قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لم تكن زيارة الأمين الجديد للجامعة العربية موفّقة بالمقاس الشعبي السوري حين زارها في تموز الماضي، فقد افتتح الرجل زيارته بالانحياز الواضح لمصلحة النظام على حساب أحزان ودماء مئات السوريين الذين تساقطوا شهداء، أو غُيّبوا، أو اعتقلوا، وعذبوا، وأهينوا، منذ أواسط آذار الماضي وإلى الآن،فقد توضّح للسوريين أن الأمين الجديد الذي خرج من رحم ثورة الشباب المصري يحابي النظام، وأبدى إعجابه الشديد بمسيرة quot; الإصلاحاتquot; والمراسيم التي يصدرها، ورأى أنها كافية ووافية قافزاً على كل هذه الدماء التي سالت، ومازالت تسيل.

لذا، كان طبيعياً أن يتصدّر اسمه واجهة انتفاضات السوريين حينما كتبوا بألم وحسرة: يا ليتك لم تزر بلدنا!! ولست نبيلاً ولا عربياً، وسطر هؤلاء بيانات نعوة ووفاة الجامعة العربية.

شعر السوريون المنتفضون أن العربيّ جاء ليبارك للنظام ما يقوم به من قتل وتنكيل وتحشيد جيش جرار مُجهّز على أرفع مستوى قتالي، تدعمه الدبابات والمدافع والحوامات لقتل السوريين، وكان ينتظر منه السوريون خلاف ذلك، وخصوصاً أنه وصل إلى ما وصل إليه من مركز ومنصب على بركة دماء وتضحية الشعب المصري من أجل الظفر بحريته وكرامته، وهو ما تحصّل عليه، وطوى صفحة مؤلمة وسوداء من تاريخه العريق الذي يمتد لآلاف السنين، وأبدى العالم أجمع إعجابه بتلك الثورة الشبابية التي دكت حصون نظام أمني دموي أخرسَ البلاد والعباد وحجّمت مصر في صورة شخص.

إلى اللحظة، ما زالت الجامعة إن في العهد الجديد، أو عهد عمرو موسى الذي تفلسف في لفظة القلق بشكل مثير للاستهجان وquot; القلقquot; حينما قال بما معناه: نحن قلقون والقلق يساورنا وكلنا قلق والقلق يأكل أصابعنا حينما ننظر إلى ما آلت إليه الأوضاع في سوريا، وكاد أن يغمى عليه لشدة القلق الذي انتابه في مؤتمره الصحفي قبل أن يودّعنا طامحاً وطامعاً في كرسي الرئاسة في مصر المحروسة.

لقد تعب، بل قلق السوريون، وهم يشعرون بقلق الجامعة المتزايد بشأن التطورات في سوريا، ودعوتها الكريمة إلىquot; الوقف الفوري لجميع أعمال العنف ضد المحتجينquot;.
فموقف الجامعة حتى مساء السبت الماضي بدا قلقاً ومتحفظاً والانقسام كان على أشده بشأن الأوضاع في سوريا، وكان واضحاً عدم اهتمام النظام بكل ذلك الاجتماع، وخفف من التمثيل الدبلوماسي للحضور في شخص المندوب الدائم رغم أن الاجتماع كان على مستوى وزراء الخارجية لا المندوبين الدائمين للدول العربية، ورفض النظام قبول لجنة وزارية من مجلس الجامعة العربية الذي اختلف في الشأن السوري حتى ساعة متأخرة من الليل، حيث تبدى الاعتراض بعض بنود quot;المبادرة العربيةquot; وتم اعتبارها تدخلُّاً في شؤون البلاد.
إذاً: القلق والانزعاج العربي مازال على أشده، لكن هذا القلق هل سيتكفل بتحريم قتل السوريين يومياً في الفجر والظهر والمساء وأيام الجمع وكل لحظة؟؟

هل هذا القلق سيفتح صفحة جديدة بين النظام والمعارضة على quot;قلقquot; أن سوريا برمتها نظاماً ومعارضة مرشحة لمصير أسوأ وأيام سوداء إذا استمر هذا المسلسل المرشح لتكونَ طويلةً حلقاتُه وأحداثُه.

هل سيقرر النظام سحب قطعات الجيش والشبيحة، وسيرسل الأمن لحماية المظاهرات الشعبية لا ضربها بالنار والحديد طالما أن قانون التظاهر الجديد يحمي هذه الجموع!! كما يحمي بالقدر عينه مسيرات التأييد التي تملا الساحات الكبيرة حينما يراد لها أن تكون.

هل سيقرر النظام الضرب بأيد من حديد لكل من تسولت له نفسه بإراقة دماء السوريين، وهل سيتقدمون لمحاكمات علنية شفافة تعيد الطمأنينة والأمان للسوري في أنه يعيش في بلد يحمي كرامته لا يهدرها، ويحمي حياته لا يُرخّصها، وأن ثمة قانوناً يستظل الجميع بظله.

يبدو أن الرسالة لم تكن بالقوة التي لمّح إليها مراقبون سياسيون أو بعض المصادر الدبلوماسية العربية التي زعمت أن رسالة quot; قوية ستبعث إلى دمشق بضرورة الحفاظ علىquot; الدم السوري وضرورة وقف نزيف الدم، والبدء في حوار جدي مع كل أطياف الشعب والقوى السياسيةquot;.

بشديد الأسف ربما لا يملك السوريون في هذه اللحظة مسكنات تعيد الهدوء والراحة إلى قلق الجامعة العربية، وتخفف من توترها الواضح، وارتجاف أصابعها وتسارع نبضات قلبها، وإلى أن يملك السوريون ذلك المورفين الساحر المهدئ سيشكرون الجامعة وأهلها، وبالطبع ستشهد الساحات والحواري والمدن والأرياف السورية المزيد المزيد من سفك الدماء، والمزيد من تعقيد المشكلة.. لسبب بسيط وهو أن النظام لا يرى غير التصعيد الأمني وسيلة أنجع!

يقيناً أن زيارة quot;العربيquot; المرتقبة الاثنين ستضاف إلى سلسلة زيارات ومقابلات وquot; نصائحquot; ورسائل واتصالات سابقة وقادمة أيضاً لم، ولن تجد طريقها إلى وقف هذه الدماء، وسيستمر مسلسل quot;تأديب quot; المخربين والمندسين وأمراء الإمارات الدينية، إلى أن يتوبَ هؤلاء، ويعودوا إلى تقبيل وعشق العصا التي أدمت حناجرهم وأصابعهم وأقلامهم وتطلعاتهم منذ سنوات كثيرة.

وسيظل السوريون وحيدين يواجهون مصيرهم بصدورهم العارية، دون أن تعيد الإدانات والبيانات الدفء إلى أرواحهم التي قررت أن تكون أرواحاً حقيقية لا أرواحاً من الكريستال.