قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

جاءت نتيجة إستفتاء تعديل الدستور (بأغلبية ساحقة) على هوى الإخوان والسلفيون والجماعات الإسلامية والحزب الوطنى والمجلس العسكرى وملايين من المصريين الذين تعطلت سبل معيشتهم منذ ثورة 25 يناير، كما جاءت نتيجة الإستفتاء ضد رغبة شباب ثورة 25 يناير، ومعظم الليبراليون، ومعظم المسيحيون. ولا بد من إحترام رأى الأغلبية بشرط ألا تتحول الأغلبية إلى دكتاتورية وتسحق الأقلية مهما كانت نسبتها سواء كانت %49 أو %1، لأن فى هذا قضاء تاما على فكرة الديموقراطية، فإتهام من يعارض الأغلبية بأنه عدو الثورة أو عدو الوطن أو عدو الشعب أو عدو الله، كل هذه إتهامات تعود بنا إلى الحقبة الشمولية، ويجب أن نقرر فى الدستور الجديد أنه لا إستفتاء على الديموقراطية، بمعنى أنه لا يصح أن يجئ إلى الحكم حزب مهما كانت شعبيته ويقرر طرح إستفتاء بإلغاء الديموقراطية وإلغاء الدستور، بحجة (حق يراد به باطل) مثل أمرهم شورى بينهم وأن القرآن هو دستورنا.
ومصر اليوم أمام مفترق طريق، قد يكون الأهم فى تاريخها الحديث، والذين يخشون أن مصر ستصبح دولة دينية، أحب أن أطمـنهم بأن مصر بالفعل دولة دينية، منذ أن تحجبت %80 من سيدات مصر، ومنذ أن إلتحى %50 من شباب مصر، ومنذ أن ظهر الزبيب على جباه معظم رجال مصر، ومنذ أن تحولت مساجد مصر إلى منابر سياسية، ومنذ أن تحولت مكاتب مصر إلى مساجد جزئية، فالخوف من تحول مصر إلى دولة دينية لا أساس له، لأنها بالفعل وفى الشارع وفى المكاتب والمدارس والقرى والنجوع أصبحت دولة دينية، والتعصب للدين لم يقتصر فقط على المسلمين ولكنه إمتد أيضا إلى المسيحيين، ومعظم إستطلاعات الرأى العالمية أثبتت أن المصريين هم أكثر شعوب الأرض تدينا، تفوقوا فى هذا على الإيرانيين والسعوديين والباكستانيين وبالطبع على الأتراك. ولا ضرر فى هذا لأن الدين فى جوهرة يحض فى المقام الأول على مكارم الأخلاق، أما الدين فى مظهرة فهو مجرد حجاب وجلباب ونقاب ولحية وزبيبة وصليب. وكما يهتف بعض المصريين قائلين:quot;إحنا إللى دهنا الهواء دوكوquot; فمن الممكن أن يهتفوا أيضا: quot;إحنا إللى بدأنا الأديانquot;!!
وتعالوا نستعرض معا، أى النماذج حولنا سوف تكون الأقرب إلى مصر ما بعد ثورة 25 يناير:

(1) النموذج التركى:
كثير من المصريين المتنورين والواقعيين (سواء كانوا إسلاميين أو ليبراليين) يتمنون أن تكون quot;مصر الجديدةquot; أقرب ما يكون إلى النموذج التركى، وأعتقد أن هذا إحتمال غير مستحيل وإن كان متفائلا جدا، للأسباب الآتية:
أولا: تركيا دولة عضو هام جدا فى حلف شمال الأطلنطى، وهناك قواعد لهذا الحلف على أراضيها، وبسبب هذا فإن حلف الناتو يدفع معظم فاتورة الدفاع عن تركيا وليس الشعب التركى. فهل تقبل مصر أن تنضم إلى حزب الناتو؟؟
ثانيا: تركيا دولة أكثر تقدما من مصر فى عدة نواحى: التعليم، الصناعة، الزراعة، الحريات الإجتماعية وعلى رأسها حرية المرأة، وليس بها الإرهاب الفكرى الدينى الذى تعانى منه مصر منذ أكثر من ربع قرن.
