قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

على مدى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومع تحول مركز ثِقَل الاقتصاد العالمي تدريجياً باتجاه آسيا (الصين والهند وروسيا) وأمريكا اللاتينية (البرازيل)، كانت الولايات المتحدة مشغولة بحرب اختيار خاطئة في الشرق الأوسط (أفغانستان والعراق). فقد أرتفع مجموع الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل وروسيا والهند والصين من 8.4% من الاقتصاد العالمي إلى 18.3%. وانهارت الرأسمالية على الطريقة الأنجلوسكسونية.
ولأول مرة منذ 150 عاما تفقد الولايات المتحدة المركز الأول في التصنيع والإنتاج والتصدير والتجارة والاستثمار، لصالح بقية العالم. ناهيك عن أنه في العام 2015 سوف يصبح حجم الأسواق الاستهلاكية الآسيوية ضعف حجم السوق الأميركية، خاصة في ضوء القوة الشرائية المتزايدة للطبقات الوسطي في تلك البلدان.
الصين تدرك جيدا أن الولايات المتحدة لا تعزز حضورها في آسيا الوسطى هذه الأيام رغبة منها في التعامل مع خلايا طالبان النائمة، أو القضاء على تنظيم القاعدة، بل انها مهتمة بتحديات أخرى أكثر أهمية، حيث أن تمركز القوات الأمريكية مع (قوات التحالف) في أفغانستان يتيح لها أن تضع تحت مرمى نيرانها جزء الكرة الأرضية الأكبر حيث يصنع المستقبل الآن.
التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، والتراشق الإعلامي الرسمي الذي كاد أن يبلغ مرحلة اللا عودة، استلزم لقاء عاجلا بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس وزراء الصين وين جياباو، في اجتماع لم يكن مدرجا على جدول أعمالهما في القمة الإقليمية بأندونيسيا.
في تصوري، أن الأزمة أكبر من مجرد مخاوف أمريكا من طموحات الصين الإقليمية وتهديد اليابان وكوريا وفيتنام والهند، أو توجسات الصين من اتخاذ الولايات المتحدة من ميناء quot; داروين quot; بإستراليا قاعدة عسكرية لمحاصرة تمدد الصين إقليميا. ذلك أن المنافسة العالمية بينهما بلغت حدا غير مسبوق في quot; توازن القوي quot;، فلم يحدث قط في التاريخ أن وجد هذا الترابط الكامل بين الدولتين المتنافستين، فكل من الصين وأمريكا تستطيع أن تلحق الضرر كل منهما بالأخري، وبنفس القدر، وهو أمر جديد كل الجدة، ومطمئن في نفس الوقت، بالنسبة لمستقبل السلام العالمي.
وحتي نتعرف علي حقيقة الخلاف بين الولايات المتحدة والصين وكيفية التوصل إلي منطقة وسط للحل الناجع، لابد من إعادة قراءة مقال الملياردير والمفكر الاقتصادي المخضرم quot; جورج سوروس quot; والمعنون: quot; الولايات المتحدة والصين وحوار الصُم quot;.
يقول: الاختلال في التوازن العالمي الذي كان من بين الأسباب الجذرية التي أدت إلي الأزمة الاقتصادية عام 2008 لم يصحح حتي الآن. فالولايات المتحدة لا تزال تستهلك أكثر مما تنتج، الأمر الذي يؤدي إلي عجز تجاري مزمن. فما زال الاستهلاك الأمريكي أعلي مما ينبغي، حيث بلغ نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمستوي الاستهلاك المنخفض والذي يصعب استمراره في الصين والذي يبلغ 35.6% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويستطرد: quot; لنتأمل هنا بلداً مثل أفغانستان. إن ذلك البلد غني بالموارد المعدنية التي تحتاج الصين إليها، ولكن الولايات المتحدة هي التي تنفق عشرة مليارات من الدولارات شهرياً بسبب احتلالها لبلد لا يتجاوز ناتجه المحلي الإجمالي 15 مليار دولار. ووفقاً للوضع الحالي فإن الولايات المتحدة من المرجح أن تخفف من تواجدها قبل أن تهدأ الأمور في أفغانستان ويصبح في الإمكان تنمية الموارد المعدنية هناك. وبما أن الصين هي السوق الواضحة لهذه المعادن، فمن المنطقي أن تشجع الصين المشاركة الأمريكية المستمرة من خلال تقديم مساهمة كبيرة في تكاليف تدريب الجيش الأفغانيquot;.
لا يغيب عن سوروس بالقطع أن الصين ستصبح قطبا عالميا في المستقبل المنظور ، إلا أن المجالات الأساسية كالابتكارات الحديثة والاختراعات ستبقي في أيدي الأمريكيين ، كذلك القدرات العسكرية للولايات المتحدة ، مهما بذلت الصين من جهود جبارة في هذا الصدد. ويكفي أن نعرف أن تفوق الأسطول العسكري الأمريكي وصل إلي درجات هائلة (أكبر من كل أساطيل العالم 14 مرة).
لذلك يشدد علي إن الصين لن تتمكن من مضاهاة الولايات المتحدة لبعض الوقت. وإذا استمرت طموحات الصين في السيطرة علي بحر الصين الجنوبي، فإنها سوف تضطر إلي تكريس نسبة متزايدة من مواردها للإنفاق علي مؤسستها العسكرية علي حساب سكانها عموما، والذين سوف يجد قادة الصين صعوبة متزايدة في تلبية توقعاتهم.
في هذه الحالة، فإن ازدهار الصين اليوم - كما يقول - من المرجح أن يكون عابراً زائلا. ولا شك أن الدول المجاورة المتخوفة من سلوك الصين قد تسعي إلي طلب الحماية تحت جناحي النسر الأمريكي، وهو ما من شأنه أن يزيد من حجم الميزانية العسكرية الأمريكية، التي أصبحت أضخم مما ينبغي لها بالفعل. وما لم يبذل كل من الولايات المتحدة والصين جهوداً مخلصة في سبيل التوصل إلي فهم أفضل للآخر، فإن العالم سيواجه أوقاتا عصيبة في الألفية الثالثة.

[email protected]