قال القيادي في جماعة quot;العدل والإحسانquot; فتح الله أرسلان إنه بعد الاحتجاجات الشعبية في تونس ومصر، لم يبق لسؤال الإصلاحات الجزئية معنى، وإن الشعوب لن تقتنع إلا بتغييرات جوهرية للأنظمة. كما أكد أرسلان في حوار مع quot;إيلافquot; أن تقاربًا بين الحركة المحظورة في المغرب والعلمانيين بدأ يسجّل.


فتح الله أرسلان

يترقب الفاعلون السياسيون في المغرب موقف جماعة quot;العدل والإحسانquot; الأصولية من الدعوة التي أطلقها شباب على فايسبوك إلى الاحتجاج يوم 20 الجاري لدفع الدولة المغربية على القيام بإصلاحات دستورية عميقة. وفي حوار مع quot;إيلافquot;، يشرح الناطق الرسمي باسم quot;العدل والإحسانquot; فتح الله أرسلان موقف الجماعة المحظورة من الدعوة، كما يثير موضوعات أخرى لها علاقة بـquot;القومةquot; وبـquot;إمارة المؤمنينquot;.

قال القيادي في الجماعة إنه بعد الاحتجاجات الشعبية في تونس ومصر، لم يبق لسؤال الإصلاحات الجزئية معنى، وإن الشعوب لن تقتنع إلا بتغييرات جوهرية لنظام الحكم. كما أوضح أرسلان أن ما يجمع quot;العدل والإحسانquot; بالعلمانيين والديمقراطيين أكثر مما يفرقهم، وشدّد على أن الجماعة لن تتخلف عن أية حركة احتجاجية سلمية، مضيفًا أنها لم تتخذ بعد موقفًا من مسيرة دعا إليها شباب على فايسبوك في العشرين من الجاري، أطلق عليها حركة 20 فبراير (شباط) من أجل الكرامة.

وفي ما يلي نص الحوار:
- إيلاف لماذا إختارت الجماعة هذه الفترة تحديدًا لتقديم عشر نقاط كي يتجنب المغرب الأسوأ؟
أرسلان: تلك النقاط أعلناها منذ تأسيس جماعة العدل والإحسان، وبقينا نكررها ونؤكدها على مر تاريخنا، وكان آخرها في منتصف الشهر الماضي بمناسبة انعقاد الدورة 15 للمجلس القطري للدائرة السياسية للجماعة من خلال وثيقتين منشورتين، وهما ملخص التقرير السياسي والبيان الختامي. كما لم تخل جميع دورات هذا المجلس ومجلس الشورى من التأكيد على تلك المطالب.
وأذكّر أيضًا بالرسائل الشهيرة لمرشد الجماعة عبد السلام ياسين، وأقصد رسالة quot;الإسلام أو الطوفانquot; سنة 1974 وquot;رسالة القرن في ميزان الإسلامquot; سنة 1982، وقد وجههما للملك الراحل الحسن الثاني. فضلاً عن quot;مذكرة إلى من يهمه الأمرquot; سنة 2001 التي وجهها للمك الحالي محمد السادس. وها نحن اليوم نعيد الإلحاح على المقترحات نفسها في هذا الظرف الحساس الذي تمر به أقطار الأمة الإسلامية، وفي ظل اختناق الوضع في المغرب، وهذه الأوضاع مجتمعة لم تزد اقتراحاتنا إلا مصداقية.

- إيلاف: هل تعتقدون أن الثورة في المغرب يمكن أن تحدث إذا لم تتخذ إصلاحات آنية؟
أرسلان: يعلم الله كم حذرنا ولا نزال نحذر من الانفجار الشعبي. وكلما زادت درجة الاحتقان كلما زاد تحذيرنا من العواقب غير المحسوبة لا في توقيتها ولا شكلها ولا حجمها، وكلما ازداد إلحاحنا على مكونات البلد وفضلائه للائتلاف من أجل إنقاذ مغربنا وعدم الرهان على النظام الذي تأكد إصراره على الاستبداد المطلق، الذي أنتج ولا يزال ينتج أوضاعًا لا تزداد إلا تعقيدًا.

ولا ينبغي أن ننسى أجراس الإنذار التي دقت في مناسبات ومناطق متعددة في المغرب انطلاقًا من انتفاضتي 1981 في الدار البيضاء، و1984 في الناظور، وصولاً إلى انتفاضات مدن إيفني وصفرو والحسيمة وعدد من مدن الجنوب خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

هذا من أجل تذكير من لا يزال يكابر، وإلا بعد الهبات الشعبية الجارية في تونس ومصر لم يبق لهذا السؤال محل، حيث إن لغة الإصلاحات الجزئية لم تعد مجدية، لن يقنع الشعوب بعد اليوم إلا بتغييرات جوهرية لنظم الحكم على أسس الحرية والعدل والكرامة.

- إيلاف: تتمتع الملكية في المغرب باحترام كبير، هل تتصورون أن المغاربة يقبلون بفكرة quot;ملكية تسود ولا تحكمquot;؟
أرسلان: إنتهى عهد الشعارات الزائفة المخدرة التي كان الحكام يتسلون بها ويكذبون بها على أنفسهم ويرضون من خلالها جنون تسلطهم.

وأبرز هذه الشعارات الوهمية التي تبخرت في كل بلاد الاستبداد شعار الإجماع والتعلق المطلق للشعوب بالحكام المسيطرين على العروش. فكل ذلك وغيره من الأوهام كان تحت إكراه السلطة القاهرة والإعلام الرسمي الذي ليس له من دور غير نفخ الوهم في أذن الحاكم صباح مساء. أما اليوم، فقد تكسر حاجز الخوف لدى الشعوب، ونرى كيف أنها تسخر من تلك الشعارات. الحلول الجزئية والاختباء وراء بعض الترقيعات لكسب مزيد من الوقت في عمر الاستبداد وتخيير الشعب بين الشرور فقط لم تعد تقنع أحدًا.

