قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في صلح الحديبية تضطرب صفوف المسلمين حتى أنهم لم يسمعوا للرسول وهو يدعوهم لذبح الهدي ويصل الأمر إلى أن صحابياً بمقدار عمر بن الخطاب رضي الله عنه

الجزء الأول

يراجع الرسول ويراجع أبا بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم يدخل حزيناً على زوجته فتشير عليه أن يخرج فيحلق ويذبح فيعمل بمشورتها.
ولو نزل الوحي بسرعة إلى النبي لما حدث كل هذا الاضطراب في صفوف المسلمين ولكن الله يريد أمراً آخر..
يستوقفنا في هذا المشهد عدم طاعة الصحابة للنبي في بادئ الأمر وهو يأمرهم بأمر عظيم يشق على نفوسهم لأنهم لا يريدون أن يعطوا الدنية في نفوسهم، والجانب الإيجابي في هذا السلوك من الصحابة أنه يعطينا مؤشراً أن الرسول وأصحابه كانوا يعيشون تجربةً بشريةً بكل تفاصيلها وملابساتها وأن نبوة محمد لا تعني أنه كانت تحيط به هالة من القداسة النورانية، وأنه كان يسلك طريقاً مفروشةً بالورود بين أتباعه.
مما يوضح لنا حدود الدور الذي كان يؤديه الوحي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم هو مبدأ الشورى إذ كان النبي أكثر الناس مشورةً لأصحابه، فكان يقول أشيروا علي أيها الناس، وكان يعمل بمشورتهم، وهذا يدلل أن الوحي لم يكن دائماً في متناول النبي.ولكنه كان ينزل في الأوقات الحرجة بعد أن يستفرغ الجهد البشري ولا يظل في يد النبي ما يمكن أن يفعله كبشر فيتنزل الوحي بمنهج عام يعالج المشكلة بألفاظ عامة متعالية على خصوص السبب ويضع للناس منهجاً في التعامل مع القضايا المشابهة في المستقبل إيذاناً بانقطاع الوحي كليةً.
إن الوحي لم يكن بديلاً عن بذل الجهد البشري والأخذ بالأسباب المادية ولكنه كان تتويجاً وسداً للثغرة التي لا يستطيع البشر سدها مهما بذلوا من جهد، وهذا يتضح في وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان إذا أراد فعل شيء أخذ بكل الأسباب حتى كأنه لم يترك لله شيئاً، فإذا استنفد هذه الأسباب دعا الله بإلحاح وكأنه لم يعمل لنفسه شيئاً.
والنبي نفسه كان يتخوف من انحراف أمته عن نقطة الاعتدال في التعامل معه فكان يقول:لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم.
وقد تنبه الصحابة إلى هذا الحد الفاصل بين محمد الرسول الذي يجب أن يطاع بالوحي الذي يتنزل عليه، وبين محمد البشر الذي يأكل مما يأكلون منه ويشرب مما يشربون ويبدي رأيه تجاه شئون الدنيا فيقبل رأيه أو يرد دون إفراط في تقديس شخصه وإطرائه ففي غزوة الأحزاب كان للنبي رأي سياسي بأن يعطي اليهود ثلث ثمار المدينة حتى يحيدهم ويشق بذلك صف الأحزاب المحاصرة للمدينة، لكن الأنصار رفضوا هذا الرأي رغم أنه رأي نبيهم لأنهم كانوا يعلمون أنه يتحدث هنا بلسانه لا بلسان الوحي، وعمل النبي برأيهم إذ كانوا هم أهل المدينة وهم أولى بشأن ثمارها..
إن إبراز جانب الوحي الإلهي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ضروري لتقديم المنهج المعصوم المتعالي للناس، فالناس في وطأة كثرة المذاهب وتشتتها وحيرتهم يتعطشون إلى المطلق الذي يطمئنون له، لكن إبراز جانب البشرية في حياة النبي لا يقل أهميةً لتقديم أسوة واقعية يسهل اتباعها، وعظمة النبي لا تظهر إلا بإظهار ضعفه البشري وعواطفه وحزنه ومعاناته إذ لو أنه لم تكن فيه هذه العوارض البشرية لما كان هناك وجه أفضلية له، فالأفضلية لا تأتي بالفطرة الملائكية، ولكنها تأتي بمجاهدة الضعف البشري والانتصار عليه، وحين شد وثاق عم النبي العباس في الأسرى بعد غزوة بدر وسمع النبي أنينه لم يأخذه النوم إشفاقاً على عمه ولما بلغ الأنصار ذلك فكوا قيده فرضي الرسول بذلك ولكنه لم يجبهم إلى طلبهم بترك الفداء ودفع فداءه مثله مثل أي أسير آخر.
وفي موقف آخر حين أسلم قاتل عمه حمزة وحشي، وكان النبي قد تأثر كثيراً بمقتل عمه وذرفت عيناه الدمع عليه، ولما رأى قاتل عمه بعد فتح مكة تحرك ذلك الشعور الإنساني الرقيق في قلبه صلى الله عليه وسلم تجاه عمه فقال له: ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك، فهو لا يطيق أن يرى قاتل عمه حتى بعد دخوله الإسلام، ولكن هذه العاطفة لم تدفعه ليعدل عن الحق مثقال ذرة فينتقم منه أو يقتله وقد جب الإسلام ما قبله..فعظمة النبي لم تكن في خلو قلبه من العاطفة، ولكنها كانت بمجاهدته لنفسه وعدم السماح لتلك العاطفة بخروجه عن الحق والعدل الذي جاء به.
إن أسطرة النبي وإخراجه من دائرته البشرية يتناقض مع فكرة الابتلاء التي خلق الله الحياة من أجلها، فلو كانت السيرة سلسلةً متواصلةً من الخوارق لكان ذلك دافع انبهار للناس في ذلك الوقت ولما كان هناك معنى للإيمان، لأن حقيقة الإيمان هي في كونه إيماناً بالغيب، والمعجزات تنتمي إلى عالم الشهادة إذ يلمسها الناس بحواسهم، لذا فإن الابتلاء يحتاج إلى ظروف بشرية، ولو لم يكن يوسف عليه السلام شاباً ينبض بالشهوة، ويميل بفطرته للنساء، ويخشى على نفسه من الوقوع في الزلل quot;وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهنquot; لما كان هناك أي أفضلية له، ولكنه استحق الفضل حين انتصر على نوازعه الإنسانية فأصبح مثلاً في التعفف.
إن روعة السيرة النبوية تنبع من كونها سيرة إنسان بشر له مشاعر كأي إنسان آخر ويعتريه ما يعتري كل إنسان من ضعف ورغبة وألم وحزن وفرح وترح، ومع ذلك فقد استطاع أن يجاهد نفسه حق الجهاد فيصوغ أروع معاني السمو والعظمة من لحم ودم..

والله أعلم..
[email protected]