قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


سياسة الوصفات العربية الكردية الجاهزة تعيق تقدم العراق وتجعلني أعتقد بأننا كلما تقدمنا خطوة نتراجع خطوات . هل العراق عالم آخر؟
كلمةُ السيد مسعود البرزاني في مؤتمر الحزب الديمقراطي الكردستاني KDP الذي أنعقد في 11 ديسمبر - كانون الأول الحالي وماتبعها من وقائع ، أثارت ردود فعل مختلفة ووضعتنا من جديد على مفترق طرق. فما بينَ شغف وأعجاب بعض المؤتمرين وأهتمام أوساط سياسية أجنبية وأِمتعاض وخيبة أمل عامة للعراقيين المساندين لحقوق الأكراد القومية نصاً وروحاً ، لم تنعم عليه أِي كتلة سياسية عراقية شريكة بأي أيماءة أسناد أو تأييد ، لأنها كانت تحريضية لا تُعزز الثقة والأخوة للشعب العراقي ، كما أنها لم تكن توجيهية أيجابية ، كمناشدة الطبقات الكردية( مثلاً)ودعوتها للمساهمة في بناء العراق الديمقراطي الفدرالي الجديد والتعلق بحب أهله وأقلياته المختلفة.

الكلمة في توقيتها وضبايتها ، تعتبر في نظر الكثيرين ، خرقاً لمواد دستورية وهيئاته التنفيذية والتشريعية ، وتجاوزاً على وحدة أرض العراق أقليمياً وتفجيراً لقنبلة في وسط المجتمعين. وهي في مجملها ، وصفة سياسية لاتُليق بالمكانة التي يشغلها البرزاني في الحزب والسلطة السياسية لأقليم كردستان العراق، كما أنها ، في أقل فهمنا لها ، خروج عن المفهوم الوطني والقانوني ودور حكومة الأقليم وأرتباطها برئاسة الجمهورية العراقية التي يرأسها الطالباني ( كردي عراقي) . ومهما حاولنا الأستعانة بتفسير خطاب السيد البرزاني ، فلم نفلح في ذلك( رغم أيضاحه اللاحق وتصحيحه الشخصي عقب تجديد رئاسته للحزب الى ( ان برلمان كردستان قد اتخذ قرارا يقضي ببقاء كردستان ضمن العراق شرط ان يكون عراقاً ديمقراطياً وفيدرالياً ونحن ملتزمون بهذا القرارquot;) . فان المحزن المؤلم فيه أن بعض القيادات الكردية التقليدية العشائرية لاتستطيع تجاوز العقلية الانفصالية والتلاعب بعواطف الجماهير بالحديث عن تحقيق الحلم القومي البعيد وأحقية الأكراد في تقرير المصير، مهما أختلفت ظروف النضال السياسي. والمحزن أكثر أن أوساطاً سياسية وأعلامية عربية وكردية ولاتبذل مجهوداً وطنياً لتوجيه الجماهير الى الحياة الأمنة المُستقرة بعد سنوات العنف الشوفيني والجرائم الأنفالية التي أُرتكبت في عهود الدكتاتورية والعنصرية . وحتى محاولات تفسيرنا لبعض النظريات الحديثة في الأدارة السياسية وطرق الحكم الديقراطية ، قد نفشل في تحليل و فهم ضبابية كلمة البرزاني ووضعها في المحل المناسب لعدم معرفتنا دوافعها الأنية وتأثيرها وأثارها المستقبلية ، خاصةً أذا كان يبني معتقداته السياسية بالأستماع الى طوائف عنصرية ومديح صحفيي الخدمات الحكومية.

والمطلعون الذين ساندوا الحركة الوطنية الكردية منذ ردح من الزمن يرون عودة النزعة الانفصالية الكردية بتصريحات البرزاني هذه ويرون أنه من الأفضل للأكراد الوفاء لبلدهم العراق والتعايش مع قومياته بدل أستمرارية محاربتهم وصراعهم وتشرذم قادتهم وولائهم لدول المنطقة حسب الظروف.

وسواء أكان تفسير مايدور في أفكار البرزاني أبرازه الى سطح الأحداث النزعة الانفصالية مجرد محاولة لابتزاز الكتل العراقية المتحالفة معه للحصول على المزيد من التنازلات الإضافية في نصيب إقليم كردستان من عائدات النفط العراقي،أو إقرار المزيد من التشريعات التي تتيح لحكومة الأقليم المزيد من الصلاحيات في كركوك أو شعوره الشخصي بأن في أمكانه أرباك الحكومة التركية بتحالف مع واشنطن وحلفائها في المنطقة ، فأن كل هذه التفسيرات تبقى ناقصة دون موقف واضح يُزيل الغموض.

ويدرك المثقفون الأكراد والقوى الكردية الأخرى مخاطرهذه النزعة وتداعياتها نظراً لأن أقليم كردستان العراق لاتتوفر له مقومات وعناصر الدولة القومية ويتمسكون ببقائهم ضمن الدولة العراقية لأسباب جيوبوليتيكية محضة تتجاوز فكر بعض الصحفيين والسياسيين المُخضرمين الذين يكتبون ويصرحون دون فهم الوضع التاريخي والقومي السكاني العراقي وحساسيته.

كما يدرك القادة الاكراد مساهمة القوى العراقية الشيعية والسنية الوطنية التي وقفت الى جانب حقوقهم القومية والأنسانية ومنع أنتزاعها طوال عهود الظلم السياسي والتحكم الدكتاتوري .....كما يدركون الحقيقة التاريخية الى عدم أمكانية الحصول على أعتراف سياسي لكيان مصطنع من أي دولة في عالم ....وكذلك يدرك الأخوة الكرد العراقيون بأن خلق كيان كردي قومي مصطنع وأعلانه سيثير الدول المحيطة ويُشكل حافزاً لها لوأده في مهده قبل أن يَستفحل ، مما يشكل كارثة جديدة للشعب الكردي وحقوقه القومية . ويخصنا كعراقي حر التفكير أن أقول بأنه كان من المفترض بالسيد برازاني أن يحسب ويوازن ويقيس ويبين الى أعضاء الحزب المجتمعين والقيادات الكردية الأخرى ، الأضرار التي قد تصيب العراق من جيرانه المتألبين عليه كبلد موحد أذا مافكرت القيادة الكردية أو داعبت خواطرهم رغبات الأنفصال والتلويح به . كنا نود أن نسمع في كلمة برزاني عن وحدة العراق الوطنية والحفاظ على حدوده الأقليمية ، لا التهيئة منه لأن نحفر قبورنا بأيدينا كوطن موحد وأننا قادمون الى حروب دموية بطبع ( لغة الأنفصال) وتكريسها في عقول أجيال قادمة من العرب والكرد.

لقد اعربت قوميات وطوائف مسيحية عن خشيتها من ان تكون دعوة البرزاني بحق تقرير المصير منفذاً تلج من خلاله القوميات والاقليات للمطالبة بالاستقلال وحكم ذاتها. كما أن مثل هذه الدعوات وتوالي سماعها هي بداية التفريط بتربة العراق وحث مُباشرعلى الانقسام وزرع بذور صراع تغذيه أِسرائيل لأشغال المنطقة في حروب طاحنة ، تولِّد عدم الانسجام والكراهية بين الفئات القومية وتفسد الوحدة الوطنية العراقية.


باحث سياسي وأستاذ جامعي