حيث انكشفت لعبة حصر الخيارات أمام الشعب بين قبول الحكم الفردي المطلق وبين ترهيبه بفزاعة الإسلاميين والفوضى والطائفية، ولاحظ الجميع في تونس ومصر كيف أن الأنظمة هي التي تثير النزعات لإحداث الفرقة بين أبناء الشعب لتطرح نفسها المنقذ الوحيد وضامن الاستقرار، في حين أصبح الخيار الأفضل ماثلاً اليوم أمام الأعين، ولم يعد مستحيلاً، ولا بديل من مراجعة جذرية لطبيعة النظام.

- إيلاف: كان زعيم الجماعة الشيخ عبد السلام ياسين، الذي تنبأ بما أسماه quot;القومةquot;، تعرّض لانتقادات ساخرة هل تعتقدون في الجماعة أن سنة quot;القومةquot; هي 2011؟
أرسلان: القومة في تصورنا ليست لحظة معزولة مقطوعة عن أي سياق، بل هي واقعة في الزمن وتكاثف للظروف والجهود والإعداد المتواصل، وهي تجميع لجهود كل الحركات القائمة في وجه الاستبداد في التحام مع الشعب حتى تصل إلى لحظة النضج لتنهي وضع الاستبداد.

فالأمر إذًا لا يتعلق بتواريخ محددة، إنما يرتبط بنضج الشروط. وquot;قومةquot; الشعب متى ما وقعت ستشكل مفاجأة للاستبداد الذي توهم الخلود في وضعه. أما الشعب والحركات الجادة فلن يفاجئهم الأمر، لأنهم لأجل ذلك كانوا يعملون وفي سبيله قدموا التضحيات.

- إيلاف: الديمقراطيون والعلمانيون المغاربة يخشون دخول quot;العدل والإحسانquot; إلى السياسة ليقينهم أن الجماعة ضد الديمقراطية وترغب في تطبيق الشريعة، وينطلقون من أدبيات الجماعة. كيف يمكن أن تطالبوا بالديمقراطية وفي الوقت نفسه بتطبيق الشريعة؟
أرسلان: الأمر ليس بهذا النحو. فكثير من هؤلاء لم يعد لديهم هذا التوجس بعدا أصبحت لدينا جميعًا فرص الاحتكاك والتقارب، مما بدد كثيرًا من الأحكام المسبقة الناتجة من فترة القطيعة، وانقلبت الأمور بشكل كبير، حيث إن كثيرًا منهم يلحّون علينا لدخول العملية السياسية بقواعدها الحالية.

ولعل التضامن والتكاتف بين الشعب وكل التيارات لصناعة الهبات الشعبية المجيدة في تونس ومصر يشكل درسًا للجميع، ويبرهن عمليًا أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، وما نختلف فيه يمكن تخفيف حدته، إن توافرت بيئة صحية للحوار، الذي ينتج ضوابط الاختلاف لتحصين التعايش بين جميع أبناء الوطن الواحد وضمان الاحترام لكل المرجعيات، وتسييج كل ذلك بضمانة أساسية وهي التداول على السلطة بناء على الإرادة الشعبية لتجنب أسلوب الإكراه من أي طرف كان. ولهذا فإننا نلحّ دائمًا على ضرورة ائتلافنا على ميثاق وطني يكون أرضية ننطلق منها لإنقاذ بلدنا.

- إيلاف: إذا ما أقدمت المؤسسة الملكية في المغرب على إصلاحات دستورية، هل ستدخلون غمار اللعبة السياسية، وهل ستقبلون بالملك كأمير للمؤمنين؟
أرسلان: كل إصلاح في ظل النظام بتركيبته الحالية وبالعقلية السائدة لن يكون إلا ترقيعًا وتلطيفًا من قبضة الاستبداد وانحناء للعاصفة. المطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى تطليق أسلوب الترقيعات التي لا تنتج سوى تأجيل الأزمة. المطلوب إعادة بناء نظام على أسس جديدة متينة تنبثق من جمعية تأسيسية، تمثل فيها كل مكونات الشعب، ولا تكون تحت وصاية أحد، وتنظر بحرية في كل القضايا، وتصوغ دستورًا جديدًا، وتبقى الكلمة النهائية للشعب.

- إيلاف: راجت أخبار في الجزيرة القطرية عن مشاركتكم في مسيرة 20 شباط- فبراير. هل ستشارك الجماعة في هذه الحركة التي دعا إليها شباب على فايسبوك؟
أرسلان: لم يصدر منا حتى الآن أي تأكيد أو نفي للمشاركة في أية حركة. وفي كل الأحوال نحن لا نعارض أي تحرك شعبي جاد، ونحن جزء من شعبنا، وفي أي وقت تتضح لنا جدية وسلمية أية حركة احتجاجية فلن نتخلف عنها.

- إيلاف: يتخوف الكثير من مسيرات تقودها الجماعة، في حال لم تقرّ المؤسسة الملكية الإصلاحات، هل يمكن لـquot;العدل والإحسانquot; نقل احتجاجاتها إلى الشارع؟
أرسلان: إذا كان جميع الرسميين يتسابقون اليوم لإعلان ديمقراطية الدولة واحترامها لحرية التعبير، فلمَ التخوف إذًا من أي تعبير سلمي في الشارع، سواء من جماعة العدل والإحسان أو غيرها؟.