كان متوقعَّا أن تجتاح تركيا عسكريَّاً كردستان العراق مع بداية الربيع، لكنها عجلَّت في الموعد، وجعلته 21/2/2008، واختارت لها quot;الشمسquot; عنواناً. وجاء الإسراع في تقديم المواعيد التركيَّة مع الجولة الخامسة والعشرين من حربها على العمال الكردستاني، بعد افتضاح أمر الاجتياح العسكري، عبر التصريحات والمقالات والتحليلات الصحفيَّة، (ومنها مقالات عديدة لكاتب هذه السطور، نشرتها الحياة اللندنيَّة والمستقبل اللبنانيَّة)، بغية إضفاء صفة quot;المباغتةquot; على حملتهما، وإكسابها عنصر quot;المفاجأةquot;. الإضافة إلى أن الحوارات التي أجرتها صحفية الحياة مع أبرز قيادات العمال الكردستاني (مراد قره إيلان 31/8/2007، باهوز أردال 3/11/2007 وجميل بايك في 10/2/2008)، (وأجرى كاتب هذه السطور الحوارين الأولين)، وكلها كانت تشير إلى أن المقاتلين الكرد كانوا يتوقَّعونها، وقد احتاطوا لها، وهيَّأوا أنفسهم لمواجهتها جيّداً. وأظهرت معطيات الاندحار التركي (الانسحاب)، وفرار قواته من أرض المعركة يوم 29/2/2008. وظهرت صدقيَّة تصريحات قادة العمال الكردستاني، بأن تركيا لن تقطف شيئاً من اجتياحها سوى الهزيمة، فما عليها إلى الارتكان لمنطق الحوار والحلول السلميَّة. كما أسقطت نتائج الغزو التركي لكردستان العراق، كل مراهنات والاتهامات والتشويهات التي طالت العمال الكردستاني، ومنها، وما انفكَّ يروِّجها ويسوَّق لها السيد الفاضل عزيز الحاج، عبر تحميل العمال العمال الكردستاني مسؤوليَّة الغطرسة والعنجهية والدمويَّة في أداء عسكر وساسة تركيا، حيال التعاطي مع الملف الكردي، داخل وخارج تركيا. وعليه، من يودُّ الإدلاء بدلوه في شأنٍ ما، عليه أن يكون على دراية وإلمام شديد وعميق بحيثيات ومعطيات وتفاصيل القضيَّة التي يتناولها، توخِّياً الأمانة والإنصاف والموضوعيَّة، وصولاً لقراءة صائبة لإرهاصات ومجريات وتبعات الحدث، دون مواربة أو تحوير أو تبديل او تغيير، يسيء لصحاب الرأي أكثر من إساءته للحقيقة. فلا مناص من بعض الإسهاب بعض الشيء في هذا المقال، خدمة للقرَّاء الأعزَّاء، والأستاذ العزيز: عزيز الحاج.

quot;لن يستغرق مكافحتهم منَّا، أكثر من 24 ساعةquot;، هكذا علَّق الرئيس التركي الراحل، ورئيس الوزراء وقتئذ، تورغوت أوزال على العمليَّة العسكريَّة الأولى التي قام بها حزب العمال الكردستاني في 15/8/1984، إيذاناً ببد كفاحه المسلح. ثم قالوا: سننتهي منهم، خلال هذا الصيف، خلال هذا الربيع، خلال هذه السنة، وهكذا دوليك، إلى أن تحوَّلت الـ24 ساعة إلى 24 سنة، وتركيا تعيش حالة حرب مع أكرادها كلفتها سنوياً 7 مليار دولار سنويَّاً، وأكثر من 300 مليلار دولار تقريباً، خلال هذه السنين، عدى عن الضحايا البشريَّة من الجانبين. بعد التصريح الآنف لأوزال بتسعة سنوات، تيقُّن الرجل من لا جدوى الحرب وعبثيَّة الخيار العسكري في حسم الملف الكردي التركي، فرجَّح الرئيس الراحل أوزال خيار الحل السلمي، وطلب من الرئيس العراقي الحالي جلال طالباني التوسُّط بينه وأوجلان، فوافق الأخير، وأعلن عن وقف لإطلاق النار من جانب واحد في آذار 1993، إلا أن أوزال quot;توفِّيquot; بشكل مفاجئ وغامض. وبادر نجم الدين أربكان، عبر الحركة الإسلاميَّة اللبنانيَّة، التلميح للكردستاني برغبته في حل الصراع سلميَّاً، إلا أن تجَّار الحرب في تركيا من ساسة وعسكر، أقصوا أربكان، وحظروا حزبه، ومنعوه من مزاولة السياسة سنة 1997، عبر القيام بانقلاب أبيض عليه.

