قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الحلقة الأولى

من مفكرة سفير عربي في اليابان

أدت الأزمة المالية لعام 2008 لتساؤل الغرب عن خطورة سيطرة أخلاقيات الربحية على سوق العولمة، ليبدأ الشك في نظرية القرن التاسع عشر للجزرة والعصا، والتي دافعت عنها مؤسساته بقوة خلال القرنين الماضيين. وقد ناقش الكاتب، دانييل بنك، في كتابه quot;درايفquot; سلبية تأثير حوافز الجزرة والعصا على الإتقان والإبداع في المدارس والشركات، وفي العمل الحكومي والدبلوماسي. فعرض دراسة لثلاثة من خيرة علماء النفس، ليبر وغرين ونسبيت، في أحد الحضانات الأمريكية، قاموا فيها بمراقبة رسم الأطفال، بعد أن وزعوهم لثلاث مجموعات، مجموعة لم تتوقع أي حافز للرسم، ومجموعة ثانية توقعت بحصول لوحاتها المتميزة على شهادة تقديرية، ومجموعة ثالثة فوجئت بدون أن تعرف، بشهادة تقديرية للرسوم المتميزة. وراقب الباحثون تصرفات الأطفال من خلف زجاج سري، حيث أستمر أطفال المجموعة الأولى والثالثة في رسمهم وإبداعهم كالمعتاد، بينما قل حماس أطفال المجموعة الثانية، فكثرت أخطائهم وانخفضت إبداعاتهم. وقد قام البروفيسور ديسي، في عام 1999، بدراسة 128 بحث، أكدت جميعها بأن الحوافز الخارجية تؤدي لنتائج عكسية، وعلق بقوله: quot;حينما تركز العائلة والمدرسة والشركة وفريق الرياضة والدولة على حوافز الأمد القصير الخارجية، ليسيطروا على سلوك الأفراد، عليهم ملاحظة الأضرار البعيدة المدى. فهم يستخدمون الحوافز الخارجية لزيادة الإنتاجية، ويتناسوا بأنها تحبط الحوافز الذاتية الداخلية لمتعة الإبداع والتفاني والتميز.quot;
وقد قام البروفيسور دان ايرلي بتجربة في أحد الدول النامية (الهند)، فأختار 87 شخصا، وطلب منهم القيام بمجموعة من الألعاب التي تحتاج لمهارات التركيز والإبداع، وقسمهم لثلاثة مجموعات، ووعد المجموعة الأولى أربع روبيات والمجموعة الثانية 40 روبية والمجموعة الثالثة 400 روبية، لكل لعبة متميزة. ولم يختلف الأداء بين المجموعتين الأولى والثانية، بينما أدى حافز الأربع مائة روبية الكبير لقلة الإبداع وضعف الأداء في المجموعة الثالثة. وقد علق على هذه التجربة باحثوا البنك الاحتياطي ببوسطن، وهم أربعة من خيرة أساتذة الاقتصاد بجامعات أم أي تي، وشيكاغو، وكارنيجي ملون، بالقول: quot;تبين من فحص ثمانية من التسعة مهمات في هذه التجربة، بأنه كلما زادت قيمة الحافز المالي كلما ساء الأداء.quot; فقد رفض أربعة أساتذة اقتصاد من خيرة أساتذة الجامعات الأمريكية نظرية زيادة الحافز الخارجي يرفع مستوى الأداء. كما قام في عام 2009 أحدى عشرة أستاذ اقتصاد، حائزون على جائزة نوبل، بدراسة 51 بحثا في جامعة لندن، واستنتجوا بأن الحوافز المالية تؤدي لنتائج سلبية على الأداء. وعلق الكاتب دانيل بنك على هذه النتائج بقوله: quot;ففي طرفي المحيط الأطلنطي يختلف تماما ما يعرفه العلم عن ما تمارسه التجارة.quot;
