تستضيف (إيلاف) الباحث التونسيّ الدكتور طارق الكحلاوي أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة quot;روتجرزquot; الأميركية للتعليق على تسارع الأحداث منذ انطلاق ثورة الياسمين التي انتهت بالإطاحة بالرئيس التونسيّ بن علي، وصولاً إلى أزمة تشكيل حكومة انتقاليّة ترضي المحتجين الذين يحتلون الشارع منذ أسابيع.


لهيب تونس يسقط الدكتاتور الصغير : أنقر على الصورة للمتابعة

تونس: يرى الدكتور طارق الكحلاوي أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة quot;روتجرزquot; الأميركية أنّ حكومة محمد الغنوشي الحالية (المؤقتة) والتي يهيمن عليها ما تبقى من هيكل الحزب الحاكم سابقًا quot;التجمعquot;، استطاعت مع نهاية الأسبوع الأول بعد رحيل بن علي استمالة بعض قطاعات المجتمع ممن تشعرون أنهم تضرروا من تواصل الوضع الحالي، لكنّ الكحلاوي يرى أنّ المناطق الداخلية في تونس تشهد فورانًا وغليانًا وهي تضغط تصاعديًا في اتجاه العاصمة في سيناريو مشابه لسيناريو الإطاحة ببن علي يوم 14 يناير.

ويقول الكحلاوي في مقابلة مع (إيلاف) إنّ الجيش التونسيّ quot;يبقى لغزًا غامضًا فجموده لا يعكس ضرورة تفاهمًا، وإنّما أيضًا عدم قدرة على الحسم. لذلك يبقى الجيش أكثر ألغاز الوضع الراهن، لصمته الكبير، على الرّغم من كل ما يمكن أن نقرأه من رسالات في صمته هذا وفي الكلمة المقتضبة والمرتجلة للجنرال رشيد عمار الأخيرةquot;.

وفي ما يلي نصّ المقابلة كاملاً:


بات واضحًا الآن أنّ التونسيين ndash; سياسيّين وعامة - منقسمون بين مؤيّد لحكومة تضمّ عناصر من حزب التجمّع الحاكم ورافضون لها ولو أنها حكومة موقتة.
استنادًا إلى ضغط الشارع وتصريحات السياسيين، هل ستصمد حكومة الغنوشي أكثر مما صمدت؟

دعني أعلق على نقطة الانقسام قبل ذلك. بحلول يوم 26 جانفي/ يناير أصبح من الواضح لي أن هناك خاصيتين أساسيتين لموازين القوى الراهنة بين السلطة والمجتمع يمكن أن تسمح لنا بقراءة مصير هذه الحكومة أو ربما نسخة معدلة منها يقع الإعلان عنها في الإبان.

الأولى: أن حكومة الغنوشي، التي يهيمن عليها ما تبقى من هيكل الحزب الحاكم سابقا quot;التجمعquot;، استطاعت مع نهاية الأسبوع الأول بعد رحيل بن علي إلى استمالة بعض قطاعات المجتمع ممن شعروا أنهم تضرروا من تواصل الوضع الحالي، سواء لما يمكن أن يتراءى لهم من quot;توقف للدورة الاقتصاديةquot; (مسألة تحتاج تحققا بعيدا عن الانطباعية) ولكن خصوصًا بعد نهاية اسبوع من الارهاب المفتوح (قناصة و مسلحين) الوضع غير المسبوق في البيئة التونسية مباشرة إثر 14 يناير.

ينطبق ذلك على سبيل الذكر لا الحصر على فئات اجتماعية مثل بعض التجار و أصحاب الأعمال و جزء من الطبقة الوسطى المدينية من الذين كانوا يعتقدون أنهم أنجزوا الثورة بنزولهم للشارع صباح الجمعة 14 يناير، و أنهم سيعودون الى الحياة العادية صباح الاثنين. طبعا الوضع أعقد من ذلك بكثير ليس لأن الثورة لم تنته بعد (نحن في مسار ثورة و ليس في مسار ما بعد الثورة) بل لأن الثورة ليست نزهة او حفلة عشاء، و أن الحدث الذي شارك معظم فئات شعبنا في صنعه ليس هينا ولا يمكن لملمته بسهولة. أي أن السهولة الظاهرة لرحيل بن علي، من زاوية نظر هذه القطاعات التي شاركت خصوصًا في العاصمة في الحراك الشعبي فقط يوم الجمعة 14 يناير في حين كان ذلك شهر كامل بعد بدئها في الدواخل يوم 17 ديسمبر، ربما أعطت مؤشرًا مضللاً للكثيرين بأن الموضوع تم حسمه بسهولة والآن حان الوقت للخروج من هذا الضغط.

