الحلقة الثانية

لا أبالغ أذا قلت إن شكسبير كان يخطط للنهاية في ضوء عقيدة قدرية قاسية جافة، فالقدر في دراما شكسبير ــ كما لاحظ كتاب كبار ــ طالما يكون لصالح الأنذال في هذه الحياة، لقد وضع شكسبيرالبذرة وراح يسقيها بعوامل النمو والتنامي الملقاة على الطريق من دون إنذار مسبق ولا داع متوفر على سنة الطبيعة العفوية، عوامل تجود بها الإرادة المعكوسة،

الحلقة الأولى

فقد كان (ياغو) محظوظا، كان يخطط، لا شك في ذلك، وكان عبقريا في وضع مفاصل الخطة، ولكن القدر كان يجود بخيره الخسيس، بخيره القذر، بخيره الدنس، ليجعله سلاحا ماضيا بين يديه!
القدر يسجل حضوره بكثافة كونية مدهشة عندما تلتقط (أميليا) زوجة الغادر الشيطاني (ياغو) المنديل (منديل ديمونة)، الذي سيكون فيما بعد الدليل الحي على خيانها المفجعة، تلك الخيانة التي تشكل النقطة الحساسة في توزيع الادوار على جميع العناصر المشاركة في الدراما، فقد خطط شكسبير أن يكون ذلك في الوقت المناسب، بل المناسب جدا، لقد تخير شكسبير لحظة حرجة للغاية، وسخَّر القدر ليلعب لعبته المميتة!
لقد سقط المنديل قدرا، والتقطته (أميليا) زوجة المتأمر (ياغو) قدرا، وغاب على علم الجميع قدرا، وعثر عليه (ياغو) بيد زوجته الطيبة قدرا، ثم، كان ذلك في اللحظات التي بدأت فيها الشكوك المدمرة تجتاح يقين عطيل بطهورية تلك الزوجة البريئة!
فهي الضربة القاضية!
اذا كان لنا الحق أن نوزع الدراما على مجموعة لحظات زمنية فاصلة، فإن لحظة سقوط المنديل المشؤوم كانت هي نقطة الحسم، فيها تكمن مقدرات الزمن الآتي، وفيها تكمن قيمة الزمن الماضي، ومنها تتفرع تفاصيل ما حصل لاحقا، فهي نقطة الحسم حقا...
لقد وقع المنديل بيد الغادر في اللحظة المتواتية، فها هو (ياغو) قد زرع البذرة الأولى في قلب عطيل، أقصد الشك، وكان حائرا كيف يطور الشك إلى يقين، فكانت ضربة القدر اللاز ب... إنه المنديل، المنديل الذي أهداه لها، كان يحتفظ به هدية من أمه، كان المنديل يحمل سر الأمومة، وهو المغربي الذي يرتبط بالأم أكثر من الأب، فيه ريح أمه التي ولدته!
يتحدث عطيل عن المنديل بحرقة وتاريخ وسر، بل بروحانية عالية المذاق الصوفي والعرفاني، وبالتالي، ليس هناك أكثر من جريمة ارتكبتها ديمونة حسب تصوره!
ــ.. هذا المنديف وهبته أمرأة مصرية لامي، وكانت سا حرة، وكانت تستطيع تقريبا أ ن تقرا أفكار الناس، وكانت تقول لأمي أنه طالما احتفظت به، سيجعلها محبوبة، ويخضع والدي لها خضوعا تاما، ولكن إن هي فقدته أو أهدته، فسوف لن ينظر إليها والدي ألا بقرف، وسيبحث قبله عن غرام جديد.وأعطتني أمي، في نزعها الأخير، هذا المنديل قائلة : عندما يقرر لك مصيرك أن تتزوج، إعطه زوجتك، وهكذا فعلت. فاعتني به إذن، واحرصي عليه حرصك على بؤبؤ عينك الغالي، أما فقدانه أو أهداؤه، فسيجلب كارثة لا مثيل لها.
وها هو المنديل يقع بيد ياغو!
روحانية المنديل جزء لا يتجزأ من عملية تصعيد الحدث عند (شكسبير) هنا، فهو إن وقع بيد غريبة قد لا يدل على وصال خائن، وإن هذا الوصال الخائن ليس وحده سيكون سبب الكارثة، بل قيمة المنديل بحد ذاته، وهذه النقطة لم يرعها الناقدون اهتماما، بل حتى (ياغو) كان يتحرك من منطلق كون المنديل علامة شبهة، ودليل خيانة، ولكن أن يكون المنديل بحد ذاته خارطة بلاء معقد، وسبب تاريخ مقلوب، فيما لو ضاع أو أهدي، فهذا ما لم يطرأ على بال (ياغو) ولكن إذا إفترضنا أن عطيل اقتنع بأن المنديل لا يدل جوهريا على خيانة ديمونة له، فهل سوف يبطل غضبه المغربي الشرقي الاسود ؟ وبالتالي، هناك حبكة سرية يحوكها شكسبير، مؤامرة يعمل على إحكامها، يضطرنا لقبول نتيجتها من أكثر من وجه، مصير العلاقة بين عطيل الأسود وديمونة البيضاء يجب أن ينتهي إلى الفشل، إلى الفسخ، هذا الزواج يجب أن لا يستمر، الجسد الأسود ينبغي ان لا يتشرب رحيق جسد هذه البيضاء ا لنقية.