خلفيات القضيَّة
تعرَّض أكراد تركيا، وعلى مدى نصف قرن ونيّف، أي منذ 1940 وحتى 1984، لحملات من القمع والصهر والتذويب العرقي، أوصلت الكردي في تركيا لدرجة أن يخجل من أصله، ويتجنَّب المجاهرة بكرديته، فضلاً عن أن اللغة والثقافة الكردية كانت قاب قوسين أو أدنى من الانقراض. وقد نجم عن ذلك حدوث حالة من القطيعة للكردي مع الحراك القومي السياسي، كنتيجة طبيعية لحملات القمع والاضطهاد، وتفشِّي ثقافة الخوف بين الأكراد في تركيا. وكرَّدة فعل على ما سلف، وبغية تحريك الملف الكردي في تركيا، أعلن حزب العمال الكردستاني، بزعامة عبدالله أوجلان، الكفاح المسلح ضد السلطات التركية في 15/8/1984. فحرَّكت البندقية الكردية الملفَّ الكردي سياسياً، وخلقت حالة استقطاب جماهيري عارم، ليس في كردستان تركيا وحسب، وبل في كافة أجزاء كردستان، وبين الأكراد في المهجر. وجوبهت خطوت حزب العمال في إعلانها للكفاح المسلح وقتئذ بيان استنكار وتنديد شديد، وقع عليه معشر مع الأحزاب الكرديَّة والعربيَّة والتركَّية والسوريَّة، والقوميَّة منها واليساريَّة، (أحزاب شيوعيَّة عراقيَّة وسوريَّة...) واصفين تلك الخطوة، بنفس الأوصاف التي يطلقونها الآن على مقاومته المسلحة، وعدم تركه للسلاح، دون ضمانات دستوريَّة، كـquot;التصرف الطفولي اليساري، الغوغائي، التدميري، التهوري، المغامراتي، الطائش...quot;، واعتبروا العمال الكردستاني وقتها: quot;أداة في يد الإمبرياليَّة والصهيونيَّة!quot;. رغم ذاك، استطاع أوجلان وحزبه، وخلال فترة قصيرة نسبياً، إجراء تحوّل نوعي في بنية المجتمع الكردي في تركيا، من شأنه إعادة الشعور القومي لأكراد تركيا، وزجَّهم في حرب ضروس، مازالت مستمرَّة. والجدير ذكره هنا، إن الأتراك حين سحقوا انتفاضة جبل آغري سنة 1930، حفروا قبراً رمزيَّاً في قمَّة الجبل، كتبوا على شاهدته: quot;هنا دفنا كردستانquot;، وبعد إعلان حزب العمال الكفاح المسلح، وصول مقاتلوه لذلك القبر الرمزي، وقاموا بنسفه، معلنين أنه quot;من هنا تبدأ كردستانquot;.

خلال فترة نضاله، استطاع حزب العمال أن يقدَّم نموذجاً جديداً للقائد الكردي، تجاوز النماذج التقليديَّة للقيادات الكرديَّة في كردستان العراق، من حيث الفاعليَّة وقوَّة التأثير وحجم الاستقطاب الجماهيري الذي تجاوز أكراد تركيا، ووصلت لمناطق نفوذ تلك القيادات، ما خلق نوعاً من التشاحن بينها وبين أوجلان، وصلت في بعض الأحيان إلى الاقتتال الكردي _ الكردي. وعليه، لم يستند أوجلان في حراكه، على أيَّة خلفيَّة عشائريَّة قبليَّة، أو دينيَّة أو مذهبيَّة أو طريقاتيَّة (عشيرة بارزاني نقشبنديَّة، وعشيرة طالباني قادريَّة، وقد يكون هذا أحد الأسباب لانجرار العشيرتين لخنادق الصراع بين الحزبين الكرديين آناء الخلافات الضارية بينهما، على خلفية الخلاف بين الطرق الصوفيَّة) أو عائليَّة...، كما كان ومازال سائداً في كردستان العراق وفي تركيا وسورية، بل اعتمد على جهده الشخصي، في خضم العداء التركي والأمريكي، والتجاهل السوفياتي والأوروبي، والممانعة المبطّنَة حيناً والمعلنة أحياناً من القيادات الكرديَّة التقليديَّة له. واستطاع العمال الكردستاني أن يكون رقماً صعباً ومؤثراً ليس كردياً وحسب، وبل إقليمياً أيضاً، ما أسهم في ازدياد حجم النقمة الإقليميَّة والدوليَّة عليه، لأنه بات يشكل تهديداً حقيقياً لمصالح الدول الكبرى في المنطقة.

