لقد بحثت عن عنوان مناسب لمقالتي هذه فوجدت أن اقبح الكلمات يمكن أن تتناسب مع الجريمة التي حدثت في شمال بغداد. لكن بحثي عن تعريف جامع مانع يمكن أن يصف تلك الجريمة وصفا ً دقيقا ً باء بالفشل، فعجزت ولم أجد أكثر بلاغة ووصفا ً من هذا العنوان.
تقرير عن الجريمة
التاريخ: 2006
المكان: منطقة التاجي، شمال بغداد
الضحايا: موكب لزفة عرس يتكون من 70 فردا ً بينهم نساء وأطفال، إضافة للعريس والعروس
الجناة: مجموعة من أعضاء الجيش الإسلامي في العراق، والذين أنضموا لتنظيم القاعدة في العراق لاحقا ً
طريقة القتل: قتل الرجال كافة برصاصة مباشرة في الرأس، بعد إيقاف الموكب، ومن ثم تم رميهم في نهر دجلة. إغتصاب النساء واحدة تلو الأخرى، ومن ثم تم قتلهن بنفس الطريقة ورميهن في النهر أيضا ً. ربط الأطفال البالغ عددهم 15 طفل بأحجار ثقيلة، ومن ثم تم رميهم في النهر وهم أحياء ليموتوا غرقا ً. إقتياد العريس والعروس لقبو الجامع في المنطقة ليتم إغتصاب العروس أمام زوجها، وبعدها تقتل عن طريق جز أحد ثدييها لتموت نزفا ً حتى الموت. قتل الزوج بعد موت زوجته.
مفارقات: أحد القياديين من أفراد العصابة حاصل على شهادة بكلوريوس بالعلوم السياسية وماجستير في التاريخ، ويعمل كمسؤول لملف السجناء والمعتقلين في منظمة حقوق الإنسان. الزوج شيعي والزوجة سنية. صاحب فتوى القتل شيخ مصري يدعى أبو ديبة!!!

إنتهى الخبر، المصدر إيلاف
http://www.elaph.com/Web/news/2011/5/658595.html
لقد عاش المجتمع العراقي في السبعينيات من القرن الماضي ظاهرة أبو طبر. وأبو طبر هذا كان يقود عصابة للقتل تنتهج أسلوبا ً واحدا ً في قتل الضحايا وهو الطبر. لقد كانت الكثير من العوائل البغدادية تنام خوفا ً على أشباح أبو طبر وتصحوا على أحاديث عما دار أثناء الليل من أصوات مخيفة، ماهي إلا لحفيف الأشجار وإصطكاك الأبواب المهترئة من أثر الريح، ومن ظلال أو تهيئات أو أحلام تتحول لقصص ينسجها الخيال الشعبي عن أبو طبر. وتبدأ التكهنات بعدها عن من كان ضحية الأمس ومن سيكون التالي بعد أن تكررت جرائم القتل. فصار أبو طبر أسطورة يخوف الأطفال المشاغبين بيها، وتخاف النساء منها فتهرع بالصرخات أثناء الليل، ويتأهب الرجال خوفا ً من أن يكون أبو طبر مختبئ ً خلف أحد الأشجار أو في زاوية من الزوايا المعتمة. وإن كانت لإشاعة قصة أبو طبر مقاصد سياسية إلا إنها شكلت جزءا ً مهما ً من الخيال الشعبي للمجتمع العراقي.
لقد كان هذا في السبعينيات عندما كان أحدنا لايستطيع النوم عندما يرى جثة ميت. أما الآن، فيرى العراقيون جثث الموتى تطوف في نهر دجلة وهم يتنزهون على ضفاف دجلة ويستمتعون في كازيهونات أو نؤاس. هل تغير المجتمع العراقي كثيرا ً!!

لقد مر المجتمع العراقي بهزات كثيرة، ومنها ثلاثة حروب، وحصار دام 11 سنة أحرق الأخضر واليابس، ومن ثم إحتلال وإرهاب وفساد. ولا احد يعرف إلى أين يتجه العراق. إن هذا أدى إلى تدمير المنظومة الثقافية والأخلاقية والتي تجعل مجتمع ما مندمج ومنسجم مع نفسه. لقد وصل بنا الحال إلى هذا النوع من الجرائم البشعة والتي يمكن أن توصف كإبادة جماعية. لقد تدنت قيمة الفرد العراقي لدرجة أنه يمكن أن يموت في أية لحظة، وبدون قصد، أو بالخطأ، أو حتى بالصدفة عندما يكون في المكان والزمان الخاطئين. نعم، يمكن أن نفهم أن هناك إقصاء سياسي يصل حد الإقصاء المادي بالقتل، ولكن أن يقتل شخص بلا هدف، فقط من أجل ممارسة هواية القتل المجاني، فهذا شيء عجيب. بل يصل إلى حد ليس فقط الإلغاء المادي، وإنما محاولة إلغاء الآخر المختلف، وحتى غير المختلف أحيانا ً، ذاتيا ً من خلال التنكيل به بطرق مختلفة، كالإغتصاب والحرق والمثقاب وقطع الرأس وحدث ولا حرج. أليس هناك خطأ!!

جريمة مثل التي حدثت في منطقة التاجي يمكن أن تحدث بأساليب مختلفة ومتعددة، ويمكن أن يأخذ المجرمون قصاصهم. ولكن، علينا التفكير بجد لإصلاح ماتم تخريبة من ثقافتنا ومجتمعنا وأخلاقنا. هنا تقع المسؤولية على المثقفين العراقيين من خلال مشروع ثاقفي واضح المعالم يعيد للمجتمع العراقي نسيجه الطبيعي. اما الدولة فيمكن أن تقع عليها مسؤولية أكبر بإعتبارها تملك مصادر الثروة وقوة القانون. فلابد للمسؤولين في الدولة العراقية الإدراك بأن العراق مر بضروف صعبة أدت إلى تمزيق نسيجه الاجتماعي ولابد من عمل جاد لإعادة الأمور لنصابها. لابد من دعم مشروع للإندماج ينطلق من أروقة بيوت الثقافة والاكاديميات بدعم حكومي لتمويل المشاريع والبحوث والمؤتمرات لصياغة خطاب ثقافي موحد تجاه هذه الأزمة. إن الجريمة البشعة التي حدثت في شمال بغداد ربما يكون ظاهرها سياسي طائفي، لكن باطنها يعبر عن أزمة أخلاقية تستقر في صميم ثقافة المجتمع العراقي.


[email protected]
http://www.elaphblog.com/imadrasan