الباحث التونسيّ الدكتور طارق الكحلاوي أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة quot;روتجرزquot; الأميركية

لكن هذه القطاعات بدت إلى الآن غير نشيطة سياسيا و دعمها سلبي أو من بعيد لحكومة الغنوشي و هو ما بدى واضحا في التعبئة الضعيفة لمحاولات إقامة مسيرات دعم لحكومة الغنوشي (يوم 25 جانفي في العاصمة و سوسة خاصة).

معنى آخر هناك حزام اجتماعي لحكومة الغنوشي التي استطاعت من خلال إلحاق بعض المعارضة بها ومجمل الظروف المحيطة المذكورة أعلاه أن تظهر لهذا الحزام على أنها، و يا للمفارقة، القيادة المؤتمنة على الثورة رغم أنها حكومة تخضع لهيمنة ليس quot;تجمعيةquot; فحسب (كما و نوعا، الهيمنة على وزارات السيادة، أي الحكم في الحكومة) بل ايضا لهيمنة من تبقى الى آخر لحظة عونا و دون أن يحرك ساكنا لبن علي. و حتى بعد رحيله تم التصرف مع ذلك على أنه أمر وقتي قبل التراجع و دفع الانقلاب داخل السلطة إلى مداه (التضحية ببن علي لإنقاذ ما تبقى من السلطة القديمة).

الخاصية الثانية، أن مقابل هذا الحزام الهش المتركز خاصة في العاصمة شهدنا موجة جديدة ومكثفة مفاجئة في أسلوبها وتعكس اصرارًا مضاعفًا قادمًا من الدواخل مباشرة الى العاصمة بل الى قصبتها، بالمعنى السياسي التقليدي للكلمة وليس اسم المكان فحسب، في حركة مضادة للمسار المضاد لمسار الثورة.

بمعنى آخر ما حصل خصوصًا منذ نهاية الأسبوع الماضي أنه بقدر ما كانت بعض الفئات مستمالة من النظام في شكله الجديد بقدر ما كانت الدواخل تغلي من جديد. مسار الانتفاضة نفسها التي أدت الى رحيل بن علي يتم هنا ولو بشكل مكثف زمنيًا، الدواخل والجهات تضغط تصاعديًا في اتجاه العاصمة، وهذه المرة في اتجاهات مختلفة.

هل تحسم العاصمة من خلال معركة موازين القوى الميدانية مصير حكومة الغنوشي أم أن توافقًا سياسيًّا شافيًا لغليل الجميع سيعفي الجميع من التغالب في الميدان؟

من الصعب الاجابة على هذا السؤال، حيث بدى أن هناك غموضًا في درجة استعداد طيف واسع خصوصًا في العاصمة للنزول الى الشارع بالشكل الذي شاهدناه يوم 14 يناير. ثم من غير الواضح إن كان هذا النزول وحده سيفرض على حكومة الغنوشي قبول الأمر الواقع.

هناك أسئلة أخرى في الخلفية طبعا تحتاج تفكيكا حتى نتوغل أكثر في السؤال المركزي أعلاه. ما مركز العصب فيما تبقى من سلطة بن علي؟ هل هو ما نراه في الواجهة، أي الرئيس الموقت ووزيره الأول؟ هل أن هذا الثنائي الهش سيتم تركه وحيدًا لتقرير مستقبل السلطة؟ أم أن هناك خلية أو خلايا أو مراكز قوى في الخلفية لانراها، مثلا قيادة متجددة لـquot;التجمعquot; تضم شخوصًا مخضرمة (الهادي البكوش؟) مع الشخوص التي تركها بن علي وراءه (محمد الغرياني)؟ حملة السلاح: الجيش طبعًا الذي قرر أن يكشف عن وجهه كلاعب مباشر عبر نزول الفريق رشيد عمار الى ساحة القصبة. لكن quot;ما هو الجيشquot;، اي هل نحن بصدد الفريق عمار ممسكا بزمام جيشه أم فريق من الجنرالات الذين لم يحسموا بعد توافقًا سياسيًا فيما بينهم؟

أقول ذلك لأن جمود الجيش لا يعكس ضرورة تفاهما و إنما ربما ايضا عدم قدرة على الحسم. يبقى الجيش أكثر ألغاز الوضع الراهن لصمته الكبير، رغم كل ما يمكن أن نقرأه من رسالات في صمته وفي الكلمة المقتضبة والمرتجلة للجنرال رشيد عمار.