انعطافات
اتسمت تجربة العمال الكردستاني وزعيمه بالانزياح والانعطاف الفكري والسياسي. حيث بدأ أوجلان متديَّناً، وانتهى يساريَّاً، لدرجة الستالينيَّة. وحين كان شعار quot;كردستان حرة مستقلةquot; مستهجناً وضرباً من الوهم والخرافة والمجازفة...، بين الأكراد، تبنَّى حزب العمال هذا الشعار، ونظرَّ له، وقاتل في سبيله. وحين أصبح النزوع القومي الكردي في أوجه، اتَّجه أوجلان وحزبه لتبنِّي الدولة الوطنيَّة الديموقراطيَّة، وضرورة حلّ القضيَّة الكرديَّة في إطار البلدان التي يتوزَّع عليها الأكراد، بشكل سلمي ديموقراطي. وكان أوجلان من أشد الناقمين والمنتقدين للأتاتوركيَّة، لكنه لمس فيها فيما بعد، بعض الثغرات التي يمكن من خلالها دحض الأتاتوركيين بمبادئ الأتاتوركيَّة، سعياً لإيجاد مخرج للقضيَّة الكرديَّة سلميَّاً. وحين لمس أوجلان أن حزبه بدأ يعاني من التخمة اليساريَّة _ القوميَّة، سعى حثيثاً ليحوَّله إلى نموذج مصغَّر للدولة التي يحلم بها. وأدخل حزبه ضمن عمليات تحوَّل عديدة، فتغيَّر العمال الكردستاني PKK، إلى مؤتمر الديمقراطيَّة والحريَّة الكردستاني KADEK، ثم إلى مؤتمر الشعب الكردستاني Kongra Gel، ثم إلى الكونفدراليَّة الديموقراطيَّة الكردستانيَّة KKK، وحالياً، منطومة المجتمع الكردستاني KCK. ومجمل هذه التحولات، كان الهدف منها، إبعاد الحركة عن اليساريَّة الفجَّة والدوغمائيَّة، وإكساب الحركة المزيد من المرونة، والتقليل من تأثير الذهنية الدولتيَّة عليها، فتحوَّلت حركة أوجلان إلى شبكة واسعة النطاق، وفي غاية التعقيد من الأحزاب والهيئات والمؤسَّسات واللجان المدنيَّة والأهليَّة، المنضوية في حراك سياسي، ليس في تركيا وحسب، وبل في سورية والعراق وإيران ولبنان والخليج وليبيا وروسيا وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، وأوروبا وحتى أمريكا.

يرى أوجلان أن حلَّ القضايا الشرق أوسطيَّة، ومنها الكرديَّة، لن يكون إلا بإتباع نظام الكونفدرالي الديموقراطي بين شعوب المنطقة، ويمكن تلخيص أطروحته في التالي: quot;قليل من الدولة وكثير من المجتمعquot;. والحقُّ أن أوجلان ظلم مرتين، الأولى: حين اعتبره خصومه والمنشقين عليه وأعدائه من الأكراد وغيرهم، بأنه quot;شيطان رجيمquot;، ينبغي نبذه ولفظه، وتناسيه، وتركه يواجه مصريه في سجنهquot;. والثانيَّة: حين أعتبره مناصره أنه quot;لا ينطق عن الهوىquot;، وأضفوا حوله هالة من القداسة، كثيراً ما كان يرفضها أوجلان نفسه.

