بعيداً عن الخطاب الإعلامي quot;التهليليquot; لوسائل الإعلام الإسرائيلية، من خلال تسليط الضوء على quot;نجاحاتquot; منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية في صدّ الصواريخ الفلسطينية لفصائل المقاومة، وبصرف النظر عن مدى اتساق ذلك ما أعلتنه القناة العبرية الثانية، من أن القبة الحديدية لم تتمكن من صد أكثر من 20 صاروخاً فقط من أصل مئات الصواريخ التي أطلقت من غزة خلال الأيام الفائتة، رداً على العدوان الإسرائيلي، والتي يلاحظ فيها quot;استيطانquot; الطيران الحربي الإسرائيلي لسماء غزة لمنع الإطلاق، مما يزيد من صعوبة المهمة بوجه عام، فإن اختيار توقيت التصعيد الأمني له دلالات يجب التمحيص في مضامينها.
السجال الإعلامي القائم حول مدى نجاح القبة الحديدية، صاحبه جدل سياسي حول وجهة التصعيد ومآلاته، بحسب ما كشفت عنه مصادر سياسية في quot;إسرائيلquot;، فوزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، عارض خطة لدى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير حربه إيهود باراك، لتوسيع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وتنفيذ عملية اجتياح بري، حتى لو كان محدوداً، لذلك اختار نتنياهو تصعيد الغارات.
وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها مصر للعودة إلى اتفاق التهدئة، فإن الحكومة الإسرائيلية صدقت على إجراءات التأهب العسكري على الحدود مع سيناء المصرية، بدعوى وجود خطر تنفيذ عمليات عبرها ضد quot;إسرائيلquot;، وهو الأمر الذي نفاه بشكل قطعي سفير مصر في رام الله.
وسائل الإعلام الإسرائيلية تحدثت صراحة عن أهداف أخرى لهذا العدوان، لا تتعلق بخطط الفصائل الفلسطينية المسلحة ولا العمليات ضد quot;إسرائيلquot;. فألكس فيشمان، المعلق العسكري في صحيفة laquo;يديعوت أحرونوتraquo;، كشف أن عملية الاغتيال كانت بمثابة كمين نصبته القوات الإسرائيلية بهدف جرّ أقدام الفلسطينيين إلى الرد عليها، ومن خلال ذلك تحقق عدة أهداف أهمها، إجراء تجربة أخرى على منظومة laquo;القبة الحديديةraquo;، ومعرفة مدى التزام حركة حماس بالتهدئة، وهل هي فعلاً ستمنع الفصائل الفلسطينية من إطلاق الصواريخ باتجاه quot;إسرائيلquot;، و إقناع المجتمع الإسرائيلي بمدى أهمية laquo;القبة الحديديةraquo;، حتى يتم منع وزارة المالية من تقليص الميزانية التي يطلبها الجيش للتزود بمزيد منها.
باراك أكد خلال جلسة الحكومة على أهمية هذه المنظومة، وتحدث عن ارتفاع نسبة نجاحها في تدمير صواريخ العدو من 55 في المئة قبل سنة، مروراً بـ70 في المائة في الصيف الماضي، وصولاً إلى 90 في المئة في هذا العدوان. وطالب باعتبارها laquo;مشروعاً وطنياً ضخماً تسخر له كل المواردraquo;. وأثنى نتنياهو على ذلك إذ قال في الجلسة نفسها: quot;منظومة (القبة الحديدية) تثبت فعاليتها بشكل ملموس، وسنقوم بتزويد جيش الدفاع بالمزيد منها خلال الأشهر والسنوات المقبلةquot;.
بالمقابل، فإن الجيش الإسرائيلي معني بتسويق منظومة laquo;القبة الحديديةraquo; وبيعها لدول في الخارج، ولكنه لن يستطيع ذلك من دون أن يجربها ويثبت ميدانياً أنها ناجحة. وقد اختار أهل غزة حقلاً لهذه التجارب. بدوره اعترف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، بيني غانتس، بهدف آخر لهذا العدوان، وهو معرفة نوعية الصواريخ الموجودة بحوزة الفصائل الفلسطينية، وهل وصلت إليها صواريخ حديثة متطورة. وقد أكد أن معارك اليومين الأخيرين دلت على أن فصائل فلسطينية مثل laquo;ألوية صلاح الدينraquo; وlaquo;سرايا القدسraquo;، أطلقت صواريخ laquo;غرادraquo;، التي كانت موجودة في الماضي فقط بحوزة حماس.
بيد أن للتصعيد العسكري بعداً آخر سياسياً لا يقل أهمية عن البعد الأمني والعسكري والاقتصادي للعدوان الجديد على غزة، وهو كون غزة بالنسبة لصانع القرار الإسرائيلي quot;مكسر العصاquot; بالنسبة لكل quot;العنترياتquot; التي يمكن أن يتغنى بها في quot;إسرائيلquot;. فبعد كل هذا التصعيد والتهويل الإعلامي حول قيام quot;إسرائيلquot; بتوجيه ضربة جوية عسكرية إلى البرنامج النووي الإيراني، يعود رئيس الحكومة إلى تل أبيب حاملاً معه ذيول الخيبة، وبالتالي لا بد من البحث عن منفذ لتنفيس الاحتقان الذي صنعته الماكينة الإعلامية الإسرائيلية وقرعها لطبول الحرب، وهل هناك أفضل من غزة لتنفيس الاحتقان العسكري الداخلي بأقل التكاليف، من وجهة نظر نتنياهو ومن والاه؟!
قد يبدو سبباً quot;سخيفاًquot; وquot;تافهاًquot; ما تحاول وسائل الإعلام الإسرائيلي تصويره للداخل الإسرائيلي من أن الحملة هدفها القيام بضربة عسكرية استباقية ضد مجموعات إرهابية، وأن الرغبة تحدو قيادة quot;إسرائيلquot; لتجريب منظومة القبة الحديدية، واختبار ما لدى فصائل المقاومة الفلسطينية من صواريخ على حساب quot;المواطنينquot; الإسرائيليين وبقائهم داخل الملاجئ لساعات وأيام، فالأهداف الاستراتيجية والبعيدة لا يمكن تغييبها عن تحركات الكيان الإسرائيلي، وما تقدم كان جزءاً منها بلا ريب، لكن إدراك الحكومة الإسرائيلية لمخاطر الفشل في توجيه ضربة عسكرية على شعبيتها في الداخل، ورغبتها بجس نبض مصر ما بعد الثورة إزاء ما يمكن أن يحصل في حال القيام بعدوان على غزة، وتنفيس الاحتقان السياسي القائم في المنطقة، كلها أهداف لن تكون غزة، مع الأسف، سوى الساحة المثلى لتطبيقها عليها.

كاتب وباحث
[email protected]