وقامت البروفيسورة تريسا امابيل، الأستاذة بجامعة هارفارد، بدراسة طلبت فيها من 23 فنان، برسم كل منهم عشرين لوحة، حددت نصفها بمواصفات محددة، وتركت النصف الآخر لحرية إبداع الفنان. وعرضت هذه اللوحات، بعد تكملتها، على فريق من الخبراء، ليؤكدوا جميعا بأن اللوحات الحرة كانت أكثر إبداعا. وعلق أحد الرسامين على ذلك بقوله: quot;حينما أرسم لوحة لشخص ما، وبمواصفات معينة، يتحول الرسم لعمل، بينما الرسم بحرية يحسسني بمتعة الإبداع، وقد أستمر طوال الليل في الرسم، بدون أن أحس بالوقت. كما أن الرسم لشخص ما وبمواصفات يحددها هو، يجعلني أراقب نفسي وأتأكد بأني أقوم بما يريده هذا الزبون.quot;
وتؤكد أبحاث خيرة كليات التجارة والإدارة في العالم، بجامعات هارفارد ونورث وسترن وبنسلفانيا، بأن الجزرة والعصا تروج لسلوك سيئ، وتؤدي للإدمان على حب حوافز الربحية، وتشجع التفكير القصير المدى، وعلى حساب التصورات البعيدة، وتقيد بأهداف ضيقة تقتل الرغبة والإبداع. ويقترح الكاتب بأن نكون حذرين حينما نقدم الأهداف كوصفة صيدلانية للحث على الأداء، فنحتاج اختيارها بانتقاء، ونرافقها بتحذيرات مدروسة، وتحت مراقبة دقيقة. ومع أن تحديد الفرد أهدافه للوصول للإتقان هي وسيلة صحية للتمييز، ولكن حينما تفرض الأهداف من الآخرين، كهدف الربحية الربع سنوية في الشركات وتحديد كمية المبيعات، فقد يكون لها تأثيرات جانبية خطيرة. فتحديد أهدافنا من قبل الآخرين تضيق التركيز الذهني، وتمنع التفكير الإبداعي، وقد تؤدي لسلوك لا أخلاقي، فحوافز هذه الأهداف تفرض على العاملين أن يختاروا أقصر الطرق، وحتى لو كان طريقا خطرا، وجميع فضائح الشركات والمؤسسات التي نسمع عنها، والتي أدت للأزمة الاقتصادية في عام 2008، هي مرتبطة بحوافز الأهداف. فقد يلعب بعض مدراء الشركات بنتائج الربحية الربع سنوية ليحسنوا أدائهم ويحصلوا على العلاوة، أو قد يرفع بعض مستشارو المدارس علامات طلابهم ليقبلوا في الجامعات، أو قد يحقن بعض الرياضيون عضلاتهم بالإسترويد لكي يزيدوا من أدائهم فيحصلوا على علاوة الفوز. وبعكس الحافز الذاتي الداخلي، حينما تكون المكافأة متعة الإبداع في العمل نفسه، لن يكون هناك طرق قصيرة، ومن المستحيل أن نتصرف بلا أخلاقية، لأن ليس هناك منافس آخر غير أنفسنا.
وقد درس الاقتصادي الإسرائيلي، يوري غنيزي، سلوك الأمهات بمركز رعاية الأطفال بمدينة حيفا. فراقب انضباطهم في أخذ أطفالهم من الحضانة بعد انتهاء الدوام، قبل وبعد فرض المركز غرامة مالية على التأخير. فبدل أن يقل عدد الأمهات المـتأخرات بعد فرض الغرامة، زاد عددهم للضعف، فكأن عقاب الغرامة شجع على سلوك لا أخلاقي، ففقدت الأمهات عقدة ذنب تأخرهم عن المدرسيين بعد دفعهم غرامة التأخير. فبفرض عقاب الحافز الخارجي اختفى الحافز الذاتي الداخلي بدقة الوقت واحترام المدرسيين، وتحول التعامل الإنساني وأخلاقيات الانضباط إلى صفقة تجاربه سيئة، تأخر وادفع.
