البريطانيون أسخياء في منح اللجوء السياسي لكل من يأتيهم محمّلًا بأكياس المال، لذا صارت بلادهم ملاذًا للأوليغارشيين الروس الأغنياء، استوطنوها حتى صارت ميدانًا لصراعاتهم السياسية والمالية.


في ريف إنكلترا المشهور بأشجاره الوارفة ومروجه النضرة، يتساقط الأوليغارشيون الروس، الواحد تلو الآخر، فيما يقول أوليغ غورديفسكي المنشق عن جهاز المخابرات السوفيتية (كي جي بي) إن عدد الجواسيس الروس العاملين في لندن اليوم أكبر منه في ذروة الحرب الباردة، وهو تقدير أكده جهاز المخابرات البريطانية الداخلية (أم آي 5).

نتيجة لسخاء السياسة البريطانية في منح اللجوء السياسي لمن يأتي محمّلًا بالمال، يقف البريطانيون متفرّجين، لا حول لهم ولا قوة، فيما تخوض أجنحة متصارعة من النخبة الروسية حروبها القذرة على أرضهم، بحسب تعبير صحيفة دايلي تلغراف، متهمة الحكومة البريطانية بالتقاعس عن وقف هذه الحروب، لأنها تتذبذب بين الحرص على مصالح شركة بي بي النفطية العملاقة في روسيا وإلقاء المواعظ الأخلاقية، التي لا تفعل سوى إزعاج الزعماء الروس في الكرملين.

وفيات مشبوهة
لا شك في أن موت الأوليغارشيين الروس على الأرض البريطانية كان يحظى بتغطية واسعة. فالملياردير الجورجي أركادي quot;بدريquot; باتركاتسيشفيلي توفي بنوبة قلبية بين جدران قصره في مقاطعة سري جنوب انكلترا في العام 2008.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر)، توفي ألكسندر بيريبيليتشني، رجل الأعمال، الذي تحوّل واشيًا كبيرًا، عن 44 عامًا، وهو يمارس هواية الركض في قريته الخاصة. وكان بيريبيليتشني يساعد السلطات السويسرية على تحقيقاتها لكشف مسؤولين روس مرتشين قاموا بتبييض ما تجمّع لديهم من رشاوى في عملية احتيال عملاقة استهدفت شركة هرمتيج كابتال للاستثمار.

وما زالت السلطات البريطانية تحقق في ما إذا كانت هناك أسباب مشبوهة وراء هذه الحوادث، إذ كلما يتوفى ثري روسي تستحضر وفاته ذكريات المصير المؤلم للجاسوس السابق الكسندر ليتفينكو، الذي قُتل في العام 2006، بعد تناوله فنجان شاي دُست فيه مادة بولونيوم المشعة في أحد مقاهي وسط لندن.

أثروا من عدم
كانت لجميع هؤلاء المتوفين علاقات بالأوليغارش بوريس بيريزوفسكي (67 عامًا)، الذي عثر عليه حراسه من أفراد الفرقة الأجنبية الفرنسية السابقين ميتًا في حمام منزله، في قريته الواقعة في منطقة إسكوت. وتقول الشرطة إن ليس هناك ما يشير إلى ضلوع جهة ثالثة في موته، لكن ذلك لم يكن كافيًا لوقف التكهنات. وكان بيريزوفسكي نجا سابقًا من محاولة اغتيال استهدفته في العام 1993، عندما أطاحت سيارة مفخخة برأس سائقه من دون أن يصاب هو بأذى.

تعكس قصة بيريزوفسكي قصة الروس، الذين أثروا من عدم، بعدما نهبوا الممتلكات والأصول الاقتصادية للدولة إثر انهيار الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينيات. وقدم الأوليغارشيون الجدد مسوّغات وجيهة إلى السلطات الروسية في عهد فلاديمير بوتين لملاحقتهم بتهمة عقد صفقات مريبة.

واعترف بيروزوفسكي نفسه بالقول إن كل من لم يكن نائمًا خلال السنوات العشر الماضية انتهك القانون، شاء أم أبى. وما إن بدأ التحقيق في صفقة استملاك شركة الخطوط الجوية quot;إيروفلوتquot;، حتى هرب بيروزوفسكي إلى بريطانيا، بعدما سيّل أصوله لتمويل نمط حياة باذخ واستخدام سطوته المالية للتدخل في السياسة الروسية الداخلية.

وظنّ نظيره الأصغر سنًا ميخائيل خودوركوفسكي، الذي ارتقى من صاحب مقهى إلى مالك إمبراطورية نفطية، أنه يستطيع أن يتحدى بوتين بتمويل طائفة من الأحزاب المعارضة له، لكنه حُكم بالسجن سنوات طويلة في العام 2005 بتهمة الاحتيال والتهرّب من الضرائب.

بلغ اليأس
اختار أوليغارشيون آخرون أقل ثرثرة، بقي مصدر ثرواتهم سرًا غامضًا، مثل رومان أبراموفيتش وأوليغ دريباسكا، أن يبتعدوا عن السياسة، وأن يمارسوا أنشطتهم التجارية بما ينسجم مع مصالح بلدهم الاستراتيجية.

وبعدما بدأ أبراموفيتش حياته التجارية بائع طيور مطاطية وجنود من البلاستيك، رفعته ثروته من تجارة النفط والمعادن إلى منصب حاكم منطقة تشوكوتا في الشرق الأقصى الروسي، ومالك نادي تشيلسي الانكليزي لكرة القدم.

وحين خسر بيريزوفسكي دعوى قضائية أمام ابراموفيتش، أُصيب بكآبة عميقة بسبب التكاليف المالية الباهظة للدعوى وتشكيك القاضي في نزاهته.

في هذه الأثناء، كانت النساء اللواتي ارتبط بهن في حياته يقتطعن حصصًا كبيرة من ثروته الناضبة والمجمدة قانونيًا. وبلغ اليأس ببيريزوفسكي إلى حد الكتابة إلى بوتين يطلب منه المغفرة والسماح له بالعودة إلى روسيا.

تساهم قصة هؤلاء الأثرياء الروس في إغناء التنوع الذي تتسم به بريطانيا اليوم، بعد تحولها إلى ملاذ لجهاديين ضيوف ومهاجرين غير شرعيين وغيرهم، كما تلاحظ صحيفة دايلي تلغراف.