قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

زيارة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفه آل ثاني إلى إيران، هى السادسة له خلال رئاسة الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي قام بزيارة ناجحة للدوحة العام الماضي، لكن يبدو أن ما تناقلته مصافي وسائل الإعلام عن أسباب هذه الزيارة أبعد ما يكون عن (ظل الحقيقة)، فقد سربت مصادر موثقة بعض المعلومات عما دار في كواليس اللقاء الرسمي بين القيادتين، حيث طرحت بالفعل quot; مقايضة quot; إيرانية ndash; قطرية برعاية أمريكية، تحصل إيران بموجبها علي نفوذ أكبر في العراق، مقابل تخليها عن النظام السوري الذي أوشك علي السقوط، ناهيك عن أقتراب سوريا من دوامة الحرب الأهلية quot; الدينية quot;.
طمأنة إيران علي أن مصالحها الاستراتيجية التقليدية في الشرق الأوسط (لن تمس) عبر الوسيط القطري، مرهونة بأن تكف طهران عن تأجيج الفوضي وعدم الاستقرار في المنطقة، وأن تطلق النظام السوري طلقة بائنة لا رجعة فيها. إن عدم الاستقرار كفيل بالإبقاء على أسعار النفط مرتفعة، وهو ما يصب في مصلحة الاقتصاد الإيراني. فضلاً عن ذلك، فإن إيران تجد سهولة أكبر في تحويل انتباه العالم عن برنامجها النووي، والأهم: تغيير المعادلة الاستراتيجية في الشرق الأوسط بتشجيع ظهور أنظمة إسلامية متشددة، تؤيد سياساتها في المواجهة (الظاهرية) مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
الولايات المتحدة تدرك أمرين، أولا: أن الخطر الذي تشكله ايران على منطقة الشرق الأوسط بامتلاكها السلاح النووي قد لا يكون باستخدامها ذلك السلاح ضد اسرائيل أو‮ ‬غيرها،‮ ‬وإنما هو في (توظيفها) امتلاك هذا السلاح لغرض الهيمنة الإقليمية،‮ ‬وما سيسفر عنه السماح لها بامتلاكه من سباق على التسلح النووي في منطقة الشرق الأوسط ككل‮.
الأمر الثاني: أن سقوط النظام السوري يمثل كارثة كبري بالنسبة لإيران ولابد من تعويضها: سوريا (الدولة العربية الوحيدة) التي وقفت مع إيران في حربها ضد العراق مدة ثماني سنوات، وهي التي مكنت إيران (عبر حزب الله) من غرس قدميها في رمال شواطئ البحر المتوسط - علي بعد كليومترات من إسرائيل، ما وفر لإيران القدرة علي تمددها إقليميا علي حساب العرب وإسرائيل وتركيا (معا). لذلك لم يكن مستغربا أن يصدر المرجع الديني في (قم) quot; آيه الله مكارم شيرازي quot; فتوي: بأن دعم ومساندة النظام السوري quot; واجب ديني quot; لما يمثله من أهمية استراتيجية لإيران في الشرق الأوسط.
لقد كتبنا أكثر من مرة: أن مستقبل التطورات في الشرق الأوسط الجديد سيعتمد - إلي حد كبير - على نوع العلاقات الإيرانية ndash; الأميركية المقبلة، وأن نجاح quot; المشروع الشرق أوسطي للولايات المتحدة quot; سيتوقف علي (سلخ) دمشق (ومعها حزب الله وحماس والجهاد) من علاقتها الاستراتيجية مع ايران، وبعبارة واحدة: ضمان أمن (إسرائيل) تحديدا، وعدم تهديد المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
لقد كان الشرق الأوسط ndash; وحتي الزلزال العربي عام 2011 وتوابعه- مقسما إلى معسكرين: معسكر الاعتدال، وquot;معسكر المقاومةquot;، الذي شكلته إيران وسوريا وحماس وحزب الله ضد المشروع الأمريكي الجديد للمنطقة، وقادت (حماس) أول أنسحاب تكتيكي من quot; معسكر المقاومة quot; خوفا من العواقب التي قد تترتب على زوال رعاتها في دمشق، وقادها المجلس العسكري في مصر إلي مصالحة ناجحة مع السلطة الفلسطينية المؤيدة لأمريكا بشروط كانت قد رفضتها في ظل الرئيس المخلوع حسني مبارك.
ليس هذا فحسب، بل طلبت حماس رسميا نقل مقر قيادتها من (سوريا) إلي مصر، وفاتح quot; خالد مشعل quot; المسئولين المصريين أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة بهذا الأمر، وأيد الأخوان المسلمون مطلبه بفتح مكاتب دبلوماسية لحماس في أرض الكنانة.
سوريا أستنفدت - حسب الولايات المتحدة - كل وسائل الترغيب والتهديد والمساومة، عبر وسطاء أوروبيين وإسلاميين، وبين بين، وأبرزهم (تركيا)، وأهمها علي الاطلاق .. هذا العرض: أن اسرائيل ملتزمة بإعادة هضبة الجولان، مقابل ان تقطع سوريا علاقاتها بايران وتنهي دعمها لحزب الله وحركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين ... وكالعادة أضاعت سوريا الفرصة!
الولايات المتحدة عام 2011، ربما عثرت علي الرسالة الضائعة التي بعثت بها إيران (عبر قطر أيضا) عام 2008، فقد كان الحضور اللافت لإيران إلي جوار سوريا في (قمة الدوحة) نهاية 2008، رسالة مهمة للرئيس الأمريكي أوباما قبل أن يتولي منصبه رسميا في يناير 2009، بأن إيران حاضرة في المنطقة عبر ثلاثة ملفات لا فكاك من التعامل معها: فلسطينية (عبر حماس)، (نووية)، سورية لبنانية (الجولان ndash; حزب الله)، وأن من الأفضل أن يتم التعامل مع هذه الملفات مجتمعة وليس الملف النووي وحده.
ما يعني ان تغيرا هائلا قادما إلي الشرق الأوسط لا محالة، ليس بإتجاه حل الصراعات القائمة والقادمة (القديمة - الجديدة) وإنما بإتجاه المزيد من الحروب (الدموية) الدينية والطائفية والقبلية، وزوال أفكار مثل quot; الديمقراطية quot; وquot; التعددية quot; وquot; الليبرالية quot; تحت وطأة الأنظمة الفاشية والاستبدادية (الدينية ndash; العسكرية) القادمة كالجراد، وهي (خطيئة كبري) ترتكب في مطلع الألفية الثالثة تحت سمع وبصر العالم المتحضر، انطلاقا من (أرض العراق) المثخن بالجراح والآلام، الذي أوشك علي العودة مجددا ليحتل صدارة المشهد المأساوي في المنطقة!
[email protected]