وتبين الأبحاث العلمية بأن الحوافز الخارجية يشابه تأثيرها على الفرد الإدمان على المخدرات، فتؤدي لمتعة مؤقتة، وتحتاج لاستمرارها جرعات أكبر ومرات أكثر، وحينما تتوقف تبدأ تأثيراتها الجانبية. وقد بينت أبحاث البروفيسور كنتسون في جامعة ستانفورد الأمريكية، باستخدام جهاز المقطعي المغناطيسي الوظيفي، بأن تأثير الحوافز الخارجية على المخ تشابه تأثير المخدرات. فتزداد مادة الدوبامين في منطقة النواة الاكمبينية بالمخ بنشوة الحوافز الخارجية، والتي هي مشابه لنشوة المخدرات، ولكي تستمر هذه النشوة تحتاج لزيادة مادة الدوبامين، والتي تعتمد على زيادة دفع العلاوة أو على زيادة حقنة المورفين. وبمعنى آخر، حينما نراقب العقل البشري نلاحظ بأن التعهد بإعطاء علاوة مؤقتة، أو الكوكايين، أو النيكوتين، أو الامفيتامين، تبدو كلها بشكل مخيف متشابهه. وقد تؤدي نشاطات هذه الحوافز المدمنة لاضطراب إصدار القرارات، فإثارة النواة الاكمبينية تؤدي لتنبؤ الخيارات الخطرة، فتشجع على البحث عن الخطر. فالهام الأفراد بالحوافز الخارجية، يدفعهم لقرارات أكثر سوءا، بدل أن تكون أكثر صوابا. وتستخدم كازينوهات القمار هذه الحيلة، فتقدم المشروبات والأطعمة والهدايا المفاجأة المجانية، كحافز خارجي، ينشط النواة الاكمبينية، والتي تؤدي لتحول الشخص من شخص متجنب للمخاطر، لشخص يبحث عن المخاطرة. ويعلق الكاتب دانيل بنك على ذلك بقوله: quot;فباختصار شديد، الجزرة والعصا تقضي على الحوافز الذاتية الداخلية، فتقلل الأداء وتعدم الإبداع وتغير السلوك الحسن، وتشجع الغش والخداع والطرق القصيرة والسلوك اللا أخلاقي، وقد تتحول لإدمان يعزز التفكير الخطر القصير الأمد.quot;
وقد طورت تكنولوجية القرن الواحد والعشرين مهارات العمل الاستكشافية، والتي تحتاج لبيئة عمل تعاونية لكي تلهم الحوافز الداخلية المبدعة، ولإدارة تعي أهمية استقلالية العاملين في اختيار الوقت، ونوع المسئولية، وطريقة العمل، ومجموعة فريق العمل. وقد طورت شركة غوغل هذه البيئة لموظفيها، فتركت 20% من وقتهم لحرية الإبداع، ليعملوا في أي مشروع يختارونه، ويحددوا فريقهم، ووقت، وطريقة عملهم. quot;فالسيطرة تؤدي للطاعة، بينما الاستقلالية تؤدي للالتحام والإتقان والإبداع.quot; وقد بينت الأبحاث بأن أكثر من 50% من العمالة الأمريكية، و97% من عمالة الدول النامية، غير ملتحمة بالإبداع في عملها، والذي يؤدي لخسارة كبيرة في الإنتاجية، والتي تقدر في الولايات المتحدة بحوالي الثلاثمائة مليار دولار سنويا. بينما نلاحظ تلاحم عجيب في العمالة اليابانية مع شركاتها، وطبعا بعد أن وفرت لهم شركاتهم وظيفة براتب للعيش حياة كريمة، ووفرت دولتهم شبكة اجتماعية لرعاية صحية وتعليمية وضمان تقاعد وتعطل، ليتفرغوا للإبداع في العمل وزيادة الإنتاجية. وبدل أن تربط هذه الشركات العلاوات بشرط زيادة الإنتاجية، ربطوا التحام العمالة بالشركة بالوظيفة الدائمة، ليعتبروها شركاتهم، ويشاركوا في إبداعاتها واختراعاتها التكنولوجية، وفي نجاحاتها وربحيتها.