اعتراضات يساريَّة وقوميَّة
بدأت حملة الاعتراض الشديدة على طروحات حزب العمال الجديدة، وإزالته للشعار التقليدي للحركات والأحزاب اليساريَّة والشيوعيَّة (المطرقة والمنجل)، في مؤتمره الخامس سنة 1995، من قبل اليساريين الأكراد، واعتبروها طلاقاً مع الماركسيَّة، وانزلاقاً نحو منجرف التخلُّف والتزمُّت القوموي، وتغزُّل بالإمبراليَّة والصهيونيَّة...الخ. في حين أن موجة اعتراضات وتهجُّم القوميين الأكراد على العمال الكردستاني ازدادت علوَّاً، حين تخلَّى هذا الحزب عن الدولة القوميَّة، واتَّجه لتبنِّي الدولة الوطنيَّة الديموقراطيَّة. ولم تجعل الاعتراضات اليساريَّة _ القوميَّة الكرديَّة على حركة أوجلان أن تحيد عن أفكارها ومشاريعها، قيد أنملة. والحقُّ أنه، مثلما نجح العمال الكردستاني في استنهاض الأكراد وتعبئتهم قوميَّاً، إلى درجة quot;التطرفquot;، قبل اعتقال زعيمها، استطاع هذا الحزب وزعيمه المعتقل، أن يؤسِّس لأفكار وطروحات الحزب الجديدة في الديموقراطية والتعايش السلمي بين الشعوب، وخلق حراك جماهيري، (قد لا يوازي حراكه السابق)، إلا أنه مؤمن بهذه الأفكار والطروحات، ويسعى لتحقيقها. وعليه، بقي أوجلان محافظاً على دوره كقائد أيديولوجي وسياسي، يدير الملف الكردي، وكلاعب فاعل ومؤثر في قواعد اللعبة السياسيَّة التركيَّة والإقليميَّة، حتى وهو في سجنه الانفرادي، وسط بحر مرمرة، ولم يغب حزب العمال عن واجهة الحدث، كما حاول البعض ترويجه.

التميّز عن السائد
الكثير من التحليلات والدراسات السياسيَّة الكرديَّة تؤكِّد أن أحد أهم أسباب فشل الثورات الكرديَّة، هو افتقارها للقيادة الحكيمة، ودورها في تحويل النضالات والتضحيات التي يتميز بها الشعب الكردي إلى منجزات سياسيَّة. وربما، لا يمكننا الحديث حالياً عن منجزات سياسيَّة كبيرة لأوجلان، رغم كل التعديلات والتغييرات التي أجراها على حزبه، ورغم حجم التنازلات السياسيَّة التي قدمها للسلطات التركية، وعدم اكتراث الأخيرة بنداءاته السلميَّة المتكررة، إلا أن الميزة الأبرز له، تكمن في أنه لم يلق السلاح، وينهِ ثورته، بمجرد اعتقاله، خلافاً لما فعله القائد التاريخي للأكراد الملا مصطفى بارزاني، حين أعلن فشل الثورة الكرديَّة، لمجرد أن شاه إيران قطع الامدادات عنها، نتيجة quot;اتفاقية الجزائرquot; بينه وبين النظام العراقي السابق سنة 1975، علماً أن بارزاني كان يمتلك وقتها، أكثر من 100 ألف مقاتل مسلحين بأسلحة خفيفة وثقيلة.