ثالثا: تركيا لها تاريخ عريق فى العلمانية منذ أيام مصطفى كمال أتاتورك بعد نهاية الإمبراطورية العثمانية فى الحرب العالمية الأولى. وحتى اليوم العلمانية متأصلة فى تركيا بالرغم من ان الحزب الحاكم فى تركيا له توجهات إسلامية. بينما فى مصر العلمانية أصبحت كلمة سيئة السمعة.
رابعا: الجيش التركى هو حامى حمى العلمانية فى تركيا، بينما الجيش المصرى جاء إلى الحكم مرتديا عباءة الإخوان وعلى ظهر الدبابة، ورأينا فى الشهر الأخير ومنذ خلع حسنى مبارك التنسيق الواضح والهارمونى الجميل بين المجلس العسكرى والإخوان وكافة أتجاهات السلفيين والجماعات الإسلامية (خيرى الشاطر ndash; عبود الزمر ndash; محمد الظواهرى)، ولا استبعد زيارة قريبة للمجلس العسكرى من قبل وفد تنظيم القاعدة برئاسة quot;الشيخيينquot; أسامة بن لادن والظواهرى!
خامسا: تركيا ترغب بشدة فى الإنضمام للسوق الأوروبية المشتركة، ولذلك فهى حريصة على إستمرار الليبرالية والعلمانية ومدنية الدولة أكثر بكثير من حرص مصر على هذا لأن الأوربيون يتلككون لرفض تركيا الدخول فى أوروبا الموحدة.
سادسا: لتركيا علاقات متميزة مع إسرائيل، أقوى كثيرا من علاقات مصر الباردة بإسرائيل، ولا يجب أن ننسى أن تركيا كانت تقوم بإجراء مناورات عسكرية مشتركة مع إسرائيل، ورغم أن هذه المناورات قد توقفت بعد حادث قتل أتراك بواسطة إسرائيل على السفينة المتجهة إلى غزة، إلا أن العلاقات الإقتصادية والسياسية مازالت مستمرة، وأعتقد أن هذا شرطا هاما من شروط بقاء تركيا فى حلف شمال الأطلنطى. لهذا فإن علاقة تركيا بإسرائيل أقوى كثيرا من علاقة مصر بإسرائيل، لأن إرتباط كلا من تركيا وإسرائيل بالغرب أقوى كثيرا من إرتباط مصر بالغرب.
(ولكل الأسباب عاليه فإننى أشك كثيرا فى أن مصر ستصبح تركيا أخرى حتى لو جاء إلى حكم مصر حزب ذو توجهات دينية).
...
(2) النموذج الإيرانى:
الكثير من المصريين والمراقبين الغربيين يخشون أن تتحول مصر إلى إيران أخرى فى المنطقة، والغرب وأمريكا وإسرائيل سوف يقاومون هذا بشدة ليس حبا فى شعب مصر ولكن حرصا على إستمرار السلام بين مصر وإسرائيل، وإحتمال تحول مصر إلى إيران أخرى يبدو بعيدا للأسباب الآتية:
أولا: القاسم المشترك الوحيد بين ثورة 25 يناير والثورة الإيرانية، أن كلا منهما نجح فى القضاء على واحد من أعتى نظم الحكم شمولية فى المنطقة، ولكن الفرق أن الثورة الإيرانية بدأت وإستمرت دينية وكان لها زعيم دينى (الخمينى) ولكن ثورة 25 يناير كانت على العكس تماما حيث رفض الإسلاميون الإشتراك بها فى البداية كما هو معروف، ولكن يحاول الإسلاميون الآن السيطرة عليها، ويستخدمون كل الشعارات الدينية التى لم يجرأوا على رفعها عندما كان ملايين المصريين فى الشارع، وبدأوا فى إستخدام نفس أسلوب حسنى مبارك: quot;نحن أو الفوضىquot;.
