انتخبت أكبر الولايات الألمانية الاشتراكية الديمقراطية هانالورة كرافت كأول رئيسة وزراء في تاريخ ولاية شمال الراين شرق فاليا، وبالتالي انتخاب أول حكومة أقلية مكونة من الاشتراكيين والخضر. وهي الانتخابات التي ألحقت من جهة هزيمة نكراء بحزب ميركل وتحالفها ولم تفرز تحالفا قويا يقود الولاية في الأربع سنوات القادمة من جهة أخرى. وبذلك يكون تحالف ميركل قد فقد الأغلبية في الغرفة الثانية ما سيعرقل مشاريعه والاصلاحات التي ينوي إقرارها. وتشكل انتخابات ولاية شمال الراين شرق فاليا ناقوس خطر لحزب ميركل وحليفها الحزب الليبرالي.

كما كان متوقعا انتخبت زعيمة الاشتراكيين في الدور الثاني بالأغلبية النسبية، بحصولها على 90 صوتا من مجموع 181 مقعدا المشكلة لبرلمان دوسلدورف. وهي النتيجة نفسها التي حصلت عليها في الدور الأول والتي لم تسعفها لانتخابها كرئيسة وزراء، لأن الدستور الخاص بهذه الجهة يشترط الأغلبية المطلقة وهو في هذه الحالة 91 مقعدا.

وهكذا تم اللجوء للدور الثاني الذي يكتفي بالأغلبية النسبية، في ظل تحفظ الأعضاء العشرة لحزب اليسار وحصول التحالف السابق على 80 صوتا وهو عدد المقاعد التي حصل عليها في انتخابات مايو الماضي وتحفظ أحد أعضائه في الدور الثاني.

ولم تمنع الندوة الصحافية التي عقدها الكتاب العامون للأحزاب الثلاثة المشكلة للتحالف الحاكم في برلين نصف ساعة قبل منتصف نهار يوم الأربعاء وهي الساعة التي انطلقت فيها عملية التصويت على انتخاب منصب رئيس وزراء ولاية شمال الراين شرق فاليا وعاصمتها دوسلدورف. لم تمنع هذه الندوة من انتخاب هانالورة كرافت كأول رئيسة وزراء هذه الولاية كأول حكومة أقلية في ألمانيا بين الاشتراكيين والخضر.

والسؤال الذي يطرحه المراقبون هل تكون هذه التجربة نموذجا يحتذى به على المستوى الاتحادي في انتخبات البندستاغ القادمة؟ وتأتي شرعية هذا السؤال بناء على ملاحظتين إثنتين. الأولى ترتبط بالخريطة السياسية الألمانية التي أصبحت رهينة خمسة أحزاب ما عقد تحالفات الأحزاب في ألمانيا.

والملاحظة الثانية تتعلق بتصريحات قيادة الحزب الاشتراكي الألماني في الآونة الأخيرة، إذ صرح زيغمار غابريال رئيس الحزب وكاتبته العامة أندريا ناله أن نموذج حكومة أقلية يمكن أن يطبق على المستوى الاتحادي مع شرط إيجاد اتفاق مع حزب اليسار.

تشكل الانتخابات الجهوية في ألمانيا عماد السياسة الداخلية، فإما إنها عامل استقرار للتحالف الذي يحكم برلين في حالة إذا ما كانت نتائجها لصالح هذا التحالف، وإما أنها قد تعصف بمستقبل هذا التحالف كما هو حال المستشار السابق غيهارد شرويدر الذي اضطر إلى خوض انتخابات سابقة لأوانها حملت أنجيلا ميركل كأول إمرأة لسدة الحكم في ألمانيا؟

وكانت بداية هذا الشؤم قد انطلقت من هزيمة حزب شرويدر في الانتخابات الجهوية لولاية شمال الراين شرق فاليا، وهو المصير نفسه الذي شهده التحالف الحالي بقيادة ميركل ووزير خارجيتها فيله اللذين خسرا معا الأغلبية في مجلس الولايات جراء هزيمة حزبيهما في ولاية شمال الراين شرق فاليا.

واعتبر المحللون أن الخاسر الأكبر هو رئيس وزراء الولاية يورغن روتغرز الذي يخسر السباق فقط أمام زعيمة الحزب الاشتراكي في الولاية هنيلوره كرافت ولكن أيضا انسحب من المعترك السياسي.

ومعلوم أن روتغرز هو أحد الوجوه السياسية في حزب ميركل الذي يشوش عليها من حين لآخر إلى جانب كوخ رئيس وزراء ولاية هيسن ومولر رئيس ولاية زارلاند. غير أن الخاسر الحقيقي في هذه العملية هو التحالف السياسي الذي تقوده أنجيلا ميركل ووزير خارجيتها غيدو فيسته فيله. فهذا التحالف فقد أغلبيته في مجلس الولايات البندسرات أو الغرفة السفلى جراء الهزيمة التي عرفها حزباهما في ولاية شمال الراين شرق فاليا.

ويذكر أن البندسرات يشكل القاعدة الخلفية للتحالف الاتحادي في برلين لضمان تمرير كل القرارات السياسية بعد المصادقة عليها في الغرفة الأولى البندستاغ. وهو ما يشكل فرملة حقيقية لعدد من الاصلاحات كانت حكومة ميركل تنوي اقرارها في عدد من المجالات الاجتماعية والصحية و الضريبية بالاضافة إلى السجال الحالي حول سياسة الطاقة وخاصة الطاقة النووية.

ويذكرنا هذا بمسلسل الاخفاقات الانتخابية التي عرفها تحالف الاشتراكيين والخضر بقيادة شرودر وفيشر، وكانت بداية الهزائم الانتخابية قد انطلقت من ولاية شمال الراين شرق فاليا. ما أجبر المستشار الألماني وقتها شرويدر على طرح تصويت حجب الثقة الذي مهد لانتخابات سابقة لأوانها في ألمانيا سنة 2005 وحملت أنجيلا ميركل إلى سدة الحكم كأول إمرأة تحكم ألمانيا، فهل تدور الدائرة على ميركل وتسير في الاتجاه نفسه؟


وجدير بالذكر ان الانتخابات الجهوية في هذه الولاية كانت قد أسفرت بداية شهر مايو الماضي عن هزيمة نكراء لحزب ميركل وحليفه الحزب الليبرالي، ما أفقد التحالف الحاكم في برلين الأغلبية التي كان يتمتع بها في مجلس الولايات. غير أنه رغم هذه الهزيمة لم تستطع المعارضة بقيادة الاشتراكيين والخضر من الحصول على الأغلبية المريحة التي تخول لهما قيادة الولاية في الأربع سنوات القادمة، حيث ينقصهم مقعد واحد عن الأغلبية المطلقة.

وقد فشلت كل المفاوضات لتكوين حكومة قوية ما فرض على الاشتراكيين والخضر اللجوء لتكوين حكومة أقلية لا يستطيع أحد التكهن بمستقبلها، ما يجبرها على تأمين أغلبية مطلقة لتمرير القوانين الأساسية خاصة قانون المالية الذي سيكون أول امتحان لهذه التجربة.