العمال الكردستاني والمراجعات النقدية
إن النزوع القومي لحركة أوجلان، والماركسيَّة التي كان يعتمدها، وquot;العنف الثوريquot; الذي مارسته، وظروف الحرب التي مرَّت بها حركته، أدت إلى بروز quot;الستالينيةquot; في الطباع وسلوك وفكر هذا الحزب وزعيمه، قبل اعتقاله. لكن، طرأ تغيير نوعي على أوجلان، عقب الاعتقال، فأصبح منحازاً أكثر للدولة الوطنيَّة والأفكار الديموقرطيَّة، ويرجِّح الحلول السلميَّة للقضيَّة الكرديَّة، على الحلول العنفيَّة، عموماً، وفي تركيا خصوصاً، محاولاً إخراج حزبه من الطابع والتأثير العسكري الذي تميَّز به، عبر دفعه نحو التحوّل المدني، بشكل تدريجي. وذلك، بجعل النضال السياسي الديموقراطي السلمي خياراً استراتيجياً لحركته، دون إلقاء السلاح بشكل مجَّاني، وبلا ضمانات، وحصر استخدامه في عملية quot;الدفاع المشروعquot; عن النفس. وقد خطى في هذا الاتجاه خطوات هامَّة، عبر أدلجة هذا السلوك النضالي لحركته، وكتب في معتقله مؤلَّفين هامَّين، يعتبران بمثابة المرجعية الأيديولوجية الجديدة للعمال الكردستاني، وهما: quot;من جمهوريَّة الرهبان السومريَّة، نحو الحضارة الديموقراطيَّةquot; سنة 2001، (636 صفحة من القطع الكبير، قدَّمه كمرافعة لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبيَّة، التي حكمت في 12/5/2005 بانتفاء شروط العدالة في المحاكمة التي أجريت له في تركيا، وضرورة إعادة محاكمته)، وquot;دفاعاً عن شعبquot;، ( 460 صفحة من القطع الكبير، شباط 2005، ترجمة للعربيَّة زاخو شيار). وهذان الكتابان الضخمان، هما عبارة عن مراجعة تحليليَّة سياسيَّة وفكريَّة نقديَّة لتاريخ المنطقة عموماً والأكراد وتجربة حزب العمال خصوصاً. حيث يقوم أوجلان بتوجيه انتقادات لاذعة لنفسه ولحزبه، وللأنساق والتجارب السياسيَّة في المنطقة، معيداً النظر في الكثير من المفاهيم كـquot;الثورة، السلطة، الدولة، الحرب، الحرية، الديموقراطيَّة...quot;. ويرى أوجلان أن حلّ القضايا القوميَّة في منطقة الشرق الأوسط، لن يتمَّ وفق الأشكال التقليديَّة للدولة القوميَّة، ويعتبر أن الكونفدراليَّة الديمقراطيَّة بين شعوب المنطقة، سيجنِّبها ويلات الحروب القوميَّة والمذهبيَّة والطائفيَّة. ويحصر إمكانيَّة تحقق الديمقراطيَّة في الشرق الأوسط على الحوامل الثلاث quot;النهضة والتنوير والإصلاحquot;.

أوجلان ثقافيَّاً
في بداياته، كانت كتابات وتحليلات أوجلان لا تخرج التنظير للمقاومة والثورة والكفاح المسلح والنضال والتحرر الوطني، وفق الصيغ اليساريَّة المتعارفة عليها. وأثارت أولى كتاباته المترجمة للعربيَّة quot;دور العنف في كردستانquot;، وquot;مسألة الشخصيَّة في كردستانquot;، وquot;قضية التحرر الوطني الكردستاني _ طريق الحلquot;، ترحيباً واسعاً بين أوساط الشباب الكردي في سورية ولبنان، وقتها. وانتقد أوجلان النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي السابق، وتنبأ بانهيار هذا النظام في كرَّاس صغير، ترجم للعربيَّة سنة 1988 تحت عنوان: quot;الاشتراكيَّة المشيَّدةquot;، أثارت عليه حنق وردود أفعال غاضبة من الأحزاب الشيوعيَّة واليساريَّة الكرديَّة والتركيَّة والعربيَّة وقتئذ. إذ كيف يمكن التكهُّن بانهيار الإمبراطوريَّة الحمراء، من قبل حزب صغير، يزعم اليساريَّة!؟. وقتئذ، أتهم الكثير من الشيوعيين واليساريين الأكراد والعرب والأتراك أوجلان بـquot;الهرطقةquot; وquot;الخلل العقليquot;. لكن الاتحاد السوفياتي انهار، وبدأت يساريَّة الكثير من الأكراد وغيرهم تنهار، وبدأت عمليَّة التغزُّل quot;اليساريquot; مع قيم ونظم الرأسماليَّة والإمبرياليَّة، وباتت المقاومة المسلَّحة دفاعاً عن النفس، سلوكاً رجعيَّاً بادئاً، ومن مخلَّفات الماضي، والحديث عن quot;مقاومة الشعوب وإرادتها...quot; ضرباً من الهلوسة السياسيَّة، وهستيراتا يساريَّة طفوليَّة طائشة...الخ!، لدى الكثير من فطاحلة وجهابذة اليسار في الشرق الأوسط. ليس وحسب، وبل بات الاستشهاد بتعريفات وتوصيفات أمريكا ودول حلف الشمال الأطلسي لحركات التحرر الوطني، ونتعتها بـquot;الإرهابquot;، هي الأكثر رواجاً في تناول قضية حزب العمال الكردستاني من قبل quot;المحاربينquot; القدامى في خنادق اليسار، ومنهم الفاضل عزيز الحاج!. وباتت تركيا، التي كانت فيما مضى، مخفراً للإمبرياليَّة والصهيونيَّة، مثار مدح، وحركة التحرر الوطني الكردستاني، محلَّ ذمٍّ وشجب وتنديد...، فسبحان مغيّر الأحوال!.

