في وقت تتنافس فيه جماعات عدة لتشكيل أحزاب لخوض غمار الإنتخابات بعد موجة الإضطرابات التي شهدتها المنطقة، تتبادر إشارات عن فرص قليلة للطائفة المسيحية في هذه المنافسة. فبعدما فكّت الأغلال في مصر مع رحيل مبارك، تستغل جماعات إسلامية أصولية الحرية التي تنعم بها البلاد الآن.


القاهرة: لم تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موجة اضطرابات كتلك التي وقعت أخيراً، منذ أن أنشأت بريطانيا وفرنسا دولاً هناك في نهاية الحرب العالمية الأولى.

ومازال من المبكر الحديث عن الشكل والطابع الذي ستتخذه الأنظمة السياسية، في تلك المرحلة الجديدة التي ستعيشها بلدان المنطقة بعد الأحداث الأخيرة.

لكن في الوقت الذي بدأت تتنافس فيه جماعات عدةnbsp;في تشكيل أحزاب بغية خوض غمار الانتخابات، بدأت تلوح في الأفق إشارات تتحدث عن أن الطائفة المسيحية الصغيرة والمتضائلة في منطقة الشرق الأوسط لن تكون من المستفيدين.

في هذا السياق، قالت صحيفة الغارديان البريطانية في عددها الصادر اليوم الاثنين إن مصر من أهم الدول التي يمكن متابعة تطورات الأحداث فيها، بعد توديع حقبة الرئيس المخلوع حسني مبارك، التي كانت تتميز بقمع أي جماعة تتحدى هيمنة الحزب الحاكم.

ومع رحيل مبارك، بدأت تُفَكّ الأغلال. وقالت الصحيفة إن الجماعات الإسلامية الأصولية في مصر من بين الجهات التي تستغل تلك الحرية التي تنعم بها البلاد الآن، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمون والجماعة الإسلامية وغيرهما. لكن النقطة الأهم، هي أن تلك الجماعات تدعم فكرة أن تكون مصر دولة مدنية، وليست إسلامية.

ولفتت الصحيفة البريطانية هنا إلى أن الجماعة الإسلامية قامت في الماضي بتنفيذ أعمال إرهابية ndash; بما في ذلك عملية قتل 58 سائحاً أجنبياً في الأقصر عام 1997 ndash; كجزء من حملتها لتوطيد الحكم الإسلامي في مصر. وهو ما جعل الصحيفة تتساءل quot;إذن كيف تحقق هذا التغيير الجذري؟quot;، ثم نقلت عن ناجي إبراهيم، أحد قادة الجماعة، قوله: quot;نريد دولة مدنية يحكمها العدل. نحن لسنا خائفين من تلك الحرية لأننا نحمل رسالة الإسلام القوية، التي تحظى بقوة كامنة أقوى من أي فكرة أخرىquot;.

إذن فالدولة المدنية ستكون البداية، لكن في النهاية هذا يعني أن الإسلام سيكون منتصراً. كما إن الرغبة المعلنة بالنسبة إلى جماعة الإخوان، التي تعتبر أكثر الجماعات تنظيماً، هي أن ترى استمرارية الحكم العلماني في مصر يتعارض مع ميثاقها. ورأت الصحيفة أن هذا يضع تصوراً بشأن إقامة دولة إسلامية فيnbsp;كل أنحاء الشرق الأوسط، في حين تهدف جماعة الأخوان داخلياً إلى نقل رسالة الإسلام إلى الشعب ككل، من دون أن يتم لفت الانتباه إلى واجب الإسلام في حماية أهل الكتاب.

وهو ما جعل الصحيفة تردف بقولها إنه من غير المستغرب أن تهيمن الشكوك على المسيحيين الأقباط. وأوردت هنا عن نجيب غبرائيل، محامي عن الكنيسة القبطية، قوله: quot;تسعى جماعة الإخوان المسلمين إلى إيهام الناس وجعلهم يعتقدون أن نموذجهم ليس أصولياً، وإنما يتفق مع قيم المواطنةquot;.

لكن عن طريق تشكيل أحزابهم ndash; المبنية على معتقدات دينية ndash; تتطابق الجماعات الإسلامية فقط مع النمط في أماكن أخرى في العالم العربي، حيث توجد الديمقراطية بالفعل. هذا وتهمين الانقسامات الطائفية على المشهد السياسي في العراق ولبنان. فبينما يتناحر السنة والشيعة في العراق من أجل السلطة، لا تزال الدولة في حالة من الانهيار. وأولئك الموجودون في القاع ndash; بمن فيهم الأقلية المسيحية ndash; غير ممثلين ويتسمون بالضعف.

ولا تزال هجرة ونزوح المسيحيين من هناك مستمرة. وفي لبنان، تشكل القوة المتزايدة لحزب الله الشيعي تحدياً للمؤسسة السنية وللمسيحيين المتعصبين بشكل متزايد. ما يؤكد أن المجتمع المسيحي بدأ يشهد مرة أخرى حالة من التراجع.

والمفارقة، كما وصفتها الغارديان، هي أن المسلمين والمسيحيين العرب خرجوا إلى الشوارع معاً بشكل جماعي للمطالبة بالتغيير ndash; دون الالتفات إلى زعماء دين أو سياسة.

واتضح أن ما تحتاجه الآن صفحة السياسة العربية البيضاء الجديدة هي حركة يمكنها أن تضم تنوع هؤلاء المتظاهرين، والابتعاد عن الانقسامات الطائفية. وقالت الصحيفة إنه في ظل غياب مثل هذه الحركة، ستظل مخاطر تهميش المسيحيين العرب قائمة، بينما سيتنافس السنة والشيعة المسلمين للظفر بالهيمنة والنفوذ.

وختمت الصحيفة بالقول إن الخيار الأكثر إغراءً للمسيحيين، طبقاً لهذه الظروف، سيكون مغادرة البلاد، وهو ما سيضعف من وجود المسيحيين في المنطقة التي ولدت فيها.nbsp;