ثانيا: إيران مواردها الطبيعية أكبر كثيرا من مصر، فإيران أكبر مصدر للبترول فى العالم بعد السعودية، وكذلك مواردها المائية أكثر كثيرا، والموارد البشرية ربما تكون أفضل من الموارد البشرية المصرية. فتلك الموارد تسمح لنظام الملات الدينى بالتجربة والخطأ، ويعلم الله إلى أى مدى سوف يستمر النظام فى التجربة والخطأ.
...
(3) النموذج الصومالى:
أولا: الصومال من أفقر بلاد أفريقيا سواء من الموارد الطبيعية أو البشرية، والدولة الصومالية تكاد تكون غير موجودة وهذا أدى إلى إنتشار القرصنة الصومالية لإنعدام الدولة، أما مقارنة مصر بالصومال كما يفعل بعض المتشائمين فهى مقارنة ظالمة جدا، فأساس الدولة المصرية ما زال متينا إلى حد كبير ولم يهتز فيه سوى جهاز الشرطة، وتوقف الإنتاج بعض الشئ، ولكنه يعود بالتدريج، أما الرهان على إنهيار الدولة المصرية فهو رهان بالقطع خاسر.
ثانيا: مصر (بعكس الصومال) هى دولة محورية سواء على المستوى العربى أو الإقليمى أو العالمى، وإنهيار مصر لن يسمح به أحد، ولذا نرى طوفان الزيارات الدولية إلى مصر الثورة من أوروبا وأمريكا حتى سكرتير عام الأمم المتحدة، وقد حرص الجميع على زيارة ميدان التحرير، والذى أصبح معلما من معالم الحرية فى العالم.
لذلك فأعتقد أن التخوف من أن مصر تصبح صومال أخرى هو تخوف لا أساس له.
...
(4) النوذج الباكستانى:
هناك أوجه شبه كبير بين مصر وباكستان، كما أن هناك بعض أوجه خلاف:
أولا: كلا من مصر وباكستان تحظيان بكثافة سكانية عالية وكذلك من البلدان التى تعانى من الآثار المدمرة للقنبلة السكانية التى يزداد خطرها سنة بعد سنة.
ثانيا: تعانى مصر وباكستان من فقر منتشر وعشوائيات وبطالة ونسبة أمية مرتفعة، وكذلك تعانيان من فروق هائلة بين الأغنياء والفقراء، وفساد إدارى وحكومى.
ثالثا: تعانى مصر وباكستان من التطرف الدينى المظهرى منقطع النظير، وإن كان بدأ يأخذ فى باكستان فى السنوات الأخيرة جانب عنف شديد وإرهاب وصل إلى تفجيرات إنتحارية إرهابية داخل المساجد. ومع إنتشار التطرف الدينى إنتشر الفساد بعنف، ولا تسألونى كيف يستقيم التدين الشديد مع الفساد الشديد؟؟
رابعا: كلا من الجيشين المصرى والباكستانى لهم باع طويل فى السياسة و لايلزمون ثكناتهم مثل جيوش العالم ولاد الناس.
خامسا: من أوجه الخلاف أن باكستان أصبحت دولة نووية وقد تملك ما يقارب من 40 قنبلة نووية، لذلك يعمل لها العالم الغربى بالذات والهند ألف حساب، أما مصر فليس لها تلك الميزة، ولكن الغرب وأمريكا وإسرائيل يعملون لمصر حساب (فقط وليس ألف) من أجل عيون معاهدة السلام مع إسرائيل ومن أجل دعم الإستقرار فى الشرق الأوسط لضمان تدفق نفط المنطقة إلى العالم.