منذ منتصف التسعينات، بدأت كتابات أوجلان تتَّجه نحو المنحى الاجتماعي، وتنفتح على الديموقراطيَّة الاشتراكيَّة، فكتب: quot;المرأة والعائلةquot; وquot;كيف نعيش، 3 أجزاءquot;، وquot;حقيقة الثورة بين النظريَّة والتطبيقquot;، فضلاً عن العشرات من الكتب التي لم يتم ترجمها، ومئات من الحوارات الصحفيَّة التي تحولت إلى كتب. ما يعني، إن أوجلان قد يكون أغزر الرموز والقادة الكرد الذين تركوا إرثاً فكريَّاً وثقافيَّاً، ساهم في تحريك المياه الفكريَّة الكرديَّة الراكدة. وتالياً، كان ولا زال أوجلان، شخصيَّة إشكاليَّة، تثير الأسئلة، أكثر مما تطرح أجوبة، حتى على الصعيد الثقافي.

العمال الكردستاني والمساعي السلميَّة
لماذا اختار أوجلان الاتجاه إلى أوروبا، ولم يتَّجه إلى جبال كردستان، أثناء خروجه من دمشق سنة 1998؟ هل فعلاً لأنه كان يخشى على حياته؟، مثلما أتهمه الكثير من الأكراد؟ سؤالٌ، لا زال يشغل ويربك الوعي السياسي والثقافي الكردي. يرى البعض، إنه في حال ذهابه إلى الجبال، كان سيصبح quot;نقمةquot; على رفاقه، الذين ستزداد الهجمات التركيَّة عليهم، لإبادتهم، وتطوى صفحة أخرى من النضال الكردي، وتنتهي معضلة العمال الكردستاني وأوجلان في تلك الجبال النائية، تحت سمع وبصر العالم، ولا أحد يحرِّك ساكناً، كعادة الانتفاضات الكرديَّة. أمَّا القضيَّة الكرديَّة في تركيا، فتؤجَّل لانتفاضة أخرى، قد تندلع بعد نصف قرن آخر، ربما يمكنها إقناع الأتراك بضرورة حلّ هذه القضيَّة. وعليه، لن يجني أوجلان والأكراد عموماً، إلا خيبة جديدة، ويصبح أوجلان ورفاقه أبطال بعض الأغاني الشعبيَّة التي تتغنَّى بالتراجيديا الكرديَّة وانتكاساتها المتواصلة. لكن أوجلان، اختار أوروبا، كي يضعها أمام مسؤولياتها ومبادئها ودورها في مآسي الأكراد، ودفع كرة النَّار الكرديَّة إلى قلب أوروبا، كي تساهم الأخيرة في إخماد منشأها التركي، الذي كانت ولا زالت تدعمه. فساهم أوجلان بسلكه طريق أوروبا، في تدويل القضيَّة الكرديَّة، وعرَّى الكثير من جوانب الشراكة الأوربيَّة _ التركيَّة في معاناة الأكراد، وأزال الأقنعة عن الدور التواطؤي الأوروبي _ التركي في بقاء القضيَّة الكرديَّة دون حلّ، ابتداءاً من معاهدة لوزان سنة 1923، وليومنا هذا. وبذا، أبقى أوجلان على جذوة القضيَّة الكرديَّة متقدة، وجعل قضيَّة شعبه شأناً أوروبيَّاً، لا مناص من حلِّها سليمَّاً.

