رئيس الوزراء الكيني رايلا اودينغا

كشفت زيارة رئيس الوزراء الكيني لإسرائيل عن تجديد دور تل أبيب في دعم الصراعات المسلحة في القارة السوداء، إذ تعهّد نتانياهو بمنح نيروبي دعماً يعزز معاركها ضد الصومال، ورأى خبراء في تصريحات لـ إيلاف أن تلك التطورات تعكس عودة إسرائيل إلى أفريقيا بعد فتور دام أربعين عاماً.


تعهّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بتوفير غطاء لوجيستي وعسكري للجيش الكيني في مواجهته المسلحة ضد ميليشيات (الشباب) التابعة لتنظيم القاعدة في الصومال. وأوضحت تقارير نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية، أن تعهدات نتانياهو جاءت خلال زيارة قام بها رئيس الوزراء الكيني رايلا أودينغا إلى تل أبيب في الأسبوع الجاري.

أبعاد استراتيجية اسرائيلية بالغة التعقيد

وألمحت التسريبات، التي نشرت صحيفة معاريف العبرية جزءاّ منها، إلى أن الدعم الوجيستي والعسكري الإسرائيلي لن يقتصر على كينيا، وإنما سيطال دول القرن الأفريقي وشرق القارة السوداء، التي يبلغ عدد سكانها 138 مليون نسمة، يدين معظمهم بالمسيحية.

وقالت التسريبات إن هذه الدول هي إثيوبيا، وكينيا، وجنوب السودان، وتنزانيا، وإن الدعم الإسرائيلي، الذي يدور الحديث عنه، سيشمل مواد خرسانية جاهزة، وسفنًا سريعة، ومدربين عسكريين، وأسلحة، وآليات نقل مدرعة، ومنظومات تعقب الكترونية.

ووفقاً لما نقلته التسريبات عن دوائر أمنية في تل أبيب، تنطوي الإمدادات اللوجستية والعسكرية الإسرائيلية لدول القرن الأفريقي وشرق القارة السوداء على أبعاد استراتيجية بالغة التعقيد، إذ تسعى حكومة نتانياهو إلى تدشين محور أفريقي مناهض لما وصفته إسرائيل بالتيار الإسلامي المتطرف في أفريقيا.

أما في ما يتعلق باختيار إسرائيل لدول القرن الأفريقي، فيعود إلى كثافة السكان المسيحيين في تلك الدول، وإمكانية استغلالهم في دحر نمو التيارات الراديكالية، بحسب وصف الدوائر الإسرائيلية.

وتؤكد التسريبات أن إسرائيل تحاول بتلك الخطوة أيضاً وقف المد الإيراني والشيعي في قارة أفريقيا، واحتجاز مواقع في القارة السوداء، لتحويلها لاحقاً إلى قواعد لسلاحي البحرية والجو الإسرائيليين على امتداد خليج عدن وشرق المحيط الهندي، إذ تسود التقديرات لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بأن إيران وضعت لنفسها قدماً عسكرية في تلك المناطق.

ونقلت دوائر أمنية إسرائيلية عن رئيس الوزراء نتانياهو تأكيده لنظيره الكيني أن إسرائيل تعتزم تدشين ائتلاف مناهض لتيارات الراديكالية في أفريقيا، على أن يشمل هذا الائتلاف كينيا وأثيوبيا وجنوب السودان وتنزانيا.

وتشير التسريبات العبرية إلى أن الخطوات الإسرائيلية بهذا الخصوص تجري بالتنسيق مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، في إطار ما تصفه الولايات المتحدة بدحر نفوذ التيارات الراديكالية في القارة السوداء، ففي وقت تعكف الإدارة الأميركية على خلق قنوات من التواصل والتقارب مع جماعة الإخوان المسلمين في شمال أفريقيا والدول العربية، تعمل بالتعاون مع إسرائيل وفرنسا على تعزيز مكانة العناصر غير الإسلامية في القرن الأفريقي وشرق القارة السوداء.

