قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها عدة دول عربية هيمنت على وسائل الإعلام وصرفت الرأي العام الإقليمي والدولي عن أحداث أخرى قد يكون لها انعكاسات لا تقل أهمية على مستقبل المنطقة واستقرارها. وفي مقدمة هذه الأحداث التي تنذر بالخطر التوتر الراهن على الحدود العراقية الكويتية على خلفية بدء الكويت بناء ميناء مبارك على جزيرة بوبيان والذي يشتكي العراقيون أنه سيلحق أضراراً اقتصادية كبيرة لبلدهم الذي لم يتعافى بعد من ثلاثة حروب كبرى. الكويت التي تصر حكومته ونوابه على الاستمرار في مشروع الميناء الضخم تنطلق من مبدأ السيادة حيث يقع مشروع الميناء على ارضي كويتية خالصة؛ وهو ما يعني امتلاكها الحق المطلق في إقامة الميناء لتحقيق مصالحها ولذلك فهي غير معنية بالاعتراضات العراقية.

العراقيون من جانبهم يشتكون من أن الميناء سيضر باقتصادهم حيث سيعيق الملاحة البحرية وquot;يخنقquot; المنفذ العراقي الوحيد على الخليج العربي، ويقضي على أحلام العراقيين بجعل أراضيهم معبراً استراتيجياً للتجارة بين قارتي آسيا وأوربا من خلال مشروع ميناء الفاو الضخم.

لاشك أن المسئولين العراقيين والكويتيين قادرين على تقديم الحجج تلو الحجج التي تؤكد على صحة موقف كل طرف. هذه الحجج قد تكون جغرافية أو قانونية أو اقتصادية أو حتى بيئية، لكن وكما تعلمنا من تجارب كثيرة فمثل هذه الحجج ومهما كانت مؤصلة ومقنعة فهي للأسف ليس ما يحدد ويوجه المواقف السياسية سواء في بغداد أو البصرة أو الكويت.
الخلاف حول الميناء خلاف سياسي توجهه بالدرجة الأولى تصورات ومشاعر أكثر من حسابات سياسية رشيدة. وحتى لو كان هناك حسابات سياسية لدى الطرفين فهي في الغالب تكون ظرفية وتخدم مصالح جزئية لنخب حزبية أو برلمانية وتغلف بمزاعم الدفاع عن المصالح الوطنية.

قضية الميناء اليوم لا تختلف عن قضية حقل الرميلة قبل واحد وعشرين سنة حين أتهم صدام الكويت بسرقة النفط العراقي واتخذ ذلك مبرراً لغزو الكويت وارتكاب أكبر حماقة سياسية في تاريخ المنطقة لا نزال نعاني من أضرارها حتى هذه اللحظة. آنذاك فشلت لغة المنطق والحسابات الفنية والدعاوى القانونية حول ملكية الحقل عن لجم صدام وردعه عن غزو الكويت وتشريد أهله والتسبب في حرب لم تسلم منها منطقة الخليج كلها.

واليوم يظهر من تعاطي الجانبين مع قضية الميناء أنهما يرتكبان ذات الخطأ. في 1990 تحدث صدام عن تورط الكويت في محاولة لتركيع العراق quot;العظيمquot; والضغط عليه بالتعاون مع أطراف إقليمية ودولية. اليوم ومن خلال قراءة تصريحات بعض المسئولين العراقيين نجدهم يستخدمون ذات اللغة المتشنجة حيث يشعر العراقيون بمرارة بسبب quot; استغلال الكويت لضعف العراق الراهنquot;.

الكويت من جانبها يتسم موقفها من خلال تصريحات بعض المسئولين بشيء من البرود وعدم الاهتمام بمشاعر العراقيين وشكواهم. هذا التشنج العراقي في مقابل برود الموقف الكويتي هو ما سيوجه موقف بغداد والكويت باتجاه نخشى أن يكون تصاعدياًً وبشكل يصعب التنبؤ بنتائجه.

وإذا كان من حق الكويتيين أن يرسموا سياستهم تجاه مشروع الميناء حسب ما تمليه مصالحهم الوطنية فقط، إلا أن العقلانية تستوجب منهم عدم تجاهل شكوى العراق والذاكرة التاريخية المرة التي أصبحت تشكِل القيم السياسية للنخب العراقية وتوجه مواقفهم الخارجية.

الحكومة العراقية وبعد الاستماع لتقرير اللجنة الفنية المكلفة بدراسة المشروع دعت الكويت إلى وقف العمل مؤقتاً في الميناء حتى يتضح عدم تأثر حقوق العراق بسبب المشروع. لذلك ومن أجل تجنب التصعيد فالمأمول من الحكومة الكويتية النظر في الطلب العراقي وتجاوز النظرة الضيقة التي تحصر القضية في الإطار القانوني الصرف تحت حجة ممارسة السيادة وأن تأخذ بعين الاعتبار كافة الأبعاد لهذه القضية.

دول الخليج وخاصة المملكة والتي تحملت أعباء سياسية ومالية كبيرة بسبب حرب تحرير الكويت يتعين عليها التحرك العاجل للحيلولة دون تصعيد هذه القضية، وعليها أن تدرك أن القرار في بغداد والكويت يتأثر للأسف بشكل كبير بمصالح سياسية ضيقة لنواب برلمانيين قد لا يضعون استقرار المنطقة ضمن أولوياتهم. نعم 2011 يختلف كثيراً عن 1990، ولكن اللغة لا تزال هي ذات اللغة سواء في بغداد أو في الكويت ولذلك فعلى المملكة و بقية دول الخليج التدخل لترشيد هذه اللغة وتغليب العقل، فالرصيد السياسي والمالي لم يعد كافياً للتصدي لمغامرات جديدة.

أ.د صالح بن محمد الخثلان
أستاذ العلوم السياسية جامعة الملك سعود
[email protected]