إتماما لما جاء في الحلقة الأولى من مقالي[ quot; بعد عشر سنوات نحن والإرهاب quot;الجهاديquot; الإسلامي]، أود هنا محاولة مناقشة آراء وتقديرات وتحليلات راحت، مؤخرا، تَشيع في الإعلاميين الغربي والعربي عن تأثير ما يسمى بالربيع العربي على العقليات السائدة في الشارع العربي باتجاه تشجيع قيم الحرية والديمقراطية، ونبذ العنف، وعزل محترفي الإرهاب. ويقال إن هذه الانتفاضات أصابت القاعدة في الصميم في العالم العربي، وهي ستجد صعوبات كبرى في تجنيد الشباب. ومنهم من يذهب بعيدا ليقول إن الانتفاضات قد أنهت نتائج 11 سبتمبر.
إن غالبية ما قرأناه بهذا الصدد تبدي تفاؤلا نراه مستعجلا، ومرتجلا، ولا يستند لأساس صلد.
إن quot;هذا الربيعquot;، يقصد به طبعا الانتفاضات التي هي متعددة الظروف والخصائص؛ منها ما طوحت بالحكام الفاسدين المستبدين، ومنها ما هي في طريق النصر، لاسيما في ليبيا. ولا شك في أن هذه الانفجارات الشعبية على الظلم والفساد، وإزاحة عدد من الحكام الذين كانوا يمارسونهما، هي انتصار للعدالة، وقد هدمت جدار الخوف بما قد يشجع شعوبا أخرى في المنطقة على الانتفاض. ونعلم أن هؤلاء الحكام كانوا، في الوقت نفسه، مطلوبين للقاعدة لأنهم كانوا مضطرين لمحاربتها رضوخا للولايات المتحدة والضغط الدولي من جهة، وحفاظا على عروشهم من جهة أخرى. فالقذافي، الذي مارس الإرهاب، قد انصاع بعد القصف الأميركي لمقره زمن ريغان. وكل من مبارك وبن علي كانا يحاربان الجهاديين لأنهما كانا مستهدفين منهم، ولأنهما كانا يستغلان هذا الموقف للبقاء في السلطة، ولتخويف الرأي العام الدولي والمعارضة العلمانية المدنية بورقة القاعدة لتبرير التشبث والتوريث، أي: quot;إما نحن أو هي القاعدة بعدناquot;. وهذا أيضا كان موقف الرئيس اليمني.
هذا كله صحيح، وإلى هنا وتبقى تساؤلات وملاحظات.
إننا لا نستطيع بعد التنبؤ بالمسار النهائي لهذه الانتفاضات، فإذا انتهت حقا لبناء أنظمة ديمقراطية علمانية، فسيكون ذلك ضربة سياسية وفكرية كبرى للقاعدة وسائر الجهاديين، وإن كان لا يعني استئصالا تاما لمنابعهم في بلداننا والمنطقة، فهذا يحتاج لوقت طويل جدا. أما إذا انتهت الانتفاضات إلى فوضى، أو إلى أنظمة تهيمين عليها قوى الإسلام السياسي، أو أنظمة شعبوية، مدنية أو عسكرية، تسيرها نزوات الشارع، فإن ذلك المآل سيفتح ثغرات عدة ينفذ منها الوباء الجهادي بقوة، بعد أن قامت الانتفاضات، وليس القاعدة، بالتخلص من حكام كانوا أعداءها. والظواهري يمارس تملقا مرائيا [وربما بمرارة] للانتفاضات، فقد كان يتمنى مع شركائه لم تم إسقاط الحكام المعادين بأيدي القاعدة نفسها.
إن المشكلة الأكبر هي مسألة الثقافة أو العقلية المهيمنة على الشارع العربي، عقلية الشك في الآخر ورفضه، ورفض الحرية الدينية، والنظرة الدونية للمرأة وحقوقها، وعقدة المؤامرة ونظرياتها، والهوس الإسرائيلي، وكراهية الغرب وقيمه الديمقراطية والعلمانية.