وقد بدأت الجامعات والشركات، في الولايات المتحدة، بقبول هذه الأفكار الجديدة، بعد أن بدأت تشكك في فلسفتها القديمة، المرتبطة بفائدة الجزرة والعصا. ويعتقد مات ليدرهوسن، الرئيس التنفيذي السابق لشركة ماكدونالد، ببزوغ بيئة جديدة لعمل الشركات، وبغاية أسمى من الربحية، فعلق يقول: quot;هناك بزوغ لرأسمالية جديدة، وسيرغب الزبون والعامل والمساهم والمجتمع أن تكون تجارتهم لها غاية في الحياة أسمى من ربحية بيع منتجاتهم.quot; كما طورت خيرة كليات الإدارة والتجارة الأمريكية quot;قسمquot; جديد لخريجيها، يقولون فيه عند التخرج: quot;كإداري، غايتي خدمة المصلحة العامة، لأقرب الأفراد وموارد المجتمع مع بعضها، لخلق قيمة لا يستطيع فرد بمفردة أن يحققها. وسأحفظ على مصالح المساهمين، والعاملين، والزبائن، والمجتمع، وسأجاهد لخلق اقتصاد استدامة وازدهار اجتماعي وبيئي في العالم بأكمله.quot; وقد عكست تصورات الخريج، ماكس اندرسون، هذا القسم في قوله:quot;أمنيتي أن نعرف بعد ربع قرن ليس بما نجنيه من أموال، أو كم نتبرع من الأموال لجامعتنا، بل كيف أصبح العالم مكان أفضل بفضل قيادتنا.quot; ويقترح البروفيسور غاري هامل تغير لغة التعبير، في كليات الإدارة والتجارة، للغة أكثر إنسانية بقوله: quot;توصف أهداف الإدارة والتجارة بكلمات، كالكفاءة، والفائدة، والقيمة، والتفوق، والتركيز، والتميز. ومع أن هذه الكلمات مهمة، ولكنها تفقد القوة في أثارة مشاعر القلب البشري. فعلى القيادات التجارية أن تحقن النشاطات التجارية بمثاليات عميقة تنعش الروح، كالشرف، والحقيقة، والحب، والعدل، والجمال. فبأنسنة (من إنسان) ما يقوله البشر سيأنسنوا ما يفعلونه.quot;
وينهي دانيل بنك كتابه بالقول: quot;الفكرة الأساسية في هذا الكتاب هو أن هناك خلاف بين ما يعرفه العلم وما تمارسه التربية والدبلوماسية والتجارة. فالفجوة واسعة، وبقاءها منذر بالخطر، ومع صعوبة تصغيرها فنحن متفائلون. فيثبت العلم بأن نظرية الجزرة والعصا ليست فقط غير فاعلة في معظم الأحيان، بل أنها تحطم القدرات الذهنية المبدعة، والتي هي أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما أن سر الأداء المتميز، ليست في حوافزنا البيولوجية، أو في الحوافز الخارجية للثواب والعقاب، بل هو حافزنا الثالث الذاتي، وهو رغبتنا في توجيه حياتنا لنزيد من قدراتنا، لكي نعيش حياتنا لغاية سامية فاضلة.quot;
والسؤال لعزيزي القارئ: هل حان الوقت لاستبدال ثقافة الجزرة والعصا، بثقافة سمو النفس البشرية، وأخلاقيات إبداعاتها الذاتية؟ وهل نحتاج لتغير ثقافتنا الروحية، من ثقافة خوف عذاب القبر والثعبان الأقرع، لثقافة العمل الخير حبا في رضا الخالق جل شأنه؟ وهل سيتحول إنسان الألفية الثالثة، من شخص متعصب يعيش في ذنوب آثامه، إلى نفسية منفتحة تسعد بجمال الخلق بطبيعته وفنونه؟ وهل ستتغير أخلاقيات عولمة السوق من تنافس الربحية الربع سنوية، للعمل لالتحام الموارد البشرية والطبيعية والتكنولوجية، لخلق عالم اقتصادي وبيئي وروحي مزدهر؟ وهل سنحول دبلوماسية الجزرة والعصا في قريتنا عولمتنا الصغيرة، لدبلوماسية الاحترام والتعاون والمشاركة، لسعادة الإنسان والمحافظة على أمنه، بدل نزفها في صراعات جشعة مدمرة؟
سفير مملكة البحرين في اليابان