يقلق مراقبون أميركيون من احتمال امتداد الأزمة السورية سنوات طويلة إن لم تبادر الولايات المتحدة إلى تحرك سريع وفاعل. وما يزيد قلقهم أن شهية الأميركيين للتدخل مسدودة، إذ اكتفت واشنطن بإرسال مناظير ليلية ودروعًا جسدية للمعارضة، ردًا على أدلة مقنعة على تجاوز الأسد خط أوباما الأحمر الكيماوي.


لندن: طغى القلق على أحاديث أجرتها مجلة فورين بولسي خلال الأيام الماضية مع خبراء بشؤون الشرق الأوسط من داخل الحكومة الاميركية. فقد كان هناك احساس متزايد بأنه ما لم تُطلق مبادرة سريعة تتوفر لها القيادة المحنكة والنظرة العميقة والموارد الكافية، فإن نظام بشار الأسد في سوريا يمكن أن يتشبث بالسلطة لسنوات قادمة. وفي هذه الحالة، أو حتى إذا سقط الأسد قبل ذلك، فإن سوريا ستبقى جرحًا مفتوحًا، بل ساحة حرب تنشر الدمار والعنف والفوضى في البلاد.

وحتى في اعقاب تسوية تُنهي النزاع، فإن التداعيات الناجمة عن سيطرة متطرفين على سوريا، إذا تحقق لهم ذلك، ستمتد من سوريا إلى لبنان والاردن والعراق واسرائيل والأراضي الفلسطينية.

طغاة جدد

إذا اجتمع هذا كله مع التوجسات المتعاظمة إزاء مآل ثورات الربيع العربي في تونس وليبيا ومصر، والقلق على استقرار منطقة الخليج، ناهيكم عن أفغانستان وافريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، فإن سيناريو ذا مصداقية يتبلور في سنوات من الغليان، الذي يفيض ويهدأ، من مالي إلى باكستان، مع جيوب قليلة مستقرة بينهما. وليس هذا أفقًا محتومًا، ولكن من الجائز أن يتحول القلق من وجود دول فاشلة إلى التعامل مع الحقائق القاسية لإقليم كامل من هذه الدول، على حد تعبير مجلة فورين بولسي.

وقد يجد العالم نفسه في غمرة من النزاعات المتصلة. وبسبب خوف غالبية القوى الدولية الكبرى من هذه النتيجة وأثمانها الباهظة، هناك احساس متزايد بأنه بدلًا من التركيز على إيصال كل هذا الغليان إلى نهايات ديمقراطية، ستقنع الولايات المتحدة والقوى الأخرى قريبًا بجيل جديد من الطغاة في الشرق الأوسط.

ومن علامات هذا الاتجاه استعداد الولايات المتحدة لاحتضان شركاء مشبوهين، مثل الرئيس الافغاني حامد كرزاي أو رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وامتناعها عن المجاهرة بنقد حكام ذوي قيم مشبوهة مثل الرئيس المصري محمد مرسي.

خطوات رمزية

تنقل فورين بولسي عن خبراء رسموا هذه الصورة قولهم إنهم ينظرون إلى رفض الولايات المتحدة انتهاج سياسات قد تؤثر في مآلات البلدان المهددة بهذه المخاطر على انه عامل يساهم في انعدام الاستقرار وصعود حكام مستبدين آخرين.

وتشكل سوريا مثالًا ساطعًا على نتائج هذا الرفض. وفي حين أن الولايات المتحدة صعدت من لهجتها خلال الأسابيع الأخيرة، وعززت دورها الهامشي في الوضع السوري، فإن تقاعسها المستمر أشد تأثيرًا في الوضع على الأرض من تحركها الأخير.

ولابد من التنويه بأن تمركز 200 جندي أميركي في الأردن، وزيادة المساعدات غير الفتاكة للمعارضة السورية مثل النواظير الليلية، أو تكثيف نشاط وكالة المخابرات المركزية في التدقيق بتوجهات الفصائل السورية المعارضة بأمل العثور على قيادة تستطيع الولايات المتحدة أن تعيش معها، خطوات ايجابية. لكنها خطوات تلغيها وتكشف طابعها الرمزي تقارير تحدثت عن وجود أدلة تؤكد لجوء النظام السوري إلى استخدام اسلحة كيمياوية، متجاوزًا الخط الأحمر الذي رسمه الرئيس الأميركي باراك اوباما.

وحين رُسم الخط الأحمر، لم يخطر ببال أحد أن الرد الاميركي على تجاوزه سيكون ارسال المزيد من الدروع الجسدية، لكن اتضح الآن من تصعيد واشنطن لغة الأوصاف والنعوت أن نباح الولايات المتحدة أسوأ من عضتها.

شهية مسدودة

هذه رسالة خطيرة تُوجه إلى نظام خطير، وبالتالي إذا كان رسم الخطوط الحمراء اجراءً محفوفًا بالمخاطر، فإن تجاهلها بعد رسمها ينطوي على مخاطر أكبر، بحسب مجلة فورين بولسي. ويمكن القول إن الاستخبارات الاميركية ما زالت تدرس الأدلة على استخدام اسلحة كيمياوية، ولعلها تفعل وراء الكواليس أكثر مما يعرفه الرأي العام. ولكن الحقيقة أن الوضع يزداد ترديًا.

والمشكلة بطبيعة الحال أن شهية الاميركيين للضطلاع بدور أكبر في المنطقة تكاد تكون مسدودة، تكفلت بسدها حربا العراق وافغانستان، بوصفهما كارثتين باهظتي الكلفة. ولدى الاميركيين مشاكل جدية في الداخل. كما أدت موارد الطاقة المكتشفة حديثًا إلى احساس الاميركيين بأنه من الأسهل عليهم الابتعاد عن مشاكل الشرق الأوسط. ويتعمد الروس ألا يكون دورهم مساعدًا، ولا يبدي الصينيون إستعدادًا إلا للتدخل الهامشي.

لا أمل

وهكذا، فإن الولايات المتحدة تواجه منطقة تقل فيها قوى الاستقرار الإقليمية. وفي الوقت نفسه، أظهرت الأزمة السورية أن الجماعات المتطرفة تتحرك بسرعة لملء الفراغ الذي يتركه تقاعس الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيرهما عن التحرك.

ويُقدر المراقبون أن قوة جبهة النصرة، التي اعلنت مبايعتها قيادة تنظيم القاعدة أخيرًا، تزيد اليوم على 12 الف مقاتل، بينهم أجانب من الدول العربية وسائر أنحاء اوروبا، بحسب مجلة فورين بولسي، التي تختم بالقول إن هذا يُبقي خيارًا واحدًا بين فوضى مديدة وحكام مستبدين.

ولا يحتاج المرء إلى عبقرية آينشتاين لحساب النتائج. فالديمقراطية والأمل بتحقيق اصلاح سياسي حقيقي في المنطقة هما الخاسران في هذه المعادلة.