قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تركت القوات القتالية الأميركية قواعدها في عراق لا حكومة شرعية له، ولا قوات عسكرية قادرة على حماية مواطنيه، ولا إرادة سياسية لدى الأحزاب الحاكمة للوقوف في وجه التدخل الإيراني المتزايد، والذي يكاد يبتلع العراق.
الإدارة الأميركية تنفذ اتفاقية أمنية وقعت عليها إدارة بوش، التي استدركت، أيضا، كونها سوف تدرس ظروف الانسحاب ميدانيا، بمعنى إمكان تنفيذ الاتفاقية بمرونة وفق مصلحة الأمن العراقي. أما إدارة أوباما، فتفكيرها منصب على الداخل الأميركي، الذي تعب من أعباء حربين قاسيتين بضحاياهما الكبيرة من بنات وأبناء الشعب الأميركي، ومن حوالي ألف مليار دولار في العراق وحده. والداخل الأميركي يعني أيضا قرب الانتخابات النصفية للكونغرس، وبعد ذلك الانتخابات الرئاسية، التي يحلم أوباما بولاية ثانية فيها. وفضلا عن هذا كله، فالرئيس الأميركي كان من بين قلة من أصوات الحزب الديمقراطي في الكونغرس ممن عارضوا الحرب أصلا.
هل نلوم المسئولين الأميركيين لتجاهلهم خطورة الوضع العراقي، سياسيا وأمنيا، وهو ما أوضحه رئيس أركان الجيش العراقي في حديثه عن عدم جاهزية القوات العراقية قبل عشر سنوات أخرى، برغم تصريحات مضادة للسيد علي الأديب، الناطق باسم المالكي، والمعروف عنه وعن المالكي وحزبهما عدم القبول بوجود قوات أميركية أصلا، ومطالبتهم عام 2008 بأسرع انسحاب ممكن؟ هل نلوم الأميركيين؟ أم يجب أولا، وأولا، تقريع ساسة العراق من ذوي الحول والطول، وعلى الخصوص حكومة المالكي، التي تتربع على السلطة منذ أكثر من أربع سنوات دون أن تفعل شيئا يذكر لتطهير القوات المسلحة من الطائفية ونفوذ المليشيات؟؟ ولنضع أنفسنا في مكان دافع الضريبة الأميركي: أليس من حقه أن يقول quot; علام نضحي ببناتنا وأبنائنا في العراق مع أن العراقيين أنفسهم عاجزون عن حل مشاكلهم بأنفسهم؟!quot; طبعا هي مشاعر وحسابات لا تنطلق من نظرة بعيدة الأمد، وحيث يمكن لضياع العراق أن يؤدي إلى تصديع أمن الشعب الأميركي نفسه، لاحتمال وقوعه تماما في فخ إيران نووية لا تتورع عن التحالف مع القاعدة نفسها ومع طالبان، ولاحتمالات التجزئة والحروب الطائفية والدينية، التي قد تمتد للمنطقة. ونعرف أن الإدارة الأميركية، وبرغم اضطرارها لفرض العقوبات على إيران، لا تزال تحلم بصفقة ما مع نظام الفقيه، ولربما سوف تقبل بالتعايش مع إيران نووية!
لقد كان على الإدارة الأميركية أن تمارس الضغوط على ساسة العراق بالاتجاه الصحيح، المنسجم مع نتائج الانتخابات، ومع تدني حصيلة المالكي خلال سنوات حكمه، ولكنها فضلت المجاملة، والبحث عن حلول ترقيعية كانت ستكون ملغومة مستقبلا، ومضت لحد طلب تدخل المرجعية الدينية الشيعية وكأن العراق هو إيران!
نعم، للأميركيين حساباتهم التي نفهمها ونحترمها، ولكن ضياع العراق سيكون كارثة الكوارث في المنطقة، وبالنسبة للمصالح الأميركية أيضا.
لا نريد تحميل السيد المالكي كل جرائر العبث والتخبط السياسيين في العراق، ولكنه يتحمل المسئولية الأكبر لرفضه احترام نتائج العملية الانتخابية وإصراره على البقاء حتى مع أن من يعتبرهم حلفاء لا يريدونه. وكما يكتب كاتب عربي :
quot;كان صدام حسين يدعو إلى انتخابات يفوز فيها بما لم يفز به الأنبياء والأولياء وحكماء الأرض: الإجماع. أما نوري المالكي، فيدعو إلى انتخابات ديمقراطية يفوز فيها من يفوز، ويبقى له وحده قرار تجاهلها. أليس هو quot; أفضل المرشحينquot; للحكومة العتيدة أيضا، بصرف النظر عمن اقترع وعمن اختار.....quot;
انظروا! يتفاوض مع الدكتور علاوي باسم quot;القانونيةquot;، أي كقائمة مستقلة ليست هي الفائزة، ولكنه يصر على الرئاسة، ويلوح بعدد كراسي quot;تحالفquot; لا يريده!! أية ألعاب quot; أكروباتيةquot;!! وهنا، نتوجه للدكتور علاوي لنقول بكل صدق وطني إن التفكير في حكومة شراكة مع الصدريين هو في منتهى الخطأ والزلل؛ فمقتدى الصدر أداة إيرانية معلومة، وماضي جيش المهدي، وحاضر quot;كتائب اليوم الموعودquot; وما قاموا به من ممارسات طائفية وتعسفية دموية منذ انهيار النظام السابق لا يزكي هذا التيار مقدار حبة حتى ولو امتلك مائة مقعد. وأما العودة للمالكي، والتفكير في حكومة مشتركة، فلعله لا يجهل أن المالكي يمتلك كل عتلات السلطة والأمن، وهيئة المساءلة أيضا، وبمقدوره إضعاف وتهميش وعزل أي quot;شريكquot; له عند اللزوم. وقد كتبت مرارا أن لا حظ للدكتور علاوي برئاسة الوزراء، فلا إيران تقبله في هذا المنصب ولا الصدريون ولا جماعة الحكيم، ناهيكم عن حزب الدعوة.
العراق اليوم في حالة ضياع، ومستقبله كالح ومرعب. أما تصريحات كبار المسئولين الأميركيين عن الوضع، فهي تناقض الواقع العراقي تماما، فالعنف قد ازداد واتسع، وفي العراق حكومة مطعون في شرعيتها، ولا دولة حقيقية في العراق، بل ولايات شبه مستقلة ومركز قابع في المنطقة الخضراء، وساسة العراق في صراع مستمر، والخدمات في خانة الصفر، وكل العقد السياسية الكبرى، غير المحلولة، تهدد بالانفجار، ومنها ما يخص العلاقات بين المركز وإقليم كردستان، الذي أعد تحالفه الحاكم سلسلة مطالب قدمت كشرط لتأييد أية حكومة قادمة!
لقد كان بالإمكان إنقاذه لو أمكن منذ سنوات قيام حكومة تكنوقراط وطنية مستقلة، وبدعم أميركي قوي، وتأجيل الانتخابات أصلا، وإعطاء عطلة غير محدودة الزمن للبرلمان، والانكباب حصرا على ضمان الأمن والخدمات. ولكن ما فات فات، وأحزان العراق القادمات وكوارثه قد تكون أكثر وأكبر هولا. فمن للعراق!