ملاحظة واحدة حول هذه الكلمة التي دامت حوالى 10 دقائق بما في ذلك ما قطعها من شعارات المحتجين (الذين لم يستقبلوا الجنرال عمار كبطل كما كان يمكن أن نتوقع بالرجوع الى المشاعر الشائعة تجاه الجيش): كلمة الفريق عمار في سياق تطمينها للجمهور ودعوتها للصبر وخصوصًا لفت انتباهها لأهمية الحدث تضمنت جملة مثيرة للانتباه حول أن ثورة تونس يمكن أن تكون مقدمة لثورات في المنطقة العربية. أي أننا بصدد جنرال مسيس وليس مجرد تكنوقراط عسكري.

حملة السلاح الآخرين ايضا: مختلف مراكز القوى الأمنية. كيف تم تنسيق المسيرات البوليسية، و هل كنت عفوية كما يمكن أن يظهر أم انقلابًا صامتًا داخل هذه القوى، خصوصًا إزاء ما شاع حول تخلل هذه المسيرات قرارات إقالة (جلال بودريقة خاصة بالنسبة لوحدات التدخل؟) وصعود وجوه قديمة-جديدة مكانها.

ثم ما مصير الرموز العديدة التي ارتبط اسمها بمرحلة القمع والتعذيب وهل تشارك في صناعة القرار السياسي ولعبة موازين القوى هذه؟ هذا عدا عن اللغز الأمني الأكبر وهو موضوع الجيش المصغر المسمى quot;الأمن الرئاسيquot; والذي غاب أي حديث عنه منذ ما قيل عن حصار الجيش لأحد ثكناته و للقصر الرئاسي، وتحديدًا عند ذلك التوقيت تراجعت مشاهد الارهاب المسلح (خصوصًا القناصة) ضد المواطنين. هذا الموضوع يلفه غموض كبير، ووزير الداخليّة فريعة ابلى البلاء الحسن في تشكيك الناس في مجريات تعامل السلطة معه. السؤال المكتوم هنا هو هل تم التوافق على صفقة يتم بها تحييد هذه القوة مقابل عزوفها عن مخطط محتمل للتسب في فلتان أمني؟ و مقابل ماذا؟
أخيرًا بالنسبة إلى الخلايا الأخرى الممكنة المشاركة في صناعة قرار مركز العصب فيما تبقى من السلطة: طبعًا مختلف القوى الدولية خاصة فرنسا والولايات المتحدة. وهو ما يمكن أن نتعرض اليه لاحقًا عند الحديث عن السياق الدولي.

في حالة سقوط حكومة محمد الغنوشيّ، ألا يحقّ التوجّس من فراغ قد يفسح المجال أمام الفلتان والفوضى ولم لا تدخل الجيش أو الخارج؟

ذلك كان خطاب السلطة منذ استعادة أنفاسها وإعادة تنظيم صفوفها، غير أنه تعويمي وضبابي لأسباب سياسوية بديهية. هنا السؤال المركزي معقد للغاية و يجب أن يكون في أكثر مشكلاً في أسئلة: هل أن التنشيط السياسي الاحتجاجي في الاتجاهين أي عبر القوى المنفلتة من أي تنظم والقوى المنظمة (سياسية أو نقابية أو حقوقية) وهما اتّجاهان لا يلتقيان دائمًا وإن كانا يتقاطعان سيتم بشكل غير منسق وينتهي إلى فرض الانهيار على السلطة؟ أم أن هذين الاتجاهين سيتوصلان إلى صيغة توافق قبل فرض انهيار السلطة؟ أم أن السلطة ستقوم تحت الضغط بمراجعات مقبولة من الأطراف المعارضة لها المنظمة ومقنعة أيضًا للاطراف غير المنظمة بحيث تشفي غليلها وتمنع حالة الانهيار من دون بديل؟

هذه الأسئلة تعني أمرًا أساسيًا و هو أن القوى المنظمة طرحت بديلاً ويمكن أن تتوصل الى بديل لكنه غير كافي ضرورة لضمان عملية انتقال سلسلة في حالة انهيار السلطة.

