قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ليس تفجير الإسكندرية الذي استهدف كنيسة للأقباط هو الأخطر بحد ذاته، ولكن تداعياته، والظروف المجتمعية التي تحيط به. فلماذا ليس هو الأخطر؟ لأنه مدان من قبل وقوعه، ومن بعده، لقد استنفر التفجيرُ معظم القوى والهيئات والحكومات في العالم الإسلامي؛ لترتفع أصواتُهم بالتنديد، والتحذير، من تداعياته، والتأكيد على أن فاعله، قبل أن يُعرف، بشخصه، أو حتى بالجهة التي تقف وراءه، أو التي يتغذى بفكرها، لا يمثل الأغلبية المسلمة، هذا، إذا ثبت أنه منها.

ومثل هذا الحادث الذي يلقى مثل تلك الإدانة، والتبرؤ، لا يقوى على التأثير على العلاقات بين مكونات أصيلة في المجتمعات العربية. ولو اختلفت في المعتقدات، ولها من الرصيد الطويل، والراسخ ما يؤكد لها هذا العيش الطبيعي، والتعامل اليومي، المدني، والعام.

وإن دولة كمصر المطبوعة بطابع التجانس، الأرضي، والبشري، والإثني، والعريقة في التوُّحد، والعصيَّة على التقسيم، في كل حالاتها، وهي في الاستقلال، وفي الاستعمار، مصر هذه لا ينبغي أن يهدد نسيجَها، أو يخدش توَّحدَها، حادث شاذ، وخارج عن طبيعتها.

لكن حالةً من التعكير، والاحتقان الطائفي، كانت سابقة على التفجير، ربما تسمح بلحظة من التداخل بين الحالتين، أو شيء من الالتباس، بين البعد الطائفي الجدلي الذي تشوبه أحيانا لحظاتُ عنفٍ وشدٍّ وجذب، من جهة، ودائرة التفجيرات الدموية العدوانية، من الجهة الأخرى، ولذلك، ما لبث أن تمايز الواقعان، بعد هذا التفجير (الصدمة) وكأن لسان الحال يقول، نحن, وإن اختلفنا، دينيا، وتجادلنا، غير أننا لا نصل بخلافاتنا إلى هذه المنطقة المختلفة، والخطرة، والخارجة عن غاياتنا.

أعلمُ أن العلاقة بين المسلمين، والمسيحيين، في مصر قد دخلت حالة من التعقيد، مع اتهامات من الأقباط للدولة بإهمالهم، أو تهميشهم عن المناصب المؤثرة، أو إعطائهم كامل حقوقهم, وأن ثمة مخاوف, معقولة، من تدخلات دولية، تستثمر هذه الحالة، لما هو أخطر، تقسيما، أو تدويلا.
وأن تجاذبات وسجالات لا تنفك تقع بين المسلمين والأقباط المسيحيين، على خلفية التحول في الدين، أو المظاهر الدينية الأخرى، تلابسها تصريحات تستفز طرف دينيا، وتنتقص من عقيدته.

لقد أصبح الدين لدى الكثيرين؛ لأسباب عديدة، مركز تنبُّه أول، ثم صار يَحكم رؤيتهم إلى (الآخر)، ثم تطور الأمر، على نحو خاطىء، وبفهمٍ مغلوط، إلى أن البعض لم يعد يقبل بمن يعتقد غير معتقده، وكأن الوطن، والمجتمع، لم يعودا قادرين على استيعابه! ولكن مصر، طالما وسعت الجميع، والدين نفسه لا يُكره غيرَ المؤمن به على اعتناقه، فـ laquo;لا إكراه في الدينraquo;.

هذه الآية تنطوي على حقيقة قبل أن تشتمل على طلب، أمَّا أنها حقيقة، فالدين من حيث الفكرة, والطبيعة، لا يقبل الانتماء الإكراهي، ولا يستسيغه. وهذا ينطبق على كل الأديان التي هي علاقة خاصة بين الإنسان وربه.

فلا مكان لمسيحيٍّ عاقل يطمح بضم مسلم إلى دينه بالإكراه، أو بالشحن والتعبئة، والهجوم، ولا مكان لمسلم عاقل، كذلك، يطمح بحمل مسيحي على الإسلام؛ بالغصب، والضغط، أو غيره من أساليب تجانب الإقناع، والحرية التامة في مثل هذا القرار البالغ الأهمية بالنسبة للمخاطَب.

أمَّا أنَّ الآية تشتمل على طلب فلأنها تأمر المسلم بالتخلي عن أي اندفاع قد تُنشئه الحماسة الزائدة، والاندفاع العاطفي غير المضبوط، نحو laquo;أسْلَمةraquo; الناس، بالذهاب إلى مدى أبعد مما طلبه الإسلامُ نفسُه: بالعرض المصحوب بالحكمة، والحجة، بالحجة، بعيدا عن التشنج، أو الملاحقة الضاغطة.

