أنا من عشاق صوت سيدنا..ومعجب بأداء شقيقنا عبدالوهاب..كلاهما بياض وجه لحينا، ورفعة رأس لنا جميعا!
أيد الجميع هذا الرأي، ثم خيمّ عليهم الصمت، قبل أن يفاجئهم مؤذن جامع الملا حسام الدين بقوله:
- إخوان.. ستقام يوم الجمعة المقبل في جامعنا تلاوات وتواشيح دينية..
ثم التفت إلى الملا بامية مخاطبا:
- ويسعدني يامولانا أن تكون معنا في تلك الليلة المباركة..
تدخل شفيق مشجعا الملا على القبول:
- والله يامولانا إنها فرصة رائعة.. أن نسمعكما معا..ستكون ليلة لا تنسى!
شعر الملا بالإحراج , لم يتحمس للفكرة. لكنه لو اعتذر عن المشاركة، سيقولون عنه في السر والعلن، انه خاف من مقارنة صوته بصوت عبدالوهاب مؤذن الجامع الملا حسام الدين.
انطلق منه صوت باهت:
- سأكون هناك إن شاءالله.
- بارك الله فيك يامولانا!

***
انتشر خبر اشتراك الملا بامية في تلاوة التواشيح الدينية، مع مؤذن جامع الملا حسام الدين في الحي الظامئ أبدا للغيبة والنميمة والقيل والقال.
- سنرى نهاية الملا بامية.
- بقبوله بالمشاركة أعد نهايته بنفسه.
- سيقارن الجميع أداء المؤذن عبدالوهاب بادعاء الملا بامية، الذي بدأت الشيخوخة تدب حتى في حنجرته.
- لا يا أخي فالملا والحق يقال صاحب حنجرة من ذهب، لم تتمكن منها السكائر التي يدخنها بشراهة، ونوبة السعال التي تنتابه أحيانا.
***
منذ ذلك اليوم أصبح الملا بامية يعيش حالة لا تهدا من القلق. ندم آلاف المرات لقبوله الدعوة لحضور أمسية الجمعة في جامع الملا حسام الدين. كان موقنا أن الجميع سيعقد مقارنة بينه وبين أداء المؤذن عبدالوهاب. ولسبب يجهله كان مؤمنا بأن الكفة ستكون لصالح غريمه. وكان الملا بامية معجبا في أعماقه بصوته. لكنه كان مرغما على مواصلة طريقه، الذي اختاره لنفسه قبل سنوات طويلة. فتلاوة الأذان تكفل له اهتمام الآخرين واحترامهم له. لولاها لكان مركونا بإهمال في مكان منسي في المدينة، يشحذ خبزه اليومي.
تمدد في غرقته الصغيرة التي تلاصق الجامع في فراشه منتظرا النهار الجديد، حيث موعد الحسم في أن ينطلق نجمه إلى الآفاق، أو ينتهي كل شيء.
بدأت تتلبسه وساوس وأفكار شريرة. تمنى أن يتعرض المؤذن الشاب تلك الليلة إلى نزلة برد قوية، تشل حنجرته.وكان قد سمع أن وضع كمية من مسحوق الكحل في قدح الشاي مثلا، يمكن أن يشل صاحب أقوى حنجرة، ويفقد صاحبها صوته حتى النهاية. لكنه أبعد هذه الأفكار عن رأسه.
تمتم بأدعية، وهمهم بأسماء الله الحسنى. استنجد بأولياء الله الصالحين في أن يظل في ذاكرة الناس، وأن يكون مثار إعجابهم في البقية الباقية من حياته,

30/5/2010
السابعة مساءا