إن الحالة المصرية يمكن أن تجيب بالكثير. فالواضح لحد اليوم أن التيارات والقوى العلمانية والديمقراطية المدنية لا تزال أضعف تنظيما وتماسكا، وأقل تأثيرا على الجماهير من القوى الإسلامية بمختلف جماعاتها، ومن أئمة المساجد. وما نشاهده اليوم من هذه quot;الجمَع المليونيةquot; هو اختلاط الحابل بالنابل، وطغيان نزعات الفوضى والثارات، وحمى التظاهر وغرائز العنف التي لم يكن الشعب المصري معروفا بها. وما الانفلات الأمني الرهيب بالهجوم على سفارة إسرائيل، والاعتداء على الشرطة والمركز الأمني وأعمال الحرق والتخريب، إلا مثال صارخ على انه ما أن يفجر أحدهم الورقة الإسرائيلية حتى ينسى المتظاهرون شعارات أمس عن الحرية والعدالة، وبتشجيع من بعض كبار المسؤولين، وبمزايدات ساسة وصوليين يرومون الصعود على أكتاف الجماهير، ولو بدغدغة الغوغائية المنفلتة. وفيما يخص غرائز العنف، فإن التقرير الذي نشرته إيلاف قبل حوالي الأسبوع عن مطاردة الشارع للمتهمين بكونهم بلطجية يسرد وقائع مرعبة ومقززة عن انتهاك كل قانون، وتحول الشارع إلى بوليس وقضاء وجلاء دموي، يقطّع الأعضاء، ويغرز الخناجر في القفا، ويحرق البيوت. وعندما يغيب البوليس والقانون، وتحل الفوضى، تنفتح الثغرات لينفذ منها الإرهاب ودعاته.
إن قضية الثقافة أو العقلية السائدة هي مفتاح الجواب على السؤال الكبير عن دور quot; الربيعquot; مقابل القاعدة. فشخصيا أتصور أن القاعدة، وكل أنواع التطرف الإسلامي الميال للعنف والاستئصال، تجد ضالتها وملجأها و مشايعيها في ما يهيمن على تفكير غالبية المواطنين الساحقة في البلدان العربية من قيم متخلفة، ومن تأثير لدعاة التطرف والتزمت الدينيين، ومن كراهية للآخر، ومن امتهان للمرأة، ومن رفض للحرية الدينية. ولا تزال مناهج التعليم ومحتوياته في عدد من الدول العربية تغذي هذه القيم المفاهيم والعادات، وخصوصا الكتاتيب الإسلامية،و كذلك كتب التاريخ التي تمجد طغاة المسلمين على مر التاريخ، ومنهم،كمثال، خالد بن الوليد الذي تسمّا باسمه المنتفضون في بلد عربي. ومع أن الحزم الأمني والقضائي تجاه المتهمين بالإرهاب له أهمية كبرى واستثنائية، فإن من المهم جدا مكافحة الفكر الذي يفرخ التطرف، ويشجع على العنف.
لقد تناولت عند مقتل بن لادن ردود فعل وسائل الإعلام العربية. وإذا تركنا مديح الإخوان لابن لادن، وصلاة السلفيين على روحه في السودان ومصر، فإن الذي استوقفني أن عددا من الكتاب المعروفين نشروا مقالات صاخبة في ذم الشعب الأميركي لأن مظاهرات ارتياح خرجت عند إعلان النبأ، واصفين الارتياح بالشماتة المدانة، وكأنه لا يحق للضحايا أن يرتاحوا للخلاص ممن تسبب في قتل 3000 برئ منهم ومن جنسيات أخرى! ونشرت مقالات كثيرة تستهجن طريقة قتله، وطريقة دفنه، وهي جميعا تعبر ضمنيا وquot; باطنياquot; عن الانزعاج لغياب بن لادن عن الساحة، وخصوصا لان مقتله تم على أيدي ألد الأعداء- الأميركيين [ رامبو الأميركي كما كتب بعضهم]. كل هذا نشر بعد شهور من اندلاع الانتفاضتين التونسية والمصرية. وإذ أسجل هذا، فأسجل أيضا أن أقلاما عربية موضوعية كتبت مقالات بالمناسبة فضحت فيها مسئولية وأفكار بن لادن والقاعدة، واعتبرت الخلاص منه نصرا لضحاياه. وبمناسبة عشرية 11 سبتمبر، نرى كتابا لا يرددون في المناسبة غير نغمة الإسلامفوبيا، ويكثرون من شتم جورج بوش بسبب حربي أفغانستان والعراق وكأن الملا عمر وبن لادن وصدام كانوا هم الضحايا. كاتب في الشرق الأوسط وصف بوش بأنه أسوأ رئيس غربي حتى اليوم، وكتاب في quot; الحياةquot; جرّموه ، ونعته أحدهم بالأحمق والمجنون quot;كجنون بن لادنquot;- كما كتب. ولم يذكر بعضهم في المناسبة غير إدانة غوانتينامو وكأنها تضم أبرياء مسالمين. وذكرونا مجددا بفضيحة أبي غريب التي كشفتها القيادة العسكرية الأميركية نفسها، وقد عوقب المتهمون بها بالسجن. ولم يحجم أحدهم عن نسبة كل الضحايا العراقيين منذ سقوط صدام للأميركيين، متجاهلا دور القاعدة وجحافل الإرهابيين العرب المتسللين من سوريا، ومتجاهلا دور المليشيات التابعة لإيران، ومتناسيا دور الأنظمة العربية، والإعلام العربي، والنخب العربية في الموقف السلبي، ولعدة سنوات، من عراق ما بعد النظام البعثي، ولحد أن البرلمانيين العرب رفضوا إدانة المقابر الجماعية. تلك المواقف العربية السلبية، من رسمية وشعبية، ساهمت لحد غير قليل في نجاح تغلغل النفوذ الإيراني ليصيح اليوم هو النفوذ الطاغي في العراق، مثلما سمحت بتغلغل القاعدة. وهناك تعيير أمريكا بأزمتها المالية [ بسبب الحربين كما قال الكاتب]، ومدح للصين، في تناس لكون هذه الصين نفسها تساند أنظمة الاستبداد التي تنتفض عليها شعوب الانتفاضات العربية، والتي تؤيدها أميركا.