فلو كانت ذاك التفجير المدان، معزولا عن الظروف الحالية لمصر, وللعرب، لمرَّ، كأي حادث مجنون، يصدر عن إنسان غير مسئول، ولكن هشاشة المجتمعات العربية, بصفة غالبة، واحتقانها بمشكلات وأزمات مزمنة، يجعل من أي حادث، كما يلقي مجنون حجرا ببئر، وأنَّى لألف عاقل بإخراجه؟!

ولا يقتصر هذا التصدع، والاهتزاز في البناء الاجتماعي على مصر، فالعراق صورة أوضح له، وكذا لبنان، مثلا، ولا يقتصر هذا التصدع على البعد الديني، أو الطائفي، فثمة أبعاد اقتصادية، وعِرْقية، وثقافية تفعل فعلَها، وتتنبه في نَوْمة الدول، أو سبات الفكرة الجامعة، وتراجعها.

فالعراق كان تحت حكم صدام والبعث (منضبطا) بالقوة، ولكن لما انفرط عقد النظام، وحاول المجتمع أن يبني كينونته، أو يستعيدها، لم يجد إلا التناقضات المتيقظة.

وهذا لبنان، وقد تأسست دولتُه على أساس طائفي، لا يلبث كلما، استشعرت طائفةٌ من نفسها قوة، يهتز كيانُه المهتز أصلا، ويدخل في حالة من الاصطفافات الجديدة المنقلبة على تلك التركيبة، أو الراغبة في إعادة تموضعها فيها.

وما دام وصل الأمر إلى مصر فقد وصل العربَ كلَّهم؛ ذلك أنها مرآتهم؛ فلا ضرورة لتقصي الأوضاع العربية التفصيلية، وإذا كانت مصر المطبوعة بالتجانس الأكبر بين أبنائها، قد أصبحت مهددة بالاختلال المجتمعي؛ فإنها وبحكم موقعها، وتأثيرها على العالم العربي مدعوة إلى إعادة نظر جذرية، في خطابها الثقافي, وفي سياساتها.

ولا بد أن يعود لمصر دورها الفاعل في العالم العربي، والمنطقة، حتى تخرج من هذه الحالة السلبية من الانشغال، أو النكوص إلى الاختلافات الداخلية؛ فهذا من علامات الإفلاس، والدوران في الفراغ، أو التآكل الذاتي، بدلا من اندماج الجميع في غاية جامعة توقظ فيهم معاني التوحد، والمصير المشترك. وإذا كانت لعبة لكرة القدم كادت تستثير المجتمع المصري من مسلميه ومسيحييه، ومن مثقفيه إلى عوامِّه، ومن سياسييه إلى مواطنيه؛ فكيف لو اتجهت مصر إلى خطاب سياسي مختلف، يستهدف موقعا أفضل لمصر، ويحشد بجدية من أجله الطاقات المصرية الخلاقة؟!

فالدول كلُّ الدول، والحكومات معرضة لإخفاقات، ولكن اتساع نطاق تلك الدول، داخليا وخارجيا يوفر لها بدائل للإنجاز وتجديد قوة الدفع، وأقرب مثال على ذلك، الإدارة الأمريكية الديمقراطية؛ فعندما خسر الديمقراطيون أغلبيتهم في مجلس النواب، سارع أوباما إلى الصين والهند يحقق اتفاقات اقتصادية، وإنجازات على صعيد السياسة الخارجية.

والعلاقة بين القدرة على التأثير الخارجي للدول والبناء الداخلي لها تبادلية تفاعلية؛ فالإنجازات الخارجية تقوِّي البناء الداخلي، والبناء الداخلي المتماسك يساعد على الاندفاع والتأثير الخارجي.

وهذه تركيا، في ظل حزب العدالة والتنمية لما نجحت في بناء داخلي قوي، والتفاف شعبي استطاعت، بل وجدت نفسها مدفوعة نحو الإقليم، ودول الجوار، تنافس، وتتدخل، ولو بلا صخب، أو استفزاز، لكن بتأثير، وكلمة مسموعة، تقوي مكانتها خارجيا، وتعود إلى شعبها بمزيد من الهيبة والتأثير كذلك.

فإن لم تحدث مصر تحولا في الاتجاه، وانعطافا في الخطاب، فإن الاتجاه الحالي سيستدرجها إلى تداعياته، ومنزلقاته، نحو مزيد من الانكماش، ومخاطر الضعف الذي قد يفضي إلى ما هو أخطر!
وما زالت مصر قادرة على ذلك، برغم ما تعاني من تحديات يومية؛ لأن قلبها نابض، ومركزها قوي, وقادر على تجديد العطاء.
[email protected]