قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مشاهدة الأحداث المروعة في قطاع غزة اشبه بمتابعة عملية سوريالية. لقد أصاب الرئيس محمود عباس حين وصف ما يجري بأنه quot;عدوان إسرائيلي وحشيquot;. بيد ان كارثة غزة هذه كانت متوقعة. لم تكن إسرائيل تحتاج ذريعة لشن حرب على مدينة محاصرة منذ أكثر من ثمانية عشر شهرا. لقد عملت الإستراتيجية الإسرائيلية علي اضعاف الشرعية الفلسطينية، بل وتقويضها، ومن ثم الحيلولة بينها وبين الوصول الى دولة فلسطينية مستقلة. وفي هذا السياق، جاءت مساندة اسرائيل لحركة حماس في بدايات نشوئها، بأمل ان تشكل بديلا لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت اسرائيل تعتبرها آنذاك منظمة إرهابية. لقد رأت إسرائيل في حماس قوة محتملة قادرة على إضعاف التوجه القومي العلماني الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية. كان ذلك أسلوبا ً تكتيكيا ً قائما على مبدأ: quot;فرِق تسُدquot;.
ما فشلت إسرائيل في فهمه آنذاك، وواصلت فشلها في استيعابه، هو أنها لم تتمكن من إلغاء حق شعب فلسطين في وطنه. كما أنهم لم يفلحوا أبدا ً في إيقاف أي من حركات المقاومة عن طريق القوة الوحشية أو الإخضاع.
إن تصريح ايهود باراك بأن العمليات العسكرية سوف تستمر إلى أن يتحقق السلام والهدوء، والإدعاء بأن غزة لا تشهد أزمة إنسانية، كلام يثير الضحك، رغم ان ما يجري من فظائع اسرائيلية أبعد ما يكون عن الضحك.
السلام؟ هذه خرافة إسرائيلية تم نسجها وطمرها داخل اللغة الدولية للسياسة والدبلوماسية. السلام لا يعني شيئا ً لشعب تم حبسه إما بواسطة الاحتلال أو الحصار أو إنكار حقه في دولة مستقلة.
الغرب، من جهته، يبيع كلمة quot;السلامquot; لنا كفلسطينيين، مربوطة في العادة بأكثر من quot;لوquot;، مثل لو توقفت مقاومة الاحتلال، لو توقف إطلاق الصواريخ إلى داخل المناطق الإسرائيلية التي يقطنها المدنيون، لو ان الانتخابات الديمقراطية لم تكن نتيجتها فوز حزب لا يعترف بإسرائيل، لو جرى التخلي عن حق العودة، لو تم التنازل عن القدس، وعن السيطرة على حدودنا برا وبحرا وجوا، ولو توقفنا عن المطالبة بممارسة حقوقنا الأساسية التي يمارسها كل اسرائيلي او اميركي.
على المستوى العربي لا يبدو الأمر افضل كثيرا. إن غياب الترابط العربي ساهم بدور كبير في تعزيز قوة إسرائيل وتفوقها الواضح. لقد تخلت الدول العربية عن آلام الفلسطينيين، نعم أقدر أن هذا نقد لاذع، لكنه في موضعه. فقد تعرضت القضية الفلسطينية للمقايضة والتبديل وفقا للمناخ السياسي السائد في حينه. هناك التعهدات التي نادرا ما تم تنفيذها. وهناك الالتزامات التي كثيرا ما جرى التعهد بها للفلسطينيين، لكن في واقع الأمر لم يصل منها سوى القليل جدا ً للشعب. وهناك عدم استخدام اكثر من منطقة نفوذ تمتلكها الدول العربية الكبرى مع الغرب.
ومن جهتهم، فإن الساسة الفلسطينيين، سواء الموجودين في السلطة، أو ممن هم من أصحب النفوذ السياسي أو المالي، فقد كانوا ولا يزالون غير قادرين على العمل مع هؤلاء الذين يحملون منهجية مختلفة معهم، وهم بالتالي سمحوا لهذا النقص في التعاون بأن يضعف قضيتنا العادلة في استعادة الوطن وتحقيق الدولة المستقلة.
لقد سقطنا في واقع الأمر في شرك صممته إسرائيل لخلق الفرقة والاحتكاك بين الأحزاب السياسية الفلسطينية على حساب الشعب. وعلى هذا النحو، نجحت إسرائيل بفاعلية في تقسيمنا، وبدلا من تركيز القادة الفلسطينيين استراتيجيتهم على تأسيس دولة فلسطينية، جرى إنفاق الطاقة على حماية النفوذ والسلطة السياسية.
ينطبق هذا على حركتي فتح وحماس، إذ ان خلافاتهما السياسية اسهمت في مساندة الخرافة الإسرائيلية التي تزعم أن الفلسطينيين ليسوا شركاء في السلام، وأنهم عاجزون عن تكوين دولة ذات سيادة، أساسها الديمقراطية وسيادة القانون.
إن كل مسيرات الدعم، والتعاطف الشعبي، في العالم، لن تمنح موطنا للفلسطينيين، مثلما ان تصميم إسرائيل المتواصل على تدمير غزة والشعب الفلسطيني، لم ولن ينجح في إنهاء إصرار الشعب الفلسطيني على بلوغ الدولة المستقلة.
بيد أن طموح الشعب الفلسطيني وحقه في تأسيس دولة مستقلة، سوف يصبح أمرا حقيقيا عندما يكون الفلسطينيون أنفسهم قادرين علي التحدث بصوت موحد ومنسجم مع الرسالة ذاتها، وعندما تكون أحزابنا السياسية قادرة علي تنحية أيديولوجياتها جانبا، من أجل القضية المشتركة. فمسألة بناء أمة هي رحلة شاقة من نواحي عدة، أكثر من كونها عملية تحرير فقط.
إن قصف اسرائيل الوحشي لغزة، واستمرار سياستها في انتزاع الأرض، وصراخها الدائم عن حاجتها لتوفير الأمن لشعبها على حساب أمن الفلسطينيين، كل هذا يثبت أن حديث اسرائيل عن quot;السلامquot; أمر لا معنى له.