لا أنسى هذه العبارة: quot;أحب العرب لأنهم فقراء، مظلومون، ومتخلفونquot;. قالها لي مرة شاعر وكاتب لن أذكر اسمه لأنه ربما لا يريد وانطبعت في ذهني. كلمات قليلة تغني أحياناً عن كتب لكنها لا تكفي شعوباً جائعة إلى كل شيء. ليتني سألته ماذا تفعل لكل هؤلاء الذين تحبهم غير الكلمات الكلمات وهم لا يقرأون؟
ومرة وحيدة التقيت رفيق الحريري ، سألني كيف تتصرف إذا كنت مسؤولاً وكلفت عمالاً تنظيف طرق مدينة بحجم بيروت ففعلوا وصارت كالمرايا اللامعة، وبعد ساعة فقط عادت وسخة لأن الناس يرمون نفاياتهم في الشوارع من نوافذ السيارات؟ أجبته: quot;أتركهم لقدَرهِمquot;. فقال: quot;لا. بل تكلف العمال أن يعودوا ساعة بعد ساعة وينظفوا الطرق نفسها من جديد. مع الوقت سيخجل من فعلتهم الناس الذين يرمون نفاياتهم من نوافذ السيارات في شوارع بيروتquot;.
****
في مكاتب جريدة بيروتية صحافي يشرح بعد يوم من 12 تموز/ يوليو 2006 أن قرى الجنوب مكتظة بالسكان وإذا ردّت إسرائيل بكثافة نيرانها الرهيبة على عملية quot;حزب اللهquot; فلا بد بعد مدة من أن تشرد إحدى قذائفها وتقع على ملجأ ما وتتسبب بمجزرة وعند ذلك تقوم قيامة الرأي العام العربي والإسلامي والدولي عليها، فتضطر إلى التراجع مهزومة من غير أن تحقق أهدافها.
فعلاً بعد أيام يصيح الصحافي وهو يقرأ خبراً وصل لتوّه: quot;مجزرة مجزرة، في قانا أيضاً... ألم أقل لكم ؟ راحت على إسرائيلquot;.
كان وجهه متهللاً تلك اللحظة وعيناه تبرقان. وعندما عرضت قناته المفضلة مشاهد أشلاء الأطفال كان يسأل من حوله بشيء من القلق كم يوماً بعد تستطيع إسرائيل الصمود؟
****
... أن تبقى أسبوعاً عاجزاً عن الكلام بعدما تأملت في صورة طفلة جميلة ألقت رأسها على نافذة سيارة إسعاف فظننتها غافية . لكنك تقرأ في كلام صورة الوكالة الأجنبية أن الطفلة الجميلة ليست نائمة بل قتلتها وألقت رأسها وشعرها الأسود الطويل على تلك الحال شظايا قذيفة إسرائيلية سقطت قرب سيارة إسعاف كانت تهرّبها من بلدة جنوبية إسمها صريفا.
كانت سنة1996 ورتب الحريري بعد ذلك ما سُمّي quot;تفاهم نيسانquot; على قاعدة تحاشي قصف المدنيين في لبنان وإسرائيل على السواء. ربحنا بالصور وقتها والطفلة النائمة لحقها كثر من أترابها.
****
تتبادل القبائل اللبنانية الأدوار بين مرحلة وأخرى . في بدايات الحرب الطويلة الأولى التي اندلعت عام 1975 كان صاحب مجلة quot;الحوادثquot; سليم اللوزي الذي اختطفته الإستخبارات السوريةوأذابت يده اليمنى بالأسيد قبل قتله يتهم quot;الجبهة اللبنانيةquot; التي جمعت القادة المسيحيين التاريخيين بأنها تتعامل مع بقية اللبنانيين على قاعدة quot;ما لنا لنا، وما لكم لنا ولكمquot;. اليوم quot;حزب اللهquot; يسير على هذا المنوال، خلافاً لاعتقاد بعض اللبنانيين والعرب أنه يقسّم لبنان بدولته quot;المينيquot; أو يُضمر فيديرالية ما على غرار ما حقق شيعة العراق . يعتمد الحزب القاعدة التي حدّدها اللوزي وطوّرها بشير الجميّل في ما بعد إلى أخذ السلطة، كل السلطة عندما لاح له الظرف المناسب.
الظرف غير مناسب لـquot;حزب اللهquot; اليوم، وأمينه العام ليس مارونياً ليتطلع إلى رئاسة الدولة كل الدولة في لبنان المقسمة سلطاته على الطوائف. الخطة الأمثل في هذه الحال تنصيب حليفه ميشال عون رئيساً. ميشال عون الذي يكرّر في مجالسه أن الرئيس الحالي ميشال سليمان لن يحكم، والذي يزايد على quot;حزب اللهquot; حتى في مقاومة إسرائيل.
الرجل نفسه كان أحد مستشاري بشير الجميّل وأحد المخططين لالتقاطه فرصة الإجتياح الإسرائيلي للقبض على كل السلطة ، وقد نصح له بانقلاب عسكري في ظل جيش الدولة العبرية وكتب الخطة، على ما يروي كتاب quot;أسرار الحرب اللبنانيةquot; الواسع الإنتشار في لبنان للصحافي الفرنسي آلان مينارغ الذي هدده عون برفع دعوى ضده أمام المحاكم الفرنسية. لكنه لم يدّع بعدما أوضح له محاموه أن الدعوى خاسرة سلفاً . فالكتاب مثبت بالوثائق والمحاضر وبينها خطة الإنقلاب بخط يده.
كان عون برتبة كولونيل في الجيش تلك الحقبة وعمل في خدمة مشروع الجميّل وفقاً للقاعدة الذهبية التي اتبعها بشير: quot;ما لنا ( ميليشيا quot;القوات اللبنانيةquot; ودويلتها آنذاك) لنا وحدنا، وما لكم ( الجيش مثلاً) لنا ولكمquot;. لكن الضابط الطموح عجز عن إقناعه بخطته لتفضيل بشير الإنتقال إلى قصر رئاسة الجمهورية عبر مجلس النواب، quot;ديمقراطياًquot; على طريقة تصويت البرلمانات العربية في القضايا السلطوية.
في أحد خطبه الشهيرة يقول السيد حسن نصرالله: quot;قبل أن تتكلم على سلاح المقاومة قل لنا من أنت؟ ما هو تاريخك؟quot;.
في مجالسه يقول ميشال عون هذه الأيام لسائليه عن مواقفه:quot; لم يريدوني ( قوى 14 آذار/ مارس) رئيساً للجمهورية. فليتحملوا النتائجquot;.
****
لا بدّ من تكرارٍ عند كل تطرّق إلى الأهواء السياسية في لبنان إن أحوال المتحزّبين إلى أي فريق مالوا تشبه إلى حد بعيد أحوال عاشقين لا يرون في معشوقيهم إلا جمالاً على جمال، ذاهلين عن كل شيء وكل أحد سواهم. يُعدّ هذا الحال في السياسة تخلفاً أما في العشق فما أحلاه!