القوى المنظمة و بسرعة متفاوتة بدأت منذ الخميس 20 يناير تحت مظلة الثلاثي المستيري-الفيلالي-بن صالح التهيؤ منذ ذلك الوقت وبمعرفة السلطة بمشاورات تشكيل صيغة خصوصًا بمواجهة الوضع الفوري إما موازية مراقبة للحكومة (quot;مجلس أو مؤتمر حماية الثورةquot; أو quot;لجنة حكماءquot;) أو بديلة لها تماما (quot;حكومة انقاذ وطنيquot;).

التحالف الضمني الذي لدينا هنا و برز للعلن في الاجتماعات التي نظمت في مقر quot;اتحاد عمال المغرب العربيquot; بدعوة من اتحاد الشغل (25 يناير) مثير للاهتمام إذ فيه الآن جناحين كبيرين: من جهة أولى تيارات مختلفة خرجت من عباءة التيار الدستوري القديم (من خلال رموز مثل المستيري و بن جعفر) لديها علاقات قديمة و قريبة بجزء مهمّ من المركزية النقابية (جراد/رمضان) و حتى التيار الغالب في هيئة المحامين مع حركات و تيارات سيكون لها على الأرجح ثقل في صياغة المشهد السياسي الاقدم مثل quot;النهضةquot;. في المقابل جناح آخر (quot;جبهة 14 جانفيquot;) يجمع حساسيات مختلفة مما تبقى من quot;اليسار الجديدquot; الذي نشأ في السبعينات مع بعض الحساسيات القومية العربية ممن استطاعوا في العشريتين الأخيرتين التمترس بهذا العمق أو ذاك في مستويات مختلفة خصوصًا في quot;اتحاد الشغلquot; و حتى بشكل من الأشكال صياغة علاقة مع بعض المركزية النقابية الموسومة بخلفية يسارية.

هذا الحراك السياسي المواجه للسلطة يمكن أن يصل الى توافق خاصة لو بدى أن هناك استعدادا من قبل السلطة لتراجعات تضم رموزًا لهذه التيارات المختلفة في حكومة جديدة. لكن المشكل ربما يأتي بشكل مفاجئ من قبل قوى الشارع الناشطة و المبادرة منذ 17 ديسمبر والمركزة أو القادمة من الجهات والتي يمكن ألا تقتنع بأي توافقات تتوصل إليها الطبقة السياسية.

هنا تصبح طريقة إخراج اي توافق مهمة للغاية لتسويقها بشكل مقنع لهذه القوة المؤثرة و التي نفشل بشكل متكرر في استقراء حركتها ومسارها في حين أنها عصب ما جرى ويجري.

كيف تنظر إلى سلوك وخيارات اتحاد الشغل (كمركزية نقابية وقواعد) إلى حدّ اللحظة؟ وهل تأثير الاتحاد على السلطة ما زال كما كان في العهد البورقيبيّ؟

quot;اتحاد الشغلquot; فيه مستويين الأول بنيوي مستمر بمعزل عن القيادات، والمراحل السياسية المختلفة والثاني يتعلق بخصوصيات مكوناته وموازين القوى بينها في كل مرحلة تاريخية و سياسية.

بالنسبة للمستوى الأول نحن إزاء منظمة واسعة الانتشار و كان دائما الهيكل الذي يسمح بتنظم الناس خارج الاطر المباشرة للدولة، بما يسمح بتنشيط الحياة المدنية خارج هيمنة السلطة.

