سأتناول الموضوع في ثلاث محاور، الأول الأداء الحكومي تجاه مظاهرات يوم الغضب العراقي، الثاني دور الجماهير التي قامت بالتظاهر، الثالث دور الإعلام في هذا اليوم. هو ليس تقييم لنجاح أو فشل لكن هي وجهة نظر وتقييم شخصي لما حدث في ذلك اليوم.

لم أر الحكومة العراقية بهذا الإنفعال من قبل تجاه مظاهرات لم تكن قد حصلت بعد. فقد صرح رئيس الوزراء مرات عديدة في أيام قليلة مما يدل عن إنفعال غير مبرر وخوف لم تعرف وجهته. أما باقي المسؤولين فهم ليس أقل من المالكي إنفعالا ً، فتصريح أحد المحافظين والذي يضاهي خطابات القذافي حين يقول...إلى المتظاهرين، سترون وجه آخر لم تروه من قبل إن حدث شيء ما وخالفتم النظام...وكأنه يريد من المتظاهرين أن يتظاهرون على طريقته. أما أحد النواب والذي يفترض إنه يمثل الشعب العراقي فقد كان يشرف على المتظاهرين من مكان عالي في بناية في ساحة التحرير والذي ذكر العراقيين بالقيادات البعثية حين كانت تشرف على عمليات القمع التي تجري على ابناء الشعب العراقي. إلى الآن لم تعرف دوافع وقوفه في ذلك المكان وهو لايمتلك منصب رسمي بل هو نائب في البرلمان! لقد منع البث التلفزيوني، وفرض حظر لسير المركبات، وتقطعت الشوارع بالحواجز الكونكريتية، وقطع الماء والطعام عن المتظاهرين، وأخيرا ً وليس آخرا ً تحشيد المؤسسة الدينية من خلال تقويض شرعية المظاهرة بتهم ملفقة، بينما حرمها أحد المراجع. والأكثر من ذلك أتهمت المظاهرات بإنها بعثية وقد ثبت عكس ذلك حينما لم يرفع شعار بعثي واحد،بل بالعكس لقد كان أداء الأجهزة الأمنية أداء بعثيا ً بإمتياز. ولايستبعد أن الكثير من القيادات البعثية السابقة والتي كانت تعمل في الأمن في ظل النظام السابق تقود عمليات القمع الآن ضد أبناء الشعب العراقي.

أما المحور الجماهيري فقد عبر المتظاهرون عن متطلبات العراقيين بشكل حضاري بالرغم من غياب التنظيم الجيد. لم يرفع أحد شعار بعثي واحد ولم يطلب أحد إسقاط النظام بل كانت مظاهرة تعبر عن المطالبة بالحقوق ومحاربة الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة. لم يأتي أي متظاهر ومعه سلاح أبيض أو أسود، حيث لم يكن هناك سوى الشباب الذين يمتلكون الوعي السياسي. لقد أراد المتظاهرون الذين جوبهو بالهراوات والأعيرة النارية أن يعبروا عن رئيهم المكفول بالدستور العراقي وضمن الأطر الشرعية وبطريقة قانونية. لكن المشكلة هي أن القوات الأمنية لمم تتحمل أن ينطق صوت خارج إطار الخطاب الحكومي معبرا ً عن رئيه الصريح بما يريد ويعتقد.

أما محور الإعلام، فقد حورب الإعلام في هذا اليوم بشكل غير طبيعي وذلك إبتداء ً من منع النقل الحي إلى إعتقال الصحفيين وتعرضهم للضرب من قبل الأجهزة الأمنية. ومن ثم قامت بإعتقالهم مرة أخرى وبشكل غير مبرر. أما الأعلام الحكومي فلا أستطيع إلا أن أشبهه بالقناة الليبية الفضائية والتي تنقل الإحتفالات في الساحة الخضراء. بالتأكيد لم يكن هناك إحتفلات في ساحة التحرير لتنقلها لكن الفضائيات الحكومية تنقل الأماكن الهامشية والتي فيها عدد قليل من المتظاهرين وتنقل الهدوء في بعض أماكن المظاهرات وتبثه في شريط الأخبار لتعلق عليه بأن المظاهرات إنتهت بخير وقد تسلمت الحكومة والمحافظين طلبات المحتجين وكأن شيئا ً لم يكن. وتبث شريطا ً عاجلا ً أيضا ً بأن المظاهرات إنتهت هناك وتوصل المتظاهرون لإتفاق مع المحافظة هنا وإنفض المتظاهرون في مكان آخر. لا أستطيع وصف الإعلام الحكومي في تغطية الحدث إلا بأنه يفتقد للإحترافية والإستقلالية ويحاول أن لايحترم عقول المشاهدين بسذاجة قل نظيرها.

لاأستطيع أن أقول أن المظاهرات التي جرت في يوم الغضب العراقي نجحت كما تنجح الثورات في تونس ومصر وذلك لأنها ببساطة لم تكن مظاهرة لإسقاط النظام الموجود في العراق. لكن المظاهرات قالت كلمتها رغم القمع الذي تعرضت له. فحين يقول الشعب العراقي كلمته لأول مرة تجاه السلطة الحاكمة فإنه يغذي بذلك الحراك السياسي الموجود في العراق وذلك من خلال طرحه خطاب جديد خارج إطار الخطابات الحزبية والمؤسساتية والتي تحسب على جهات خارجية وداخلية. لقد أرسى يوم الغضب العراقي قواعد جديدة للعبة السياسية في العراق من خلال تأكيده بأن هناك لاعب جديد سيقول كلمته من خلال التظاهر المستمر. لقد بدأت نتائج المظاهرات تظهر حينما بدأت الإستقالات لرؤساء المحافظات ولن تنتهي حتى تسقط كل الفاسدين في كل مفاصل الدولة. لقد نجحت التظاهرات وفشلت الحكومة العراقية في أول درس من دروس الديمقراطية بإمتياز. لقد خسرت الحكومة العراقية زمام المبادرة في إدارة ملف المظاهرات حتى أن الجماعات المسلحة المعروفة بعملياتها الإرهابية كانت أكثر إستقرارا ً في موقفهاً حينما أعلنت تعليق عملياتها في ذلك اليوم دعما ً للشعب العراقي كما يزعمون.

http://www.elaphblog.com/imadrasan
[email protected]