غطاء لوجستي وعسكري لدول القرن الأفريقي
وأوضحت مصادر مقرّبة من ديوان رئاسة الوزراء الإسرائيلي، أن رئيس الوزراء الكيني رايلا أودينغا أكد خلال زيارته لتل أبيب في الثالث عشر من الشهر الجاري، أن بلاده حصلت غطاء لوجيستي من الدولة العبرية، مشيراً إلى أن هذا الغطاء سيمكن كينيا من تعقب الأصوليين الإسلاميين العاملين في البلاد.

وألمح محللون سياسيون في تل أبيب إلى أن تصريحات أودينغا، تعكس تلقي رئيس الوزراء نتانياهو والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز تحذيرات من المستوى الاستخباراتي بعدم التعهد للضيف الكيني باعتزم إسرائيل المشاركة في محاولات كينيا مداهمة الأراضي الصومالية لمجابهة مليشيا (الشباب).

كما تلقت الولايات المتحدة التحذير عينه من وكالة الاستخبارات المركزية الـ CIA، في مقابل ذلك يقتصر الغطاء الإسرائيلي على الدعم اللوجيستي والعسكري فقط، نظراً إلى عدم ثقة الولايات المتحدة وإسرائيل في رغبة كينيا دحر مليشيا (الشباب) الصومالية، وإنما تعتقد واشنطن وتل أبيب أن كينيا تتطلع إلى احتلال مدينة الميناء البحري الصومالي (كاسمايو) الواقعة على ساحل المحيط الهندي، ويقطنها ما يقرب من ربع مليون نسمة.

وبعيداً عن أن المدينة تُعتبر عاصمة لمليشيا (الشباب)، حيث انطلق منها العديد من العمليات المسلحة في قلب العاصمة نيروبي، ينذر احتلال كينيا لتلك المدينة بسيطرة نيروبي الكاملة على جنوب الصومال، غير أن إمكانيات الجيش الكيني، سواء كانت العسكرية أو اللوجستية، لا تمكنه من النجاح في تلك الخطوة، إذ يكتفي الكينيون في الوقت الراهن بقصف المدينة جواً، ومن المنتظر أن توفر لها الإمدادات الإسرائيلية فرصة السيطرة الكاملة على المدينة.

ولعل هذه المعطيات هى التي حدت بتأكيد رئيس الوزراء الكيني على أن إسرائيل ستساعد وزارة داخلية بلاده على تعقب العناصر الإسلامية المتطرفة في بلاده، بحسب صحيفة معاريف العبرية، ولم يكن مستغرباً وفقاً للصحيفة عينها أن يصطحب أودينغا خلال زيارته لإسرائيل وزير الأمن الداخلي الكيني جورج سيتوتي، الذي أكد أنه منذ مداهمة جيش بلاده للصومال نفذت مليشيا (الشباب) التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي العديد من العمليات التخريبية في العاصمة الكينية نيروبي.

خلق قنوات من التقارب للتأثير على الدول العربية

وفي حديث خاص لـ quot;إيلافquot; يرى الخبير الأمني الباحث في الشؤون الأفريقية ndash; الإسرائيلية حسين حمودة: quot;أن التوغل الإسرائيلي في القارة السوداء لا يقتصر على التسريبات العبرية الأخيرة، وإنما تسعى حكومات تل أبيب منذ وجود إسرائيل في المنطقة إلى العبث في أفريقيا، وخلق قنوات من التقارب معها، للتأثير بذلك على مواقفها السياسية، وربما الأمنية، من الدول العربية، وتتخذ إسرائيل من الصراعات المسلحة في أفريقيا مدخلاً لتفعيل نفوذها السياسي والأمني، فلم تكن إسرائيل بمنأى عن صراع إقليم دارفور، كما لم يغب الدور الإسرائيلي عن الصراع المسلح بين جنوب السودان وشماله قبل إعلان دولة الجنوبquot;.

