في بلدان غابت عنها مظاهر المدنية وانكفأت في دهاليز النظم البدائية وبقايا العصور الزراعية التي أنتجت نظام العشيرة وممارساتها التي عفا عنها الزمن وكرستها أنظمة الرئيس القائد والحزب الأوحد والملك المفدى، لتكون واحدة من أدواتها وشيوخها من وسائلها التي تسيطر فيها على مكونات الشعب في المدن والقرى، من خلال نظام بائس يلغي بالتمام والكمال أي مفهوم راق للمواطنة والانتماء لشعب أو امة أو وطن، فقد استبدلوا الشعب والأمة بعشيرة أو قبيلة، والوطن بقرية أو بلدة وغسلوا عقول شعوبهم وافهموهم بأنهم المنقذين والمخلصين وإنهم أبناء الدوحة النبوية، وان أي إخلال بنظامهم وكرسيهم سيأتي بالوبال على الشعب ويعمل على تدمير كل المنجزات والمكاسب، ويشيع الدمار والخراب ويفقد الناس أمنهم وسلامهم ورزقهم!؟

والعجيب فعلا ان معظم هذه الأنظمة تهاوت وسقطت شر سقوط، رغم أنها ادلجة المجتمع وغسلت أدمغة أجياله لعشرات السنين، وقد شهدنا بالعين المجردة سقوط تلك الأهرام التي كنا لا نحلم بسقوطها سواء في بغداد أو تونس والقاهرة وطرابلس واليمن، وغدا في دمشق وأخواتها في بقية حواضن الدكتاتوريات الرثة، والأكثر مأساة أنها سقطت لكنها تركت لنا ارثا بائسا من السلوك والثقافة الأحادية التي استبدلت اولئك الطغاة بنماذج وموديلات أخرى، استخدمت ذات الأساليب والآليات للوصول إلى السلطة وبدأت تمارس ذات السلوك بتغييرات شكلية ليس إلا؟

لقد حكموا البلاد من خلال انقلابات ليلية أو فجرية استحوذوا فيها على كامل السلطات ببياناتهم ( رقم واحد ) ومجلس قيادة ثوراتهم، ثم شرعنوا وجودهم بمجالس تشريعية ووطنية منتخبة بأسلوب عرفناه جميعا، أساسياته العشيرة والمال وأحيانا في مناطق التسخين الديني أو المذهبي أو العرقي الشوفينية والعصبية حتى تحولوا الى فراعنة أو أباطرة أو خلفاء في زمن العولمة والالكترونيات، والانكى من ذلك انهم نافسوا اكثر الملكيات تعصبا في التوريث وولاية العهد وهم التقدميون والجمهوريون واحيانا الشيوعيون كما في كوبا وكوريا، والساقطون منهم تركوا لنا ارثهم في مفاصل مجتمعاتنا حتى ان حاولنا تحديث شكل ونوع الحياة السياسية والاجتماعية خرجوا علينا بذات الأسلحة والآليات واستخدموها فيما يفترض انها أرقى أنواع انتخاب السلطات وتداولها عن طريق صناديق الاقتراع، ليرتقوا ناصية الحكم ويعلنوا من هناك أن: لا أحدا يأخذها منهم مرة أخرى!؟

وما يجري اليوم في كثير من بلدان ما سمي بالربيع العربي هو استنساخ أنماط من الدكتاتوريات، لا تقل تعاسة وبؤسا عن الأنظمة السابقة، فهي تستخدم الديمقراطية ووسائلها وتسخر العشيرة والدين والمذهب، لشرعنة استحواذها على السلطات في غياب أي مفهوم شامل للمواطنة يرتقي على تلك الانتماءات التي تقزم الأوطان والشعوب، حيث يتم استغلال الأهالي بوسائل غرائزية متكئين على ارث من الإحباط واليأس والاضطهاد الذي تعرضت له الشعوب خلال عقود مريرة من اختزال الأمة في شخص الرئيس وحزبه، حيث أصبحت كلمة المرور إلى الحكم مدى الولاء والقرب من جوقة الحاكمين الجدد وأحزابهم وأديانهم ومذاهبهم بعيدا عن أي توظيف أو تعريف آخر يؤهلهم لأي موقع من مواقع الدولة.

انهم فعلا ينتجون دكتاتوريات شعبية لا تختلف عن الديمقراطيات الشعبية التي عرفناها في بلدان العالم الثاني والثالث، والتي كانت تشرعن ذاتها بالحتميات التاريخية تارة وتارة أخرى بصناديق الاقتراع التي تسخنها ولاءات العقلية القبيلة والمذهبية والإيديولوجيات على مختلف أشكالها وعقائدها.


وإزاء ذلك يبدو ان البون شاسع جدا بين ما تعلمناه في علوم وفكر الديمقراطية ومناهجها وكثير من مدارس السياسة وعلومها من الدول الغربية ومجتمعاتها وأنماط الحكم فيها، وجئنا محاولين توظيفها أو تطبيقها في مجتمعات شرقية متخلفة، تسودها الأمية الأبجدية والحضارية، وتسيطر على أفكارها ونهج سلوكها ولاءات وانتماءات للعشيرة والدين والمذهب، ليتقزم أي مفهوم للوطن والشعب خارج هذه التعريفات تحت حكم أو رعاية الشيخ والأغا ورجل الذين الذين ما زالوا يحكمون مجتمعاتنا منذ تأسيس دولها وحتى إشعار آخر!؟

ويبقى السؤال:

هل ان هذا الربيع استبدل أنظمة مستبدة، كانت تعتبر نفسها هي الأخرى ديمقراطية شعبية، بدكتاتوريات شعبية أو شعبوية على توصيف المفكر المصري سعد الدين إبراهيم!؟

[email protected]