هذا المستوى هو الذي يجعل quot;اتحاد الشغلquot; في مقدمة الحراك السياسي خاصة اذا تحرك الشارع أو نشطت القوى السياسية. و بهذا المعنى فإن المستوى الثاني، اي وضعية المركزية النقابية و القيادات النقابية عمومًا خضعت في الأسابيع الاخيرة للضغط القوي القادم من الأسفل وكان عليها الانصياع بشكل تدريجي بلغ أوجه في قرار الهيئة الادارية الوطنية يوم 11 يناير والتي أعطت الضوء الاخضر للاضرابات العامة الجهوية وهو ما كان بوضوح القاطرة الرئيسية التي أعطت زخمًا شعبيًا كبيرًا في المدن الكبرى للحركة الاحتجاجية بما هدد السلطة بشكل غير مسبوق بالتظافر مع حركة فئات الشارع المختلفة بما في ذلك الناشطة تقليديًا خارج إطار quot;اتحاد الشغلquot;.

و حتى عندما رفضت المركزية النقابية قرار الانضمام الى حكومة الغنوشي في آخر لحظة رغم مشاركتها في المشاورات كان ذلك مسبوقًا بعودة تآلف الشارع مع بعض الاتحادات الجهوية في رفض أي حكومة يهيمن عليها quot;التجمعquot;، إذ إنه منذ مسيرات الاحد و الاثنين (16 و 17 يناير) في عدد من الجهات بدأ الضغط مرة أخرى من القاعدة ويبدو أن المركزية النقابية لم تكن مرتاحة في كل الأحوال لتوزيع الحقائب في حكومة الغنوشي.

طبعًا quot;اتحاد الشغلquot; ليس حزبا، و ليس جبهة أحزاب، بل هو هيكل معقد من مراكز قوى تقليدية و سياسية و مستقلة، المتنافرة في أحيان كثيرة لكن للأسباب البنيوية أعلاه و تحديدًا انفتاحه المباشر على الشارع تضظر القوى الناشطة فيه للاتحاد الظرفي أحيانا. و هو ما يحصل الى حد ما الآن.

الخارطة السياسية في تونس انقلبت رأسًا على عقب، راديكاليّو الأمس هم حمائم اليوم، وموالو الأمس هم راديكاليو اليوم، الأحلاف تصدّعت والخيارات تباينت. بشكل عام كيف تقيّم أداء المعارضات التونسية منذ بداية الانتفاضة وحتى تأزم الوضع السياسي بسبب الخلاف على حكومة الغنوشي؟

لست متأكدًا من تقصد تحديدًا بـquot;الحمائمquot; وquot;الراديكاليينquot; لكن أرى في أحيان كثيرة quot;راديكاليينquot; (من خارج المشهد السياسي المقنن ممن تم اقصاءهم من مشاورات حكومة الغنوشي) في أماكنهم و quot;حمائمquot; في أماكنهم، وأحيانًا فقط تحول بعض quot;الحمائمquot; الى quot;راديكاليينquot;.

ربما الوضعية الأخيرة تنطبق بشكل خاص على quot;المركزية النقابيةquot; و العمادة. و ذلك في سياق مسارضغط قواعد هاتين المؤسستين العريضتين على قياداتها خاصة عبر الاربعة اسابيع التي سبقت رحيل بن علي و ليس بالضرورة بمبادرة من القيادات.

quot;الراديكاليونquot; في حيرة لأنهم يرون ثمرة مهمة تستحق القطف، أي الجموع المسترسلة في الاحتجاج من قوى الشارع غير المنظمة و التي ترى فيها لاسباب ايديولوجية وسياسية حليفا طبيعيا، لكن غير القادرة حتى الآن على ترجمة عملية لتلك الرغبة.

لكن في المقابل يجب أن أعترض على تصنيف quot;الحزب الديمقراطي التقدميquot; و quot;التجديدquot; مثلاً بأنهما من quot;الراديكاليينquot; خاصة لو ركزنا على تطورات الأحداث منذ 17 ديسمبر. و هذه نقطة مهمة أريد أن أركز عليها لأنها توفر لنا فرصة التمعن ليس في المعارضة بل في في إعادة تشكل السلطة.

أريد أن أركز بشكل خاص على مواقف السيد أحمد نجيب الشابي. إذ أن الشابي الذي كان يقدم مواقف مسترسلة بالقياس الى تطور الأحداث توفر معاينتها فرصة لملاحظة أمر أساسي وهو علاقة الحكومة الموقتة الحالية بمرحلة ما قبل 14 يناير وتحديدًا ما قبل رحيل بن علي. إذ هي في اعتقادي آخر مشاريع تلك المرحلة.