والحقيقة بحسب الخبير حسين حمودة، وحديثه مع quot;إيلافquot;، هي أن إسرائيل تدخل في صراع على احتواء الدول الأفريقية مع قوى إقليمية ودولية أخرى، مثل إيران وفرنسا والولايات المتحدة، إذ استخدمت إيران دول القارة السوداء في تمرير العديد من صفقات الأسلحة، مخترقة بذلك قرارات مجلس الأمن الدولي، والعقوبات الدولية المفروضة عليها، ولا يغيب عن إسرائيل مساعي حكومة طهرانإلى تعزيز مواقف التيارات الراديكالية في أفريقيا، لتحويلها لاحقاً إلى سلاح يساهم في توسيع نطاق مدها الشيعي في الشمال الأفريقي والدول العربية.

وفي حديثه لـ quot;ايلافquot; أضاف الخبير حموده المدير السابق لإدارة مكافحة الصهيونية في جهاز أمن الدولة المصري: quot;إن محاولات إسرائيل للسيطرة سياسياً واقتصادياً على الدول الأفريقية لا تتوقف عند الدول ذات الغالبية السكانية المسيحية، وإنما تتجاوزها إلى الدول الإسلامية الأفريقية، مثل السنغال، إذ تنطلق في مساعيها من زاوية خلق قنوات من التقارب الناعم، ولعل ما فعه ممثل تل أبيب الدبلوماسي في العاصمة السنغالية دكار خلال عيد الأضحى الماضي يؤكد ذلك، إذ كلفته الخارجية الإسرائيلية بتقديم 99 خاروفاً هدية من الدولة العبرية لحكومة السنغال، وتوزيع هذه الخراف على فقراء ويتامى الدولة الأفريقية، الذين يدين معظمهم بالإسلامquot;.

ضلوع تل أبيب غير المباشر في حربين مرتقبتين

الغريب بحسب حسين حمودة هو أن إسرائيل اختارت 99 خاروفاً ليتناسب العدد مع أسماء الله الحسنى، ولعل ذلك هو ما أكده سفير تل أبيب لدى دكار، زاعماً احترام إسرائيل لطقوس المسلمين في أعيادهم، الأغرب من ذلك أن حكومة السنغال باركت الخطوة الإسرائيلية، واعتبرتها دليلاً على متانة العلاقات مع الحكومة الإسرائيلية، وتلقى سفير تل أبيب في دكار خطاب شكر يحمل هذا المضمون.

أما الخبير الدكتور سيد فليفل العميد السابق لمعهد البحوث والدراسات الأفريقية في جامعة القاهرة، فقال في حديث خاص لـ quot;إيلافquot;: quot;إن التسريبات العبرية التي يدور الحديث عنها تعكس مدلولاً وحيدًا، وذلك إذا خرجت إلى حيز التنفيذ، وهو ضلوع إسرائيل غير المباشر في حربين مرتقبتين في القارة السوداء، بدأت إحداهما كينيا في السادس عشر من تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، عندما اجتازت قواتها الحدود الصومالية لمداهمة مليشيا (الشباب) المحسوبة على تنظيم القاعدة.

أما الحرب الثانية فيمكن الإشارة إلى بوادرها على خلفية تردي الأوضاع الأمنية على الحدود الفاصلة بين شمال السودان وجنوبه، وتؤكد تلك المؤشرات أن خيار المواجهة العسكرية السودانية مع دولة جنوب السودان الوليدة ليس مستبعدًاquot;.

ويؤكد خبير الشؤون الأفريقية فليفل في حديثه لـ quot;إيلافquot;: quot;تعكف إسرائيل على دعم رئيس جنوب السودان سيلفا كير عسكرياً واستخباراتياً، وذلك في مقابل المساعدات التي يمنحها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للرئيس السوداني عمر البشير، وعبر هذه الآليات تعود إسرائيل بشكل سريع إلى أحضان القارة السوداء بالأسلوب القديم نفسه،وهو تزكية الصراعات الأفريقية المسلحة، بعدما توقف نشاطها لمدة أربعين عاماًquot;.