قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

المظاهرات في سوريا تستمر، بالرغم من القمع الوحشي، وهذه الاستمرارية مهمة جدا، وعامل الوقت حاسم، ولو انخفض العدد، في الجمعة الأخيرة، على فرض ذلك. هذه المظاهرات التي شهدتها محافظة درعا، وحمص، وحماه واللاذقية وبانياس والقامشلي. وحتى أحياء في دمشق، تسهم في تنامي الموقف الدولي المندد، وهو ما نشهده على نحو أبرز في الاتحاد الأوروبي الذي فرض عقوبات على شخصيات مهمة في النظام السوري، منها ماهر الأسد.
لكن الموقف الأمريكي ما يزال يلفت الأنظار، ويثير الاستغراب؛ إذ كيف لواشنطن أن تعمل على استبقاء هذا النظام العربي الممانع؟! وهو الذي يتحالف مع قوى المقاومة في لبنان، حزب الله، وفي فلسطين حماس، وسائر الفصائل المنضوية تحت جناح دمشق.
كيف لواشنطن أن لا تنتهز الفرصة للإطاحة بنظام متحالف مع إيران؟!
وهي كذلك الموصوفة بالدولة الممانعة، أو المقاومة، للسياسات الأمريكية، بالرغم من كونها الأخرى تفاخر بأنها قدمت المساعدة لأمريكا في وقت (زنقتها) في أفغانستان؟!
هل ثمة من يجادل في الموقف الأمريكي الداعم لنظام الأسد، ورفضه الانحياز إلى حقوق الشعب، المطالب بالديمقراطية، التي تُنحر، على مذبح حزب البعث الأوحد، وعلى مذبح القائد الملهم، بشار الأسد؟! لماذا لا تنحاز أمريكا لشعب عانى أكثر بكثير مما عانى منه الشعب المصري، مثلا؟! فقد كانت مصر في عهد مبارك، تعيش حرية صحافة، ونشاطا حزبيا، يعدُّ نعيما في مقابل الجحيم والكبت الخانق في جمهورية تورِّث الحكم، وتستهر بالدستور، وتتهم كثيرين ممن يعارضونها بالعمالة والإرهاب، والاندساس...
أما الموقف الأمريكي فقد تكرر، وكان المسكوت عنه أكثر انتقادا من المُصرَّح به، تغاضت أمريكا عن قيمها، إذن؛ من أجل مصالحها، ولم تنجح في ادعاء الجمع بينهما، كما في ليبيا.
الرئيس الأمريكي المبشر بحرية الشعوب، لم نسمع له صوتا، أما وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون فقد ظلت تحاول التبريد من نار الأجواء المحلية، في سوريا، وظلت تحاول لجم التصعيد والتنديد الدولي، فقد وصفت الأسد بالإصلاحي في بداية الاحتجاجات، برغم القمع والقتل... وبعد مرور أكثر من شهر على الاحتجاجات، والتعامل الأمني القمعي معها، من إطلاق النار على المتظاهرين، واعتقال، وحصار مشدد على المدن الساخنة، كدرعا، عادت، وقالت:laquo; ما أعلمه هو أن لديهم فرصة للقيام ببرنامج إصلاحraquo;.
الإدارة الأمريكية ترى أن الأسد إصلاحي، على الرغم من أن القوى المتنفذة في النظام هي القوى الأمنية. وهي بذلك تعطي للنظام فرصة لـ (الإصلاح)، مثلما تترك له فرصة لإنهاء التمرد، والسيطرة عليه بوسائله الخاصة....
هذا يعني أنها تثق بالقيادة السورية, وبالمؤسسة الأمنية, والجيش، وبحزب البعث الحاكم، في قدرته على الإصلاح، وهذا يعني أن واشنطن ترى أن حجم الفساد في سوريا يمكن تداركه، فليس بالحجم الواسع، ولا أن المعضلة بنيوية في جهاز الدولة الدكتاتوري الذي يستحق أن ينقض، ويعاد بناؤه، وتشكيله.

لماذا تعطي أمريكا للنظام السوري فرصة؟
قد يقال إنها تخشى من إنهاك ما بسبب الثورات العربية المتوسعة، وقد يقال إنها لا تأمن أن يخلف نظامَ البعث، نظام (أقل ضررا منه) فالمعارضة الوطنية في سوريا ليست قوية بما يكفي لأخذ القيادة، والمؤسسات المدنية لا تضاهي قوة الإخوان المسلمين الكامنة في المجتمع السوري، ولو أنها مكبوتة، والوضع الإقليمي والعربي الذي تتبوؤه سوريا لا يحتمل مخاطرة من هذا النوع.
ويبدو أن تقديرات واشنطن للناحية الميدانية والداخلية في سوريا ما تزال تراهن على قدرة الدولة، وعلى محدودية التمرد، وفي حالة ظهر العكس فلن يُعْوِزها تغيير المسار، أو رفع الخيار الثاني، كما فعلت في مصر.
والإدارة الأمريكية الحالية، على خلاف الجمهورية، خطت خطوات مهمة نحو التطبيع مع الدولة في سوريا؛ فأعادت سفيرها إلى دمشق، وعلى مدار العامين الماضيين، سمحت بشحن بعض التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، ورفعت القيود عن قطع الغيار المصنوعة في أمريكا الخاصة بشركة الطيران السورية.
وإدارة أوباما، كما يبدو، تعوِّل على النظام السوري في ملف سلام الشرق الأوسط. ومن قبل ذلك، ومن بعده فإن موقف إسرائيل, هنا جدير بالمراعاة؛ وهي غير متحمسة لتغيير النظام في سوريا؛ لأنها كذلك ليست متأكدة ممن يخلفه، وكيف سيكون موقفه من احتلال الجولان، وكيفية التعاطي معها بشأنه، فربما، يكون أكثر حرصا على إرضاء الشعب؛ فيزيد تشددا، أو يحرمها من الهدوء التام والطويل الذي تنعم بها الحدود مع سوريا.
فحجم المصالح المرتبطة ببقاء الأسد، لا تزال قادرة على التغلب على صوت القيم، ولذلك تتجاهل الإدارة الأمريكية الأصوات داخل الكونغرس الداعية إلى معاملة الأسد، كما عُومِل القذافي.
ومن المؤكد أن صمود التظاهرات وأشكال الاحتجاج يعمل على تآكل (شرعية النظام) ويراكم من الإدانة الدولية، ويعزز من التحولات في المواقف الإقليمية، كما كان من موقف تركيا التي حذر رئيس وزرائها أردوغان من حماة جديدة, وطالب الأسد بالإصغاء إلى مطالب الشعب السوري الطامح إلى الحرية، مشيرا إلى أن الأسد أعلن أنه سيتم إلغاء العمل بقانون الطوارئ، لكنه لم يتخذ الخطوات الجادة لتحقيق ذلك.
وحصيلة هذه العوامل كلها حَرَجٌ قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى قلب ظهر المجن للقيادة الحالية في سوريا، وتشجيع قيادات في الجيش السوري على الانشقاق، وثمة تذمر طبيعي في الجيش يظهره قتل الجنود الذين يرفضون تنفيذ الأوامر بإطلاق النار على متظاهرين عزل.
[email protected].