نقل مراسل للواشنطن بوست اسمه سيمون دينير تصريحا لرجل اعمال امريكي التقى به في طرابلس (الشرق الاوسط 6-5-2011) يعبر فيه عن خوفه وخوف رجال الاعمال امثاله على مشاريعهم في ليبيا لان رحيل القذافي عن حكم ليبيا يمكن في رايه ان يفتح الباب لصراع القبائل، وهو هنا يعيد تكرار ما يقوله اعوان النظام وما تبشر به ابواقه من ان البديل للقذافي هو الفوضى وانهيار النظام، باعتبار بقائه في الحكم كما يقول العقيد عن نفسه هو صمام الامن و الامان في جماهيريته العظمى.
ويقول المراسل تعليقا على هذا الكلام ان رجال الاعمال الاجانب يولون اهتماما للاستقرار دون اعتبار لحقوق الانسان. وهم في الحقيقة لا يولون اعتبارا لاي شيء احر الا للدار حتى لوكان ملوثا بدماء الابريا ومغموسا في مستنقعات القهر والارهاب والجريمة، والا ما معنى هذا الدفاع عن رجل يعرف كل مراقب حجم ما يرتكبه من جرائم في حق شعبه قبل الجرائم التي اسهم بها في الارهاب الدولي على مدى سنوات حكمه.
وقبل ان نتحدث عن هذا quot;الامانquot; الذي يمثله راس الكذب والزيف وصاحب مهرجان الدم والجريمة، اريد ان اتحدث عن شداد الافاق من امثال صاحب التصريح لمراسل الواشنطن بوست، الذين فتح لهم نظام العقيد، الباب التربح على مصراعية، بعد ان سده في اوجه اهل البلاد، واضرب مثلا برجل من اهل قريتي مزده، مازال على قيد الحياة، يراقب احداث الثورة بفرح وامل، هو الحاج هلال فنير القنطراري، وهو رجل عصامي، اعرفه منذ سنوات الصبا، صاحب دكان بقالة في القرية، مشهود له بالنزاهة والامانة والمثابرة والنشاط، وبرغم بعد القرية عن العاصمة مسافة مائة وثلاثين كيلو متر، وهي مصدر ما يجلبه لحانوته من فاكهة وخضار، فقد كانت بضاعته دائما جديدة، طازجة، مما ساعده في احراز النجاح واكتساب ثقة الزبائن واقبالهم على حانوته، في قرية تزهو بما تلمكله من اعداد كثيرة لمثل هذه الدكاكين باعتبارها تمثل حلقة وصل بين البادية والحضر، ويعمل اغلب رجالها بالتجارة مع اهل البادية، ونتيجة للتوسع في خطط التنمية في اواخر الستينيات، استثمر الحاج هلال ما لديه من راسمال، في انشاء شركة مقاولات صغيرة تعمل في اطار البلدة، مثل تعبيد طريق بين احيائها، وانشاء رصيف داخل منطقة السوق بها، او مد اعمدة واسلاك الاضاءة لضاحية من ضواحيها، وبناء غرف الصيانة لاشغال الطرقات او اشغال الكهرباء، وكان ناجحا في الفوز بالعطاءات التي تخص مشاريع القرية الصغيرة، يعتمد في اعماله وانجاز المشاريع التي يتعهد بها على عناصر من اهل القرية، واستخدام ما يجده من خامات بها، فالحجارة ياخذها من مقاطع حجارتها والحديد من اسواقها وما يسمى في البناء الشرشور او الجبس او الجير، ما عدا اشياء كالاسمنت او القرميد او غير ذلك مما يحتاج لشرائه من تجار العاصمة، اما البنائين وسيارات الشحن وعمالها وسائقيها فهو لا يحتاج ان يستعين باحد من خارج قريته، ولهذا فقد كان يفوز بالعطاءات لانه لا سبيل لاي مقاول ياتي من خارج القرية ويطرح اسعارا تنافس اسعاره، ولا ادري صراحة ما هو الدافع الذي دعا رئيس النظام الى حظر شركات المقاولات الوطنية، فلعل السب هو ازدهار اعمال المقاولات وظهور طبقة من رجال الاعمال الاثرياء عن طريق المقاولات فاستقطبوا حسد وغل بعض ضباط العهد الانقلابي، وقد وجدوا اناسا يكسرون احتكار الثروة التي صارت من نصيبهم، واذكر في منتصف السبعينيات كيف طرح الامر بشي من التمويه والخداع، وهو الخوف من حدوث هوة تفاوت طبقي بين الناس بسبب هذه الطبقة الناشئة من رجال المال والاعمال، وكان الحل الذي ساهم اهل الراي بتقديمه، هو ان يتم انشاء شركات اهلية تخضع اسهمها للاكتتاب العام، كبديل للمشاريع الفردية، وتتاح الفرصة لكل ابناء الشعب لتملك اسهم في هذه الشركات التي يحدد سقف الاسهم للفرد الواحد فيها، تقوم بتنفيذ مشاريع التنمية واخذ العطاءات والتكليفات وتكون النتيجة انه مهما حققت هذه الشركات من ارباح فان مرددوها سيكون من نصيب كل اهل البلاد، ويكون ذلك سبيلا لتوزيع الثروة ووصولها لاكبر عدد من المواطنين، وعرفت من رجل قريب من الدوائر العليا في السلطة ان الفكرة وجدت قبولا لدى رأس النظام، ولكن قبول الفكرة واقتناعه بجدواها لا يعني بالضرورة العمل على تنفيذها، وانما البحث عن سبيل لتفاديها، وتنفيذها بشكل اخر يحقق الضرر بدلا من النفع للمواطنين، ويحقق لهم الفقر بدلا من الرخاء او الثراء، وفقا للمنهج الذي رسمه السيد العقيد لحكمه وادارته للموارد الليبية، وتنفيذا لسياسة الافقار والاهدار للموارد والامكانيات اصدر قراره باقفال شركات المقاولات الليبية وحظر الليبيين من العمل في هذا المجال.