إن quot;الربيع العربيquot; لم يمنع القاعدة في العراق مؤخرا من خطف وإعدام 22 رجلا، ولا من محاولة فلسطيني ولبناني في برلين من التخطيط لعدوان إرهابي في المدينة المذكورة. وبينما صفق الشارع العربي وكثير من نخبه لإعلامي عراقي عرف بالرجل quot; الحذائيquot; وأكرموه وأقاموا له الموائد، ونظموا الندوات ليتصدره نجما، وقدموا الهدايا الثمينة وquot;الدسمةquot;، فإن اغتيال رجل الإعلام والمسرحي العراقي هادي المهدي غدرا، لمجرد أنه كان يطالب سلميا بالحرية العدالة، لم يحرك الإعلام العربي [ إلا بعض الكتاب المنفردين] للاستنكار والتنديد. أما خطف وقتل القاعدة للعراقيين، فلم يهز الشارع العربي، ولم يحركه، حتى في دول الانتفاضات. وقد أقيمت بمناسبة العشرية احتفالات في عدة دول تمجيدا للضحايا وتنديدا بالجريمة، ولم أسمع عن شيء من هذا في أي بلد عربي، أو في خطبة مسجد، مع أن العرب هم الأولى بذلك لأن المجرمين كانوا عربا، وإن مبادرات كهذه هي التي تسهم في إضعاف وعزل بعض الحساسيات والمخاوف تجاههم بين شرائح من الغربيين، وكشف تيارات مهووسة بالتعصب تجاه المسلمين.
إن توني بلير هو أكثر واقعية من المتفائلين حين يقول quot;إن دحر الإرهاب الإسلامي المتشدد سيستغرق جيلا من الجهدquot;. هذا صحيح، سواء بالنسبة للعرب، أو للغرب وبقية العالم، والمعركة واحدة، ويجب أن تكون واحدة، ما دام الإرهاب الإسلامي يشن حربا بلا حدود.
إن القاعدة لا يزال لها أنصار ومتعاطفون كثيرون في العالم العربي والمنطقة ما دامت تحارب أميركا والغرب الأوروبي، وكلما ثرثرت بقضية فلسطين وبرجم إسرائيل. وللقاعدة متعاطفون خاصة بين التيارات والقوى الإسلامية، التي هي الأنشط اليوم في أكثر الساحات العربية.
إن الشوط أمامنا لا يزال طويلا، لأن الواقع العربي لا يزال مهتزا، ومشاكله بلا حدود من فساد، وفقر، وأمية، ونزعات تسلط، وعنف، ولأن هناك دولا للقاعدة فيها مواقع قوية، ومنها اليمن والعراق، وثمة مخاوف جدية من تهريب السلاح الليبي لقاعدة المغرب الإسلامي. ولا ننسى أيضا نظام الفقيه، بفيالقه وكتائبه الإرهابية في المنطقة، وفي العراق ولبنان خاصة، وتعاونه مع القاعدة أحيانا. وثمة اليوم في إيران 35 ملاحقا من القضاء السعودي بتهمة الإرهاب، بعد أن ظلت مأوى للعشرات من قادة وكوادر القاعدة وعائلاتهم، ومنهم سيف العدل المسئول العسكري للقاعدة، ومن قبله الزرقاوي، جلاد العراقيين وقطاع الرؤوس. إن الطريق طويل، والمهمة تستدعي، وعدا الذراع الأمنية، العمل الجاد، المثابر، والواعي لاجتثاث الجذور- أي الفكر الجهادي، وتجفيف منابع التطرف الذي يفرّخ الإرهاب.