التحرش الجنسي ظاهرة عالمية، نراها في بلداننا العربية، وفي دول المنطقة، وحتى في إسرائيل، وفي العالم، على تفاوت فيما بينها.
ظاهرة أقرب إلى التوحش، منها إلى الحياة الإنسانية المتحضرة، والأمرُّ، والأنكى حين تتجلى بمظهرها الجماعي، والسافر في قلب الحياة، في عاصمة عربية كبرى، هي القاهرة، مثلا، وفي وضح النهار، كما وقع أيام عيد الفطر في العام 2008م؛ فهل بلغ السُّعار الجنسي، عندنا نحن العرب هذا الحد؟! لدرجة يستهان فيها بالمجتمع وأعرافه، والقوانين، والدين، ومشاعر الناس؟!

في تحليل الظاهرة وأسبابها تقفز جملة من الأسباب منها ارتفاع سن الزواج، والبطالة، والفراغ، والكبت الجنسي، مع توفر المثيرات في كل موقف تقريبا. وينضم إليها أيضا روافد الانحراف الأخرى كالمخدرات. حتى انتشرت في بلدان عربية، ومنها مصر كذلك، حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال، من الجنسين.

ونحن حين نذكر مصر، هنا، لا نريد قصر الظاهرة عليها، فهي موجودة في كل مدينة عربية وقرية. ولكن مصر، والقاهرة، بدرجة أكبر، بازدحامها الفريد، وتداخل الرجال والنساء في الشوارع والحافلات، والأسواق، تجعل من هذه الظاهرة أكثر وضوحا، وتمثيلا.

فالمجتمعات العربية، لا تختلف جوهريا، في مكوناتها الفكرية والشعورية، ولا تختلف جوهريا في أمراضها الناتجة عن تلك العوامل التكوينية، وإن كان ثمة تفاوت في تلك المظاهر، تبعا لبعض الطبائع الخاصة بكل شعب، ووفقا لظروفه المعيشية، والاجتماعية والسياسية.

وإنَّا واجدون، مثلا، ظاهرة الاعتداء الجنسي من المحارم موجودة في السعودية، وفي غيرها من الدول العربية.

وحين التدقيق يمكن رد ظاهرة التحرش الجنسي في سببها الأكبر إلى تأخر سن الزواج، مع توفر المثيرات الجنسية، والفراغ، والبطالة، وفاقا لقول أبي العتاهية:
laquo; إنَّ الفراغ والشباب والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة!raquo;

ولا يعني هذا أن المتزوجين يشعرون بالإشباع التام، ولا يكونون عرضة، للتطلع إلى غير زوجاتهم، في كثير من الحالات يكون شاغلُهم عائدا إلى التزامات الرجل، ومسئولياته المتفاقمة، ولا سيما وغالبية الأزواج، من أرباب الأسر يقبعون في الطبقات الوسطى، أو الفقيرة؛ فالعربي الذي يتورط في أسرة، في العالم العربي، يكون أكثر تهذيبا، في السلوك، ربما لتغير موقعه ودوره، حيث يصبح أبا يهمه الحفاظ على زوجته، وأبنائه، وقد يكون متمثلا المثل القائل: laquo;مُكرهٌ أخاك لا بطلraquo;.

وهنا جدلية لا تكاد تفتر، هل السبب في التحرش عائد إلى المرأة التي تتعمد الإثارة، باللباس، أو بالحركات المصطنعة، أو بالكلام؟ أم هو في أولئك الشباب المكبوتين الذي يؤذون في نظراتهم الحادة والشريرة حرية المرأة، ويلاحقونها، بالكلمة، وباللمس، أو غيره؛ مما يؤذي المرأة ويمتهنها، ويعوقها عن عملها، ونشاطها الاجتماعي، والمجتمعي المشروع؟

تشير الدراسات إلى أن معظم ضحايا التحرش، في مصر تحديدا هنَّ من المتحجبات، وطبعا لا يدل هذا على أن المتحرشين يجذبهم هذا الصنفُ من النساء؛ لأن الغالبية الساحقة من نساء مصر يرتدين الحجاب. ولكن يكون من بين هؤلاء النساء من لا تتجنب الإغراء، وهي محجبة.

ومن المؤكد أنَّ من يكون مصابا بالسعار الجنسي لا يعود يفرق بين محجبة وغير محجبة، أو فاتنة، ومتواضعة الجمال، حتى إن بعضهم يبلغ به الشذوذ والتوحش حدا يجعله يعتدي على الأطفال، ذكورا وإناثا!!!