والحقُّ أن أولى خطوات أوجلان نحو إيجاد مخارج سلميَّة للقضيَّة الكرديَّة في تركيا منذ مطلع التسعينات، حين لبَّ طلب الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال، وأعلن عن وقف إطلاق النار من جانب واحد في آذار 1993، عبر وساطة الرئيس العراقي الحالي جلال طالباني، كما ذكرنا. وسنة 1997، على عهد حكومة نجم الدين أربكان الإسلاميَّة، أعلن أوجلان عن وقف إطلاق نار ثاني من جانب واحد، بعد رسالة وجهها أربكان له، عبر الحركة الإسلاميَّة اللبنانيَّة. لكن حدث انقلاب أبيض على أربكان، وحظر حزبه، وأبعد عن الحياة السياسيَّة. وسنة 1999، طلب أوجلان من حزبه أن يعلن وقفاً لإطلاق نار جديد من جانب واحد، فاستجاب الحزب، وطلب أوجلان سحب القوات الكرديَّة خارج الحدود التركيَّة، فاستجاب الحزب، وطلب أيضاً إرسال مجموعتين من المقاتلين وكوادر الحزب للاستسلام للسلطات التركيَّة، واحدة من الجبال والثانيَّة من أوروبا، فوافق الحزب. لكن تركيا لم تستجب لأيٍّ من نداءاته، وزجَّ بالمجموعتين الآنفتي الذكر في السجون، وعاد الكردستاني في 2004 للقتال. ثم طالب مرَّة أخرى حزبه بوقف إطلاق النار في 1/10/2006، فوافق الحزب، لكن تركيا ردَّت بالمزيد من حملات التمشيط العسكريَّة، وتطبيق العزلة والتجريد على أوجلان، بتهمة توجيه الأوامر لحزبه من السجن، ومنعت أهله ومحاميه من زيارته لأشهر. وأخيراً، كشف محاموه عن تعرضيه لحملة تسميم ممنهجة، بغية تصفيته بشكل بطيء. وبعد مظاهرات واعتصامات عديدة، اضطرت منظمة مناهضة التعذيب الأوروبيَّة إلى زيارته في سجنه للكشف عن حقيقة وضعه الصحي، ومنذ أكثر من 5 أشهر، ورغم كل المناشدات والمظاهرات والاعتصامات الكرديَّة في استراسبورغ، والمنظمة الأوروبيَّة لمناهضة التعذيب، لا زالت متكتِّمة على فحوى الفحوصات الطبيَّة التي أجريتها له، ما يؤكِّد تعرُّضه للتسميم من قبل السلطات التركيَّة.

جهل أم معرفة؟
وقد يكون مردّ عدم انفكاك بعض العقول اليساريَّة والقوميَّة المتقرِّنة في المنطقة، عن تحميل العمال الكردستاني مسؤوليَّة انزلاق تركيا نوح خيار الحرب في الآونة الأخيرة، وجدوى حمله للسلاح، والغمز من ساقية التصريحات التركيَّة حيال التعاطي مع العمال الكردستاني، والحديث عن العقلانيَّة وquot;فن الممكنquot;، ومدح العلمانيَّة والديموقراطيَّة التركيتين الزائفتين، والأخذ بتصريحات طالباني ضد العمال الكردستاني، والإشارة إلى quot;كرديتهquot; طالباني، لتدعيم رأيه quot;الناقد/الطاعنquot; في حزب العمال... الخ، قد يكون منشأ هذا الطعن في الكردستاني، هو الجهل بمعطيات وحيثيات وتفاصيل المشهد الكردي التركي عموماً، وتجربة العمال الكردستاني خصوصاً. وغالباً ما يستند هذا الرهط الذي quot;يطالبنا بإبداء النصح لقادة العمال العمالquot;، إلى هزال وهشاشة ووهن الحجج التي يطرحها. وربما يكون الطعن ذاك، عمداً، بداعي التشويش والتشويه والتضليل. حينئذ، لن يكون من العسير معرفة ما تخفيه الأكمة وراءها.

