عمليات الغزو المنظم في منطقتنا الشرق أوسطية يمتد إلى حقبة الغزو البدوي بين القبائل والذي تطور فيما بعد بين الدول التي تبتلع إحداهما الأخرى أو بعض منها وما عليها كما حصل حينما ابتلعت إسرائيل كل ما حواليها في عام 1967م وما فعلته إيران والعراق في عمليات الابتلاع المتبادلة وأخيرا عملية مضغ الكويت وبلعها خلال ساعات ومن ثم شفط العراق وما عليه خلال أيام من قبل أولاد العم سام، وخلال عقود أو ربما أكثر صاحب عمليات الغزو والاستحواذ على السلطة وإقصاء الآخرين نمو أنماط من الأحياء التي تعملقت وبدأت هي الأخرى في غزوها مفاصل الحياة وعقد الحركة ومراكز التطور في المجتمعات والدول.


هذه المخلوقات المائية الهلامية الناعسة تنحدر من سلالات رخوة وملساء، تطورت بسرعة مذهلة وغادرت مياهها لتنتقل إلى المدن والقصبات، لتنشئ مستعمراتها وعشرات المستوطنات وتمتص ما حولها من ماء ودماءٍ وأموال دونما أن يشعر بها أحد، إلى أن يصاب بالجفاف من دمائه وأمواله ورطوبته!


هي إذن ليست تلك المخلوقات التي احتاجت ملايين السنين لكي تتطور في فسلجتها ووضائف أعضائها، لقد اختصرت الزمن أو أحرقت المراحل على ثقافة أهل الانقلابات والأحزاب الجدا ثورية والانقلابية في دفع دولهم إلى الأمام وابتداعهم للخطط الخمسية والانفجارية التي أنتجت هذه القطعان من الحيتان الوديعة الملساء.


ولكي لا نجهد أنفسنا في البحث عن الجذور الأولى لهذه المخلوقات، ونستقدم من القبور السيد داروين أو مندل أو الآخرين، فإننا سنتناول نوعين مهمين منها، وهما النوعان اللذان يعيشان معنا ويمارسان ( نشاطيهما الحياتي ) وسط مجتمعاتنا التي اكتظت بهما.
الأول؛ بدأ بالتحول مع قيام جمهوريتنا العتيدة في 1958 من مخلوقات انتهازية مسطحة الأدمغة هلامية الأشكال عاطلة عن العمل والتفكير، جائعة وغرائزية الطباع، لا تنتمي إلى أي طبقة أو عرق أو دين أو مذهب معين، فهي تستخدم كل هذه ( المقتنيات والتقنيات ) من اجل عملية تطورها إلى حيتان ( وديعة ملساء )، جاءت من العصر الملكي ودخلت الحقبة الجمهورية الخالدة وهي ما زالت تهتف للملك المفدى عبد الكريم قاسم، لا خباثة في ذلك بل هذه كل معلوماتها وثقافتها ونيتها الصافية النقية!.


وسرعان ما تغلغلت و ( إندحست ) إلى مفاصل الأحزاب الثورية جدا والرجعية جدا جدا والقومية أو الدينية جدا جدا جدا، والى الجمعيات والمنظمات التي كان من المفروض إنها تمثل مخلوقات إنسانية، فأصبحت خلال سنوات مراتع للحيتان.


وخلال سنوات قليلة تحولت هذه المخلوقات إلى حيتان وديعة ملساء التهمت كل ما حواليها من نِعم الأحزاب والانقلابات الثورية والقوات المسلحة في حروبها ( القومية والتحررية ) وتأميم النفط وتحويل موارده للعشائر الحيتانية في كل أنحاء العالم لخدمة مصالح الأمة ووحدتها ومستقبلها الذي نشهد اشراقاته الآن؟


وخلال اقل من نصف قرن تحولت تلك المجاميع ممن ذكرتها في أول المقال إلى طبقات وعشائر من أصناف وأنواع رهيبة، لا تمت للإنسان العادي بأي شكل من الأشكال، وانتشرت في ربوع العراق بوداعة تلتهم كل شيء إلا ( الحلال ) تحت ظلال السيوف والمبادئ والوطنيات ومستقبل الجماهير والأمة!


والغريبُ فيها، ألوانها ونعومة ملمسها ووحشيتها في ذات الوقت، فهي تتلون مع البيئة التي تعيش وتترعرع فيها فلا تكاد تعرف ألوانها وهي تغيرها من لون إلى لون وأماكن عيشها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ومن الرفيق ماركس قدس سره إلى الرفيق المجاهد القرضاوي دام ضله، فهي تتنقل برخاوة وانسيابية رهيبة بين كل هذه العوالم دونما أي خسائر تذكر، سوى نوعية الأقنعة وأساليب التدليس و( الاندحاس)!