فالظاهر أن الأسباب تعود في الأغلب إلى الشباب، دون أن نلغي عامل الإثارة الذي يكون أكثر فاعلية عند المحروم جنسيا، أو من يعاني كبتا، لا يستطيع تصريفه بالطريقة الصحيحة والمقبولة.

ونحن حين نتحدث عن ظروف الشباب الصعبة، في هذا المجال؛ فإننا ندعو إلى التفكير بحلول واقعية، تسهل عملية الزواج، وتخفف من المطالب المرهقة؛ فلا بد أن لا يبقى المجتمع أسير شكليات تضر باستقراره، وبفئة مهمة من مكوناته.

ومع أن التهذيب الخلقي، والثقافي قد لا يكون واسع الأثر، ما لم تُحلَّ المشكلة اجتماعيا واقتصاديا؛ فإن رعاية الشباب، واحتواء طاقاتهم، وتصريفها في النافع من النشاطات الرياضية والثقافية، والاجتماعية، والسياسية يخفف من حدة المرض، ويقلل من تداعياته.

هل التحرش الجنسي ماركة عربية مسجلة؟
ويبالغ البعض في عزو الظاهرة عربيا، إلى الكبت الجنسي الذي يعاني منه العرب، عموما، والشباب، خصوصا. وبعضهم يرد الظاهرة إلى اعتبار جسم المرأة عورة؛ ما يحفز الرغبة الجنسية في أولئك الرجال الذين يطير صوابُهم، إذا رأوا امرأة سافرة الوجه، أو حاسرة الرأس، أو مبدية، ولو لليسير من جسمها.

وبقطع النظر عن صحة ذلك علميا، فإن المجتمعات التي تُكشف فيها أجساد النساء، إلا من قيود بسيطة، لا تنعدم فيها، هذه الظاهرة، بل لقد تعمدت بعض النساء في إسرائيل، نتيجة لكثرة التحرش الجنسي بهن أن يهملن مظاهرهن، وأن يخففن من (المظاهر المغرية)؛ لصرف المتحرشين عنهن.

التحرش الجنسي في إسرائيل يدفع نساء إلى الانزواء عن المجتمع:
فظاهرة التحرش الجنسي في إسرائيل موجودة، ومقلقة، ومن آخر ما نشر حول الظاهرة جاء على موقع صحيفة هآرتس؛ إذ نشرت وزارة الشؤون الاجتماعية الإسرائيلية تقريرا عن الاعتداءات والممارسات التي تتعرض لها الشابات في إسرائيل، وذلك بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، حيث تعاملت إدارات الشؤون الاجتماعية التابعة للوزارة خلال عام 2009م مع 2400 ملف اعتداء جنسي واغتصاب.
هذا طبعا، شيء محدود من حجم الظاهرة؛ لأن الكثيرات من النساء لا يشتكين، ولا تثبت حالات التحرش بهن.
ففي دراسة سابقة، في هذا العام، أجرتها المنظمة الاجتماعية لصالح جامعة تل أبيب، ونشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت أن 18% فقط من المتحرَّش بهن يتجرأن على تقديم شكاوى بهذا الصدد. واتضح أيضا من خلال الاستطلاع أن غالبية النساء اللاتي تقدمن بشكاوى بشأن هذه القضية، عُرض عليهن مبالغ مالية تعويضية لإسكاتهن. كما بينت الدراسة السابق ذكرها أن 45% من هؤلاء النسوة المتحرش بهن قررن ترك العمل لهذا السبب.


وقد بلغ التحرش الجنسي في إسرائيل مستويات سياسية رفيعة حتى طاول رئيس الدولة السابق موشية كاتساف، وهو الذي يشغل منصبا رمزيا، وفخريا؛ إذ اعترف بتحرشه الجنسي، واتُّهم من غير واحدة من المشتغلات في ديوانه الرئاسي بالاعتداء الجنسي عليهن، وبعضهن اتهمنه بالاغتصاب.
وليس بعيدا عنا فضيحة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون مع المتدربة في البيت الأبيض آنذاك مونيكا لوينسكي؛ فليس الكبت الجنسي هو الذي دفع كلينتون إلى فعلته تلك، ولا الكبت الجنسي هو الذي يدفع برئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلسكوني إلى مغامراته النسائية، بالرغم من ارتفاع الاحتجاجات ضده؛ حتى استُدعي للمثول أمام لجنة الأمن في البرلمان، وحتى أفادت تقارير أن الشرطة السرية أبلغت أعضاء لجنة الأمن البرلمانية أن نمط حياة برلسكوني وعلاقاته يمكن أن يهدد الأمن القومي.
فالظاهرة عالمية، وهي عائدة إلى عوامل اجتماعية، في بعض الأحيان، وإلى قلة تهذيب، وتحضر في أحيان أخرى.
[email protected].