حزب العمال أيضاً وأيضاً

وليس من المجازفة القول: إن مناهضة ومعارضة العمال الكردستاني، باتت عقدة مزمنة، لأيّ سبب كان، لدى الكثصير من الأكراد، فضلاً عن الأتراك، وقلَّة قليلة من العرب، كسفير النظام العراقي السابق في أنقرة، وحفنة من التركمان العراقيين المتعاملين مع المخابرات التركية كـquot;كمال بياتليquot;!. فالمواقف المسبقة والاتهامات الجاهزة، هو قوام تناولهم لأيّ تفصيل من تفاصيل تجربة العمال الكردستاني. أمَّا بخصوص الأكراد، يساريين وقوميين: فحين قال هذا الحزب: quot;كردستان حرَّة مستقلِّةquot;، قالوا: quot;أضغاث أحلام ووهم ودجلquot;!. وحين قال حزب العمال: quot;كفاح مسَّلحquot;، ردَّوا عليه بالقول: quot;تطرُّف، وجنون وتهوُّر، ودمار، طفوليَّة يساريَّة، وعمالة للإمبرياليَّة والرجعيَّة...quot;. وحين قال الكردستاني: quot;خيار سلمي وحل ديموقراطي ودولة وطنيَّةquot;، قالوا: quot; تخاذلٌ وجبنٌ واستسلامٌ وانهزامٌ، وخيانة لكردستان، وتصفية للقضيَّة، وهدرٌ لدماء الشهداء...!quot;. وحين قال الكردستاني: تركيا ترفض الحل وتجبرنا على عدم ترك السلاح والعودة لخيار المقاومة المسلَّحةquot;، قالوا: quot;لاعقلانيَّة، وإصرار على المضي في الدمار، وتسميم في العلاقات تركيا مع كردستان العراق، وتواطؤ مع لأنقرة على تدمير هولير/أربيل....quot;. وخلال هذا المشوار، تغيَّر العالم، وتبدَّلت أمور وأحوال، وتغيَّر معها العمال الكردستاني، لكن معشر المناهضين القدامى _ الجدد لهذه الحركة، بقيت سحنة تهجُّمهم على العمال الكردستاني كما هي!. يواصل الأخير مشواره، ولا زال معشر العقلانيين والبراغماتيين مستمرين في إثارة لغطتهم وبلبلاتهم حول حزب العمال، وأحياناً، تشويههم لحقائق نضاله وتجربته المريرة، وسط تكالبٍ تركي _ أمريكي _ إسرائيلي _ إيراني _ عراقي _ سوري _ كردي، وبيادقهم عليه!.

حزب العمال أيضاً وأيضاً، لأن مبررات وجوده لا زالت قوِّية وقائمة. حزب العمال أيضاً وأيضاً، لأنه لم يترك الحبل الكردي على الغارب الأمريكي _ الإسرائيلي، كما فعل قادة كردستان العراق، ويحاول الأستاذ الفاضل عزيز الحاج تبريره وتسويغه وشرعنته لهم. حزب العمال أيضاً وأيضاً، إلى أن تكتمل الديموقراطيَّة الحقيقيَّة في تركيا بوجوده في الساحة السياسيَّة، حيئنذ سيُعرَف حقيقة الأصوات الكرديَّة التي ذهبت إلى أردوغان. حزب العمال أيضاً وأيضاً، لأنهم quot;طلاَّب حريَّة وعدالة ومساواة، وليسوا دعاة حرب وقتل. وإن كان هذا إرهاب، فنحن فخرون بهquot;، كما قال القيادي البارز فيه، جميل بايك لجريدة الحياة مؤخراً. حزب العمال أيضاً وأيضاً، لأنه كشف وفضح زيف اليساريين والثورجيين والقومجيين الأكراد، الذين quot;اتحدواquot; منصرفين، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي إلى معترك الإنشاء والبلاغة وترصيف الكلام، ورصّ الصفوف وحشد الطاقات لمناهضة العدوان والظلم والقهر والجور والاضطهاد في العالم شعراً ونثراً، وترك الكردستاني وحيداً، يجابه ثاني جيش في حلف الناتو، لخمسة وعشرين عاماً، ومن خلفه الأمريكيين والصهاينة. ومجرَّد بقائه مقاوماً، صامداً كل هذه المدَّة هو انتصار بحدِّ ذاته. وهذا ليس غرفاً من الإنشاء والبلاغة والفصاحة التي يجيدها دعاة العقلانيَّة والبراغماتيَّة من اليساريين القدامى، واللبراليين الجدد، بل حقيقة دامغة، أثبتتها بطولات مقاتلي العمال الكردستاني في زاب وجبال قنديل في وجه الطغمة الفاشيَّة التركيَّة، وأذنابها وأزلامها من بعض الكرد والعرب والتركمان. وبديهي أنه سينصرف الكثير الأكراد إلى توصيف الانحدار التركي، أنه كان جاء ترجمة لصمود قادة كردستان العراق، ودبولماسيتها، وصولاً لإفراغ انتصار العمال الكردستاني من محتواه، وترقيع تورط محور طالباني _ نجيرفان _ زيباري في الاجتياح التركي. لكن، هيهات.

هوشنك أوسي