وخلال سنوات عشر من حقبة الجمهورية التي أعقبت العصر الملكي تفننت هذه الحيتان في أساليب الامتصاص والتهريب والنهب والسلب للأموال وقطعان الماشية من الأغنام والماعز والأبقار من ربوع كوردستان ومن خلال قيادات الجيش العراقي الباسل جدا وللعظم في تصنيعه ورعايته لأكثر الحيتان نعومة وضخامة.


حتى أطلت علينا ( الثورة البيضاء جدا ) في تموز 1968 لكي تبدأ مرحلة أخرى من مراحل تطور وانتشار وتكاثر هذه الحيتان العقائدية المناضلة. وخلال اقل من ثلاثين عاما تخرجت من مدارس ومختبرات ومعامل الحزب القائد آلافا مؤلفة من أجيال أكثر تطورا من الحيتان وبكل الأحجام والأشكال والأعراق والمذاهب، وأول الوجبات المطورة كانت تلك التي لبست قناع المقاولين في السنوات الأولى لحقبة الثورة البيضاء جدا، ما لبثت حتى تم تطوير أنواع زيتونية عسكرية مع مطلع الثمانينات وقيام الحرب بين ( أحفاد القعقاع والمجوس )، فانتشرت قطعان من الحيتان المعسكرة بالرتب وأنصافها وأشكالها والزيتوني ودرجاته والمجحشة وأفواجها، حتى غرقت البلاد وطافت العباد وأصبحت الحيتان تصول وتجول في مشارق البلاد ومغاربها، بألوانها الزيتونية ورتبها وأوسمتها التي كانت تقدم بالمناسف والصواني، حتى بدأت (غزوة الأنفال المباركة ) فهبت جموع الجماهير المناضلة ورفاق العقيدة والصناديد من فرسان الأمة لنهب مدن وقرى كوردستان، تتقدمهم أفواج من الحيتان المدربة على امتصاص الدماء والأموال في تمرين تعبوي لمعركة كبرى قادمة لا ريب!


وجاءت غزوة الكويت العظمى لتبدأ تطبيقات غزوة كوردستان ولتتحول الكويت خلال ساعات إلى ساحة لتلك القطعان من الحيتان التي ( شفطت كل شيء ) وكنست الكويت بأكملها من دولة إلى متصرفية أو محافظة.


المهم في كل هذه الغزوات والحقب والعصور بقت الحيتان هي الحيتان، فمِن (عاش الملك المفدى ) إلى ( ماكو زعيم إلا كريم ) وصولا إلى ( صدام اسمك هز أمريكا )، لا يهمها شخص من يحكم أو حزبه بقدر ما تهمها غرائزها في ( اللغف والشفط ) والامتلاك والامتصاص، وهي ذكية جدا رغم رخاوتها وبساطتها في التكيف مع تبدل الأنظمة وتغيير الأسماء والاتجاهات!.


وهكذا دخلت هي الأخرى حقبة ما بعد صدام بشكل مثير في ذكائها واندحاسها بين صفوف ( المناضلين جدا ) بل والمزايدة على أولئك الذين قاوموا صدام وحزبه طيلة ما يقارب من أربعة عقود لتتبوأ مراكز الصدارة في معظم مراكز القرار وحواليه بدوائر تشبه تلك التي تنتجها قطعة الحجر في بركة ماء، مدربة ومروضة بشكل لم يعد العقلاء التمييز بينها وبين المساكين من أبناء هذا الشعب العجب، فقط إنها بدأت بالتهام الأخضر واليابس وكل ما حواليها من أراض وأبار وأنابيب بترول ومباني وطرق وحتى الأرصفة والمناصب البرلمانية والوزارية ومواقع السياسة والإدارة في الأحزاب التي استطاعوا صناعتها أو التي اخترقوا مفاصلها من الأحزاب العاملة على الساحة.


وابتكرت أنواعا واساليبا متطورة في الالتهام والاحتواء للأموال العامة وغير العامة من خلال تصنيعها لمراكز ومنظمات المجتمع المدني جدا جدا، وإقامة المؤتمرات والمهرجانات والندوات المتخصصة بأعمار وبناء البلد، ودعوة كبار العلماء والخبراء وأباطرة المؤتمرات في العالم.


بل ولم تكتفِ هذه الحيتان الوديعة بشهاداتها العليا ضد الكوليرا والتايفوئيد والابتدائية أو المتوسطة فاقتنت شهادات الدكتوراه والتخصص العالي من جامعة سوك مريدي الشهيرة التي لا تلزم طلبتها بالحصول على أي شهادة قبل الدكتوراه، وهكذا أصبح لدينا أجيالا متقدمة ومتطورة من هذه الكائنات الوديعة والملساء والمتكيفة للعيش في كل المناخات والتضاريس المائية والجبلية وحتى الصحراوية إذا اقتضى الأمر لذلك، فهي أجيال متطورة جدا.

كفاح محمود كريم