لن أرجع كثيرًا الى الوراء. سأكتفي بالرجوع إلى يوم 11 يناير مباشرة اثر المجزرة التي حصلت في ولاية القصرين. قام الشابي في فيديو مسجل بدعوة (ضمنيا الى بن علي) الى اقالة الحكومة و تشكيل quot;حكومة انقاذ وطنيquot; تركز على برنامج لـquot;الاصلاح الشاملquot; (ضمنيا بإشراف من بن علي) بخمسة نقاط و هي: أمنية (الوقف الفوري لاطلاق النار، اطلاق سراح كافة المعتقلين، و فتح تحقيق و تعقب المسؤولين)، مقاربة خاصة بالمناطق المحتجة (فتح حوار مع الشباب لإيجاد حلول)، اقتضادية (إقرار منوال للتنمية و تحقيق التشغيل الكامل و النهوض بالتنمية الجهوية)، الفساد (إقرار الشفافية في المعاملات)، و سياسية (انتخابات تشريعية و تعديل الدستور بما يحدد ولايات الرئيس). و حدد الشابي تنفيذ كل ذلك و في سياق quot;الانتقال الى الديمقراطيةquot; بحلول 2014.

المحطة الأخرى المهمة هي يوم 14 يناير ساعات قبل رحيل بن علي. حينها صرح وزير الخارجية آنذاك (أي عندما كان بن علي لايزال في السلطة) كمال مرجان الى اذاعة quot;أوروبا 1quot; بما يلي: quot;تشكيل حكومة وحدة وطنية في البلاد أمر ممكن و طبيعي تماماquot;، و اضاف: quot;إنه باعتبار سلوك أشخاص مثل السيد أحمد نجيب الشابي أعتقد ذلك يصبح أمرًا ممكنًا بل هو عادي تماما quot;. و مرجان هنا يتحدث عن خطة انتقالية بحضور بن علي إذ اشار بوضوح في تصريحه الى أن: quot;هناك انتخابات تشريعية سابقة لأوانهاquot;، مشيرا إلى quot;أن الرئيس قبل مبدأ إجرائها قبل الانتخابات الرئاسية لسنة 2014quot;. أتى ذلك أيضا إثر خطاب 13 جانفي للطاغية الهارب الذي التزم فيه بعدم الترشح سنة 2014 و إطلاق الحريات العامة و إجراء انتخابات تشريعية. يجب التأكيد هنا أن مرجان أدلى بهذه التصريحات صباح 14 جانفي (تم نشر الحوار الساعة الثامنة صباحا) و في تعليق على خطاب 13 جانفي و في سياق الدفاع على تواصل سلطة بن علي.

ما يثير الانتباه أيضا هو تصريح الشابي في ذات اليوم (في تفاعل مع تصريح مرجان) الذي جاء فيه: quot;إن الخروج من الأزمة الراهنة يمر عبر تشكيل حكومة ائتلافية، يكون من مهامها تهيئة الأجواء لانتخابات رئاسية وتشريعية حرة.quot; للإشارة كمال مرجان وزير الدفاع كان في إجاباته أعلاه متفاعلا مع سؤال لصحفي quot;أوروبا 1quot; ذكر بمقترحات الشابي التي أعلنها يوم 11 يناير.

ما يمكن أن نستنتجه من المحطتين أعلاه أن الشابي طرح تشكيل حكومة تحت إشراف بن علي و طبعا تحت قيادة الحزب الحاكم quot;التجمعquot; ببرنامج quot;تنمويquot; و quot;انتقال للديمقراطيةquot; و quot;محاربة الفسادquot; إلى سنة 2014.

الشابي بدا متشبثا بعدم تبني موقف المطالبة بتنحي بن علي بما في ذلك الى يوم 14 جانفي. و يبدو أن هذا quot;السلوكquot; (على حد وصف مرجان) جعل موقفه مقبولا من قبل السلطة، التي قررت تشكيل quot;حكومة الوحدة الوطنيةquot; (لاحظ ذات التسمية التي تم استعمالها مع حكومة الغنوشي المعلنة يوم 17 يناير)، قبل تطور الاحداث وحدوث انقلاب داخل السلطة لم تتوضح معالمه بعد (تتكاثر الآن التقارير المستندة الى مصادر مجهولة و المتضاربة أحيانا حول ذلك) أدى الى التضحية ببن علي مقابل الحفاظ على هيمنة quot;التجمعquot; على السلطة.
و فقط ضمن هذا المنظور يمكن أن نفهم سر الاصرار على استمرارية هيمنة رموز quot;تجمعيةquot; على وزارات السيادة بل أحيانا تواصل وجود وزراء معينين في مواقع محددة من حكومة بن علي الأخيرة. في نهاية الأمر نحن ربما حتى في علاقة بتشكيلة و أشخاص و توزيع حقائب quot;حكومة الوحدة الوطنيةquot; إزاء ذات الحكومة التي كان يتم التحضير للاعلان عنها إثر خطاب 13 يناير، ناقص شخص بن علي.