وكان ابن قريتي الحاج هلال فنير القنطراري، قد انتهى لتوه من الدخول في عطاء، لبناء سور لمدرسة القرية بملحقاته وبواباته وغرف الخفارة، ورسى عليه بمبلغ ثلاثين الف دينار، الا انهم ابلغوه بالغاء العطاء، تبعا لقرار الغاء المقاولات، فقام الرجل بتجميد نشاطه، وتسريح ما لديه من عمال البناء، وتصرف بيعا فيما يملكه من اليات مثل الة خلط الاسمنت، وعاد للعمل في حانوته القديم، وقضاء وقت اكبر في الصلاة والعبادة، والاستماع للدروس التي يلقيها بعض الائمة في مساجد القرية.
والتقيت بالحاج هلال بعد ذلك التاريخ بعام او عامين، اثناء زيارة من زياراتي للبلدة، فاذا به يتحدث بعين دامعة عن مشروع السور الذي كان سيبنيه للمدرسة بمبلغ ثلاثين الف دينار، قائلا لي، ان هناك شركة تركية شرعت في بناء السور بذات المواصفات والشروط، ولكن بمبلغ يخالف المبلغ القديم وسالني ان احزر ما وصل اليه المبلغ، فسالته ان كان المبلغ قد صار ضعف ما كان سياخذه واضعا في الاعتبار ان الحاج هلال كان سياخذ حقه بالعملة المحلية، بينما ستاخذ الشركة التركية المبلغ محولا الى العملة الصعبة، وتحول صوته من لون البكاء الى ضحكة ساخرة مريرة يريدني ان اضع تقديرا اكبر ولم استطع ان اجازف بالتقدير فتطوع هو بالاجابة قائلا ان المبلغ ارتفع الى عشرة اضعاف، بعد اقامة السور بثلاثين الف على يديه وايدي عماله المحليين، تحول الى ثلثمائة الف دينار. ولم استطع ان اصدق الا بعد ان سالت صديقى رمضان على مزده الذي كان مديرا للمدرسة ان يتاكد من صحة المبلغ فاكد لي ما حدث، واردت ان احيل الموضوع الى صرخة انقلها فوق الصحف ولكن الصحف كانت قد تحولت كلها الى صحف ثورية لا تنشر الا الاطراء والمديح للنعيم الارضي الذي يعيشه الليبيون، ووجدت في المدينة ان مشروع الحاج هلال، لم يكن غير ذرة صغيرة في بحر المشاريع المليونية التي تضاعف فيها المليون الى عشرة ملايين والمائة مليون الى مليار مع ما يتخلل ذلك من نهب ولصوصية وسرقة لازلام النظام واعوانه يتقاسمونه مع الاجانب واعضاء المافيا العالمية التي فتحت لها فروعا ووكلاء من اهل النظام.
هذا مجرد مثل، لاساليب الحقد وممارسات الغل والحسد التي كان يتبعها النظام الانقلابي الاجرامي ضد الليبيين الشرفاء، وسياسته الممنهجه من اجل حرمانهم من خير بلادهم وثروات ارضهم، وانفاق هذا الخير وهذه الثروة في سفه وفساد وسو تدبير، فكيف لا يتاسف هذا المغامر الامريكي الذي ورد ذكره في اول المقال على ذهاب القذافي وذهاب الاموال التي كان يتيحها لامثاله من شداد الافاق القادمين من اركان الارض الاربعة.