قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

"ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً ما من صداقته بدُ"

المتنبي

بناءً على ما هو قائم بين الأقطاب المعنية بالمسألة كجهات تتمثل قيم العداوة والصداقة في بعض ممارساتها منذ سنوات، وانطلاقاً من المقبوس أعلاه يبدو وكأننا أمام عدوين أيديولوجيين يصعب جمعهما في خندقٍ قوميٍّ واحد، وليس من السهولة بمكان زحزحة القناعات العدائية لدى قادة الطرفين، حتى تنعكس حالتهم على الأتباع والمريدين والعامة في الميادين.

إذ قد تعوَّد مراقبو الاشكالية بين القطبين المتنافرين، ومنذ أكثر من عامين على أن الاتفاقيات التي يتم تهيئة مناخها والمباشرة بزراعة شتلاتها في اقليم كردستان بين الاخوة الأعداء تموت فور أو عقب وصولها الى أرض الوطن بفترةٍ وجيزة، ما يعني بأن التربة غير صالحة لتشجير أو إنبات كل ما يتم التحضير له في هولير أو دهوك على أمل غرسه في كانتون الجزيرة، ما يشير بأن عقد أية اتفاقية أو معاهدة بين الأطراف المذكورة سيكون نصيبها الفشل، طالما كانت الأرض حتى الآن غير مستعدة لاستقبال أية بذرة صالحة للوفاق، فبدايةً كانت الهيئة الكردية وبعد فشلها ألحقت بها مرجعية أخرى حتى تعيد لها الحياة، ولكنها أيضاً مُنيت بتجلطات متواصلة في الدم الساري بينهما، بما أن الجسم لا يزال غير مهيأ للسير نحو أي أملٍ تعاهدي أو تصالحي، وهو في حالة صحية خطيرة جداً، ومع أنه قد لا يكون مفيداً خضوعه للصواعق الكهربائية، ولكن رغم ذلك لا يزال القادة في الاقليم يحاولون جمع المتناقضات، ويبدو أن خبراتهم السابقة ومن خلال الاتكاء على تجاربهم الدامية في الاقتتال بين الحزبين الرئيسيين، يضعون كل جهودهم لعقد الوفاق بين أطرافٍ متنازعة، وما من تباشير جلية حتى الآن تدل على توقهم لعناق بعضهما عقائدياً أو سياسياً.

فيا ترى الى متى سيبقى الاقليم فالحاً في اختراع المُهل، بناءً على نظرتها الاستراتيجية لمستقبل الكرد ككرد، لا وفقاً لما تتصوره الأطراف الكردية السورية عن نفسها وما يمثلونه، تلك الجهات التي لا تزال تفكر في اقتسام السلطة والاستحواذ على المناصب والموارد أكثر من البُعد المستقبلي للقضية برمتها، وبالأخص جناح (تف الدم) الممرغ بالسطوة والهيمنة، والذي يغالبه شعور الاستحواذ حتى على المقابر إذا ما شعر أحد قادتهم الطماعين بأنها ستدر عليهم بعض النقود، أو تأتي بهم روائح الموتِ الزؤام ببعض المردود المعنوي باعتبار أن مرشدهم العقائدي أي تنظيم pkk كان اعتماده ولسنين طويلة على قوافل القتلى أكثر من الأحياء، باعتبار أن الضحايا يجددون الولاء كل حين وذلك لدوام بقائهم، ومع دوام الشد والجذب اللامجدي بين الطرفين، تزامناً مع استنزاف المناطق الكردية اقتصادياً وبشرياً، ومع استمرار الحالة هذه، أليس على الاقليم تغيير سياسته في التعامل مع الجهتين المتنافرتين، والضغط على من تراهُ أهلاً للتوبيخ والحرمان من الموارد التي تصلهم من الاقليم، مع أنه بات شبه مؤكداً بأن سادة الاقليم لن يفكروا يوماً بطرد الجهتين، طالما أنها لا تزال تتعامل معهم كأخٍ كبيرٍ لهم، هذا في حال إذا قبل الأخوة السنافر مشورة ومطالب وإملاءات الأخ الأكبر، وإذا كان الأمر كذلك ألا يحقُ للأخ الكبير ممارسة دوره حتى حدود الصفعِ السياسي والعسكري إذا لزم الأمر، خصوصاً يوم تصل المشاكل بين الأخوة الصغار الى درجةٍ تستدعي من الكبير بأن يكون حازماً الى حدٍ ما، وذلك على الأقل حتى لا يبقى الاخوة المتطفلين مسترطبين حالة الشقاق هذه، طالما كانت المشاكل تفتح أمامهم سبل الوصول الى ما يودون الوصول اليه، كما يمدهم هذا الشقاق بالذي لم يحلموا به وهم على أتم حالاتهم الوفاقية.

وباعتبار أن الأطراف الكردية المتضادة في سوريا غير جاهزين لتخطي الحواجز السياسية فيما بينهم على الأقل حتى الآن، والاتفاق على ما يرضي الجهتين، بما أن الوضع الميداني لا يزال لصالح طرفٍ من الأطراف، والوضع الدولي كذلك لا يزال بطيئاً من جهة تغيير موازين القوى ما عدا حقنة الأمل الصغيرة في عاصفة الحزم، مع أن النظام السوري يومياً يخسر بعض مواقعه لصاح الثوار أو الاسلاميين، وبما أن الهيئة الكردية العليا تم دفنها بالقامشلي، والمرجعية فقدت حياتها بسبب الهرمونات المدحية والنفاق الذي بلغ تخوم السرطنة بين الطرفين، وبما أن الاقليم لا يزال مصراً على الوفاق بينهم، وبناءً عليه فهل سنكون أمام ولادة جسمٍ جديد، فلنسمه مثلاً الكونكرس الكردي الأعلى، وذلك لا لأجل الوصول الى أي حلٍ جذري للمشاكل العالقة، إنما ربما يكون الهدف من تأسيس الجسم برمته هو لئلا تتكلس عظام الحركة الكردية في سوريا حتى إشعارٍ آخر، واستئناف السباقات الماراتونية بين الاقليم والجزيرة من جديد، والتهيؤ لفترات جديدة من التسويفات والمُهل حتى يأتي الدود على ما تبقى من عصا القابع في قاسيون، فيسقط حينها وريث سليمان في الحكم، فيسقط حينها مع سقوطه من كان أهلاً للسقوط.