كايبتاون (جنوب أفريقيا): في السادس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر، توفّي الرئيس الفخري للأساقفة الأنغليكان في جنوب أفريقيا ديسموند توتو الذي عُرف بروحه المرحة وحيويته واستقامته عن 90 عاماً إثر مسيرة تميّزت بالنضال ضدّ نظام الفصل العنصري ومن أجل إصلاح ذات البين والدفاع عن حقوق الإنسان.

وبقي الأسقف الحائز نوبل السلام والمعروف ببنيته الصغيرة وصراحته حتّى ساعاته الأخيرة يندّد بالمظالم وينتقد الحكام، أيّاً كانوا.

في الأشهر الأخيرة، تراجع الوضع الصحي لديسموند توتو الذي كان أبناء بلده يسمّونه تحبّباً "ذي أرتش".

لم تعد له إطلالات علنية، لكنه كان يوجّه دوماً تحيّة إلى الصحافيين الذين يتابعون تنقلاته، ببسمة أو نظرة معبّرة، كما حدث مثلا خلال تلقّيه اللقاح المضاد لكوفيد-19 في أحد المستشفيات أو خلال قدّاس في كايبتاون احتفاء ببلوغه 90 عاماً في تشرين الأول/أكتوبر.

وكان توتو قد صرح لوكالة فرانس برس العام 2011 "إنه لشرف كبير أن يعتبر الناس أن اسمكم من شأنه أن يغيّر مجرى الأمور".

صحيح أنّ إنجازاته شكّلت مصدر فخر لكثيرين، غير أنّ بعض مواقفه أثار استياء عارماً.

فقد أثار حفيظة الكنيسة الأنغليكانية بدعمه المثليين والحقّ في القتل الرحيم، وغيظ الصين مع تأييده قضية التيبت ودالاي لاما، وسخط الحكومات التي تعاقبت على رأس جنوب أفريقيا بعدما ندّد بإخفاقاتها.

حتّى صديقه نيلسون مانديلا لم يسلم من لسعات لسانه. فقد عاب توتو على حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الذي كان مانديلا ينتمي إليه عقلية "انتهازية"، وقت وصول صديقه إلى سدّة الرئاسة في 1994.

ودافع الأسقف عن مبادئه الراسخة بحماسة عارمة.

وقد تميّز بروح الدعابة وضحكة قويّة ولم يكن يتوانى عن أن يسخر من نفسه أو أن يرفق تصريحاته بخطوات راقصة.

ذاع صيت ديسموند توتو في أحلك ساعات نظام الفصل العنصري.

وعندما كان كاهناً، تولّى تنظيم مسيرات سلمية ضدّ سياسات التمييز العنصري، مطالباً بعقوبات دولية في حقّ النخبة البيضاء الحاكمة في بريتوريا.

وخلافاً للمناضلين الآخرين، لم يعرف السجن نظراً لرتبته الكهنوتية. وتوّج نضاله اللاعنفي بنوبل سلام سنة 1984.

"بلد قوس قزح"

بعد إرساء أسس الديموقراطية في 1994، تولّى ديسموند توتو الذي ابتكر لقب "بلد قوس قزح" لجنوب أفريقيا رئاسة لجنة الحقيقة والمصالحة، على أمل طيّ صفحة الحقد بين الأعراق.

وقال "أكاد أطير من الفرح. هو شعور رائع يشبه الوقوع في الغرام. نحن الجنوب أفريقيين سنصبح بلد قوس قزح في العالم".

لكن سرعان ما خابت آماله، فرغم حصول السود على حقّ التصويت، بقيت هذه الفئة التي تشكّل غالبية السكان فقيرة إلى حدّ بعيد.

وبقي توتو الذي كان يحمل ضمن جملة ألقابه لقب "كاهن كايبتاون" متمسّكاً بقناعاته وراح يندّد بتجاوزات حكومة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، منتقداً إنحرافات الرئيس السابق تابو مبيكي في مكافحة الأيدز والفساد.

وفي العام 2013، تعهّد حتّى التوقّف تماماً عن التصويت للحزب الذي قهر نظام الفصل العنصري. وقال "لم أناضل للإطاحة بأشخاص نصبّوا أنفسهم آلهة فيحلّ مكانهم آخرون يضعون أنفسهم في المنزلة عينها".

ظلّ ديسموند توتو يدافع بلا كلل عن وحدة الأعراق. ولم يتوانَ في العام 2011 عن اقتراح ضريبة على الثروة تفرض على البيض لتعويض الأضرار، قائلاً "إنهم استفادوا من الأبرتايد" (نظام الفصل العنصري).

وكانت له إطلالات في ساحات النزاعات كافة في العالم، من الكونغو الديموقراطية إلى فلسطين، مروراً بالسودان وكينيا. ودعا إلى محاسبة الزعماء الغربيين على قرار الحرب على العراق.

سحر خلال مشواره النضالي قلوب شخصيات كثيرة.

ولقبّه الدالاي لاما بـ "الأخ الروحي البكر"، فيما وصفه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما بـ "رمز الطيبة والسلام". وأقرّ فريدريك دي كليرك آخر رؤساء جنوب أفريقيا البيض بـ "عميق الاحترام لهذه الشخصية الجريئة".

ووضعه نيلسون مانديلا في مرتبة القدّيسين، قائلاً إنّ "الله ينتظر الأسقف الكبير وسيستقبله بترحاب. وفي حال وصل ديسموند توتو إلى الجنّة ولم يُسمح له بالدخول، فأيّ منّا لن يدخلها".

وعندما كان توتو يُسأل عن شهرته، كان يبتسم ويشكر لعائلته مساعدته في الحفاظ على تواضعه.

أصول متواضعة

ولد ديسموند توتو في 7 تشرين الأول/أكتوبر 1931 لعائلة متواضعة في بلدة كلركسدورب الصغيرة الغنية بالمناجم في جنوب غرب جوهانسبرغ. وقد أصيب خلال طفولته بشلل الأطفال.

كان يحلم بأن يصبح طبيباً، لكنه تخلّى عن هذا الطموح لنقص الإمكانات. وقد أصبح مدرّساً قبل أن يستقيل احتجاجاً على التعليم المتدني المخصص للسود ودخوله إلى الكنيسة.

في سن الثلاثين رُسم كاهنًا ودرّس في بريطانيا وليسوتو ثم استقرّ في جوهانسبرغ في 1975.

وديسموند توتو الذي عيّن رئيساً لأساقفة كايبتاون وللطائفة الأنغليكانية في بلده، كان متزوجاً منذ 1955 من ليا وأنجب منها أربعة أطفال.

ورغم تشخيص إصابته بسرطان البروستات في 1997 ودخوله المستشفى مراراً، لم ينسحب الرجل الذي عرف بحيويته الاستثنائية من الحياة العامة إلا بشكل تدريجي وتقاسم حساباً على "تويتر" مع ابنته مبو التي تدير مؤسسته.

وقد تمسّك بحلمه بجنوب أفريقيا متعددة العرق تسودها المساواة.

وعند وفاة نيلسون مانديلا في 2013، أنعش ديسموند توتو مراسم مملّة جدّاً عندما صرخ بقوة "نعم" للجمهور بعدما قال أمامه "نعد الله بأننا سنسير على خطى نيلسون مانديلا!".