ترى هل هي نزعة أوربية قابعة في ضمير الرجل يعبر عنها بطرائق ملتوية ؟
ولكن ليس هو قدر واحد، بل هي كما ألمحت توا مجموعة أقدار، تصافت مع بعضها لتخدم هذا القدر المركزي، كأنها مُساقة سلفا لإنجاز هذه النقطة السحرية، هناك أمر يجب أن يقع، لم يكن بتخطيط (ياغو) بل بتخطيط قوة خارج المكان والزمان، خارج ا لإرادات نفسها، تتقدم طيعة بين يدي (ياغو) الداهية ليمضي فعلته الشنعاء، فيتمخض تاريخ جديد!
والسؤال حقا، ترى هل هي صنعة فنية ؟ أم هو إيمان سواء كا ن عن فكر أو تجربة أو كليهما ؟ أو هي سلائق بشرية وتصورات ذلك الزمن الأليزابيثي، أو زمن سابق عليه ؟
لست أ دري صراحة، ولكن كما أرى أن الصنعة الفنية هي التي تجري روحها في جسد هذا التدبير المحكم، تقوده نحو هد ف محدد، وإن كان على نحو الإجمال، وليس شرطا أن يتماهي القدر الفني مع القدر العقدي في أفق الفنان كما هو معلوم. فالمسألة لا تعدو رسالة بيان وتوضيح، والفن وسيلة تعبير! فالفنان صانع، يصنع عالما آخر، وله الحق أن يخالف عقيدته لاجتراح آليات بناء وتشييد... لإبداع عالمه الخاص. فإن التوسل بالسحر على طريق الإبداع القصصي ليس جريمة، ولا خلاف الأخلاق!
عملية تكثيف الأقدار مغامرة فذة، لأنه يتطلب مضاعفة الخيال، خيال الفعل وزمن الفعل ومكان الفعل وصيرورة الفعل، فزمن المُقدَّر غير زمن المُراد، كذلك مكانه، وكل المقتربات التي تتصل وتتواصل مع أصل الهدف! زمان المُقدَّر محسوب بمسافة دقيقة طبق هدف السرد، والحوار، والحركة، كي يؤدي دوره بإحكام.
إن ضربة القدر تأ تي محكمة، فعليه يجب على الفنان أن يكون واسع الخيال، خصب التأمل، كي يأتي وضعه للفعل / القدر حسب الفرض في صميم العمل، التماهي بين الفعل /ا لقدر عن إيمان ر اسخ وبين صنعه فنيا عملية شائكة، تتطلب على أقل تقدير ثقافة عميقة بتقاليد ومعتقدات وتصورات الوسط الذي ينتمي إليه الفنان عن القدر، وضرباته التي تأتي وفق مقاسات تشكل أكمل ما هية متصورة عن الفعل.
كان (ياغو) يخطط لسرقة المنديل، فيما يقع في يديه قدرا!
لقد وقع المنديل بيد (ياغو) بعد أن زرع في روح عطيل خارطة معقدة من الشكوك، شكوك قاتلة، تأتي وتروح، تعانده ويعاندها، تخترقه ويقاومها، تهجم عليه وينازعها...
هي ضربة القدر...
وهي في الوقت ذاته عبقرية شكسبير.
تقول الزوجة الساذجة (أميليا)..
ــ يفرحني أنني وجدت هذا المنديل.
لقد كان أول هدية لها من المغربي.
مئة مرة حثني زوجي العنيد
على إختلاسه. غير أنها تحب هذا الدليل
الذي أستحلفها على الاحتفاظ به إلى الأبد.
فراحت تبقيه معها دائما وأبدا
تقبله وتحدثه، سأنسخ تطريزه
وأعطيه لياغو، أما ما الذي سيفعله به
فعلمه عند ربي،
وأنا إنما أ رض به له نزوة.
غريب (ياغو) هذ االذي يعادل بين قيمةاالمنديل كـ (دليل) وبين دليل الكتب المقدسة، فهو سوف يلقيه في بيت (كا سيو) ذلك الغريم ا لعجيب لـ (ياغو)، كي يكون دليل الإدانة على العلاقة الحرام بين هذا الضابط الملازم وبين زوجة عطيل (ديمونة) فيضرب القدر ضر بته القاصمة!
يسرِّع شكسبير وتيرة الحدث بشكل مدهش بعد مفارقة المنديل اللعين هذا، كأنه يريد أن يشتط دماءنا بنار الحدث وهو يتضاعف تولدا وتناسلا...
لقد بدأت المرحلة الثانية، مرحلة تحويل الشك إلى يقين، والقدر جاد بخدمته لـ (ياغو)، فالقدر دائم الانحياز للأنذال، بل دائم الانحياز للنذالة ذاتها.