فرنسا والولايات المتحدّة حاضرتان بقوّة في الشأن التونسي ولو من وراء ستار، لا انحياز إلى أي طرف من قبلهما إلى حدّ اللحظة، فهل تتوقّع تغييرًا ما في سياستيهما تجاه تونس في مقبل الأيام ؟

سأحلل هنا بالأساس بناء على المعطيات المؤكدة و ليس بناء على تقارير انبنت على مصادر استخبارية وكانت متضاربة في أحيان كثيرة من المبكر الحكم على صدقيتها خاصة حول موضوع طريقة رحيل بن علي.

موقف هاتين القوتين الأبرز مر بمرحلتين و كل على حدة. الولايات المتحدة كانت أكثر انتباها و سرعة للتفاعل مع ما يحدث ربما لأنها أبعد بما يجعلها تملك مجالا أوسع للمناورة وأقل ارتباطًا مع بن علي من فرنسا. و كان قرارها، بعد صمت دام ثلاثة اسابيع، و منذ 7 يناير في بالتعامل من بعيد إعلاميا (تصريحات كلينتون و الناطق باسم الخارجية) مع quot;الطرفينquot; (سلطة و محتجين) كأنهما ندين بما يعني رفعا للمظلة الاميركية عن سلطة بن علي. تتواصل مؤشرات سرعة المبادرة هذه و الانتباه نسبيا مقارنة بباريس في قدوم المسؤول المكلف على على ما يبدو بالملف التونسي في الاسابيع الأخيرة و أهم مساعدي كلينتون لشؤون المنطقة جيفري فيلتمان و كذلك الفقرة التي خصصها أوباما لتونس (بشكل غير مسبوق) في خطاب حالة الاتحاد يوم 25 يناير و التي أعلن فيها دعمه quot;لتطلعات التونسيين للديمقراطيةquot;.

الندوة الصحفية لفيلتمان تضمنت مؤشرات على دعم الولايات المتحدة لاستمرار حكومة الغنوشي و في أقصى الحالات تغييرا طفيفا عليها، خاصة عندما لمح الى أن كل من يبحث عن quot;الشرعيةquot; يجب أن ينتظر انتخابات ذات مصداقية و أن ذلك quot;سيأخذ وقتا و جهداquot;. سفره العاجل اثر ذلك الى باريس يعكس امساك واشنطن بزمام المبادرة على حساب باريس فيما يفترض أنه الحديقة الخلفية لفرنسا.

وهذه وضعية مشابهة شيئا ما لما تخلل التغير السياسي سنة 1987. يجب أن نتوقع طبعا أن باريس لم تكن تتفرج في الاسابيع الأخيرة و أنها ليست مكتوفة الأيدي الآن، رغم حالة الدهشة التي مرت بها و استفاقتها المتأخرة جدا يما يعني أن الاحداث تجاوزتها تماما حتى عشية 14 جانفي. و على الأرجح أن باريس ستحاول الآن تعويض حالة الغياب و المفاجأة بحضور مكثف و متصاعد خاصة أن واشنطن ربما ستنشغل أكثر بتطورات الوضع في مصر.

عموما لا أعتقد أن كليهما سيكون مرتاحا كثيرا للتعامل في هذه المرحلة الانتقالية مع وجوه غير مألوفة أي غير تلك الموجودة في حكومة الغنوشي، لكن طبعا تطورات الأحداث و مفاجآت الشارع أثبتت أن الأمور تجاوزت الجميع بما ذلك هذين اللاعبين الأساسيين دوليا، بما يعني أنها يمكن أن تتجاوزهما مرة أخرى.