قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

-1-

هذا سؤال من أسئلة المستقبل، وهو ينتمي إلى نظرية تاريخية تدعى quot;الواقع المضاد Counter Factualquot; وقد استعملتها في كتابي quot;لو لم يظهر الإسلام ما حال العرب الآن؟quot; عام 2003.

يواصل طه حسين في كتابه quot;مستقبل الثقافة في مصرquot; الذي صدر عام 1938، وهو كتاب تربوي يحدد مستقبل مصر التعليمي.لأن التاريخ يتحرك من المستقبل وليس من الماضي، كما يقول الفيلسوف المصري مراد وهبه في كتابه quot;مُلاّك الحقيقة المطلقةquot;، وكتابه الآخر quot;العلمانية والليبراليةquot;.

-2-

وطه حسين رأى في مصر، ما لم نره. وهو الذي قرأ مستقبل مصر، وكأنه بيننا الآن. وأخطر ما في رؤيته، أنه قال في العام 1938 quot;لو أن الله عصم مصر من الفتح العثماني لاستمر اتصالها بأوروبا، ولشاركت في نهضتها، وسلكت معها إلى الحياة الحديثة نفس الطريق.quot;

فهل خشي طه حسين في عام 1938، وبعد أن هدأت الثورة ضده بسبب كتابه quot;في الشعر الجاهليquot; عام 1926 وما بعدها، أن يقول لنا صراحة، دون أن يخشى بطش المؤسسة الدينية الأزهرية في ذلك الوقت:

quot;لو أن الله عصم مصر من الفتح العربي لاستمر اتصالها بأوروبا.. الخ.quot; فنحن نعلم، بأن أثر العثمانيين على مصر ndash; مع وجود محمد علي باشا وأسرته- كان ضئيلاً، وكان أكثر ما يهم الباب العالي، هو مقدار الجباية السنوية التي يدفعها باشا مصر ثم أولاده من بعده للباب العالي. ولكن ما أثَّر في مصر حقيقةً، ولعب فيها دوراً مهماً، هو فتح العرب لها عام 641م، الذي أطلق عليه بعض المؤرخين quot;الفتح الإسلاميquot; العسكري، الذي لم يحاول قبله العرب دعوة مصر والمصريين إلى الإسلام بالتي هي أحسن.

-3-

قد نتفق، أو لا نتفق مع طه حسين في تقديره ورؤيته. ولكن تبقى مصر منذ ذلك التاريخ حتى الآن، هي المتقدمة على العالم العربي في كافة الميادين العسكرية، والصناعية، والفكرية والثقافية، والفنية، والتعليمية، رغم فقرها، ورغم كثافة سكانها، ورغم محدودية مواردها الطبيعية.

-4-

وها هو طه حسين، يُكمل لنا ما بدأناه في الأسبوع الماضي، فيقول عن واقع مصر، وأسباب تقدمها على العرب:

1- العقل الإسلامي في مصر في حقيقته، هو ما قاله بول فاليري عن العقل الأوروبي. فهو يتكون من عناصر ثلاثة:

حضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن، وحضارة الرومان وما فيها من سياسة وفقه، والإسلام في مصر والمسيحية في أوروبا، وما فيهما من دعوة إلى الخير، وحث على الإحسان.(لاحظ أن الخير والإحسان كانا في مصر قبل الإسلام، لأن المسيحية القبطية كانت هناك، إضافة إلى التعاليم الدينية الفرعونية).

2- الحياة المصرية في الطبقات الراقية حياة أوروبية، وفي الطبقات الأخرى تختلف قرباً وبعداً من الحياة الأوروبية، باختلاف قدرة الأفراد والجماعات وحظوظهم من الثروة وسعة اليد. ويؤكد طه حسين على أن الحياة المعنوية المصرية هي حياة أوروبية خالصة ، من حيث نظام الحكم. ولكن اضطربت الحياة السياسية المصرية في العصر الحديث ndash; كما يقول طه حسين ndash; بين الحكم المطلق، والحكم المقيد، متأثرين بنظام الحكم المطلق في أوروبا في العصور الوسطى. وعلى مذهب لويس الرابع عشر وأشباهه.

3- وما نراه في مصر من المحافظين والمسرفين في المحافظة، ومبغضين أشد البغض للتفريط في التراث القديم، فإن هؤلاء أنفسهم لن يرضوا بالرجوع إلى العصور الأولى، ولن يستجيبوا لمن يدعوهم إلى النظم القديمة إن دعاهم إليها. (وما نراه في مصر الآن من مظاهر المحافظة والإسراف في التشدد الديني ما هو إلا زوبعة في فنجان، وزفرة احتجاج على الفقر والزحمة. وستعود مصر إلى عصر سعد زغلول، وقاسم أمين، وهدى الشعراوي، وطه حسين، وإسماعيل مظهر، ومنصور فهمي، وسلامة موسى، وتوفيق الحكيم، ولويس عوض، وغيرهم من رواد الحداثة والليبرالية المصرية)

4- من المعروف أن مصر كانت من أقل الدول العربية تأثراً بالعهد العثماني وانغلاقه الفكري وتزمته الديني وذلك بفضل حكم محمد علي باشا (1805-1849)، ورغم هذا يقول طه حسين، بأن مصر بدأت حياتها في القرن التاسع عشر ndash; ومن حيث لم يبدأ باقي العرب - ويضيف بقوله: لو أن الله عصم مصر من الفتح العثماني لاستمر اتصالها بأوروبا ولشاركت في نهضتها وسلكت معها إلى الحياة الحديثة نفس الطريق. ورغم هذا، فقد استطاع محمد علي باشا وأولاده من بعده، أن يمدوا الجسور مع أوروبا، كما نعلم. وفي هذا إقرار بأن الحداثة والليبرالية هي قرار سياسي في البداية والنهاية. وما فعله الخليفة عبد الله المأمون (813-833م)، وما فعله أتاتورك في تركيا 1924، وما فعله بورقيبة في تونس 1957، وما فعله عبد الله بن عبد العزيز في السعودية منذ 2005 حتى الآن، وغيرهم من قبل ومن بعد، يُصدِّق قول الخليفة عثمان بن عفان من أن quot;الله يزعُ بالسلطان ما لا يزع بالقرآنquot;.

5- وأخيراً، فمصر تؤمن بأن الخصومة العنيفة الآثمة لم تكن بين الدين والحضارة، وإنما كانت بين الذين يمثلون الدين والحضارة. وكانت بين الأهواء والشهوات، لا بين الدين الذي يُغذّي القلوب والحضارة التي تنتجها العقول.

-5-

وهذه الأفكار وغيرها من الأفكار التي بثها طه حسين في كتابه المذكور، هي التي أمكنت مصر من تحقيق نهضتها في الماضي، وأمكنتها ndash; فيما بعد - من أن تحصل على جائزة نوبل ثلاث مرات: مرة في السياسة ( أنور السادات )، ومرة في الأدب (نجيب محفوظ)، ومرة في العلوم (أحمد زويل). كما أمكنتها هذه الأفكار من أن تصبح في مركز القيادة في الأدب شعراً ورواية وقصة قصيرة.. الخ. وفي السينما، والفنون المسرحية الأخرى، وأن تشهد أكبر عدد من المسارح والمهرجانات الفنية، وأن تصبح هوليود الشرق، ومسجد الشرق، وجامعة الشرق، ومصنع الشرق.

السلام عليكم.