سادسا: باكستان بها قبليات متفرقة وأقليات عرقية ودينية مسلمة وسط الأغلبية السنية وهناك مناطق جبلية بالكامل على حدود أفغانستان خارجة عن سيطرة الدولة ويعتقد أن قادة تنظيم القاعدة يختبئون فى تلك المناطق، أما مصر فما زالت الدولة تسيطر على كل الأراضى المصرية، مع بعض الإستثناءات البسيطة فى صحراء سيناء قرب العريش، أما الفتنة الطائفية المصرية بين الأغلبية المسلمة والأقلية المسيحية فهى تعلو وتهبط فى مصر حسب التساهيل، فقد شاهدت بنفسى فى ميدان التحرير مسيحيين يحملون صلبانا جنبا إلى جماعات من الإخوان المسلمين، وفجأة بعد هذا المنظر التآلفى الجميل يقع شاب مسيحى فى حب فتاة مسلمة فتقوم الدنيا ولا تقعد وتهدم الكنائس ويموت ويجرح العشرات!!
hellip; ومما تقدم أخشى أن أبشركم بأننى أكثرا ميلا بأن مصر سوف تتجه إلى النموذج الباكستانى، وإن كنت أتمنى من صميم قلبى أن أكون مخطئا، ونتبع النموذج المصرى ليس هذا فحسب بل ونكون نموذجا يحتذى به فى العالم كله، مثلما يحج الناس من أمريكا وأرووبا وآسيا وأفريقيا إلى ميدان التحرير، لماذا لا نجعل ميدان التحرير وأخلاق ميدان التحرير هى السائدة، وعلى سبيل المثال لا الحصر:
أولا: هل كثير على شباب ثورة 25 يناير أن يكون لمصر دستور حقيقى لدولة مدنية عظيمة يشعر فيها المواطن أنه مصرى أولا وثانيا وثالثا؟
ثانيا: هل كثير على شباب ثورة 25 يناير أن يكون للفتى والفتاة المصرية تعليم علمى على أعلى مستوى فى العالم مثل دول الإسكندنافيا وألمانيا واليابان وأمريكا؟ تعليم بدون دروس خصوصية ياعالم!!
ثالثا: هل كثير على شباب ثورة 25 يناير أن يكونوا فى مقدمة شباب العالم فى الصناعات التكنولوجية الحديثة مثل سنغافورة وماليزيا والصين؟
رابعا: هل كثير على شباب ثورة 25 يناير أن تكون مصر من أولى محطات السياحة فى العالم، ونجهز مصر لتكون فى إستقبال 50 مليون سائح سنويا بدلا من خمسة ملايين فقط؟؟
خامسا: هل كثير على شباب ثورة 25 يناير أن تكون مصر أول دولة مصدرة للمنتجات القطنية فى العالم؟؟ أليس عارا علينا أن أرى فى أمريكا منسوجات مكتوب عليها :quot;قطن مصرquot; ثم أفاجأ بأن تلك المنسوجات مصنوعة فى بلدان أخرى لا تزرع القطن أساسا؟؟ أليس من العار ان مصر لا تزال تصدر قطن خام بعد بالرغم من أن صناعة المنسوجات فى مصر بدأت منذ أكثر من 75 عاما؟؟
سادسا: هل كثير على شباب ثورة 25 يناير أن يراقبوا الفساد؟ والتأكد من أن الإغنياء إذا إزدادوا غنى فلا بد أن يزداد الفقراء غنى أيضا؟؟ نحن لا نريد أن يفتقر الجميع ولكننا نريد أن نرفع من مستوى معيشة الجميع؟؟
خامسا: هل كثير على شباب 25 يناير أن نوفر لهم الحد الأدنى من الرعاية صحية معقولة، والتى أصبحت حقا من حقوق الإنسان؟؟
...
والقائمة تطول، وأقول شعر عمنا صلاح جاهين:
دى مش أمانى... وكلام أغانى
ولكنها المسئولية الحقيقية لشباب ثورة 25 يناير، وأرجو ألا يغرقوا فى طول الجلباب ومقاس اللحية ولون الحجاب وفرضية النقاب، لأن كل هذه أمور سهلة وشكلية، التحدى الحقيقى هى فى البنود المذكورة أعلاه، وإن لم نفعل فلا تتعجبوا لو أصبحنا quot;مصرستانquot;!!
....
[email protected]