قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تشهد تونس يوم 7 نوفمبر 2010، احتفالا بذكرى 23 عاما من حكم الرئيس زين العابدين بن علي، يعتبرها أنصار الزعيم التونسي 23 عاما من الحكم الرشيد، فيما ينظر إليها خصومه باعتبارها 23 عاما من الحكم الفردي الشمولي المتسلط.
و قبل الاسترسال في تفصيل هذه البصيرة، أرغب في التنبيه إلى أن حالة الاستقطاب الشديد الذي فرق النخب التونسية إلى طرفي نقيض في موقفهم من نظام بلادهم لمدة فاقت العقدين من الزمان، أصبحت عائقا فضيعا أمام أي مشروع يسعى إلى طرح تحليل سياسي متوازن، و كل صاحب مشروع من هذا النوع مخاطر بمصيره الذاتي بين الرمي بالخيانة أو النعت بالعصيان.
لقد حاولت فيما سبق ممارسة التحليل السياسي وسأظل أحاول، لأنني ممن يعتبرون إشاعة هذا الأمر بين الناس، جزء من دعوتهم الواجبة إلى قيم الاعتدال والوسطية والهدوء والاستعداد لممارسة مواطنة أكثر فاعلية وديمقراطية، وقد لاقيت من المعارضة التونسية إشارات سلبية كثيرة، كما لم أجد من أوساط الحكومة إلا شكوكا متواصلة و صدا مستمرا وغضبا في بعض الأحيان.
إن الجو الغالب على السياسة التونسية منذ بداية تسعينيات القرن الماضي تقريبا، هو جو الحقائق المطلقة التي لا تقبل الكسر أو المراجعة، بين نظام له إنجازات بينة على كافة الأصعدة، لكن تمسكه بالدفاع عنها على طريقة quot;الإعلام الخشبي جداquot; يعتم عليها ويقلل من قيمتها و يبخسها حقها، و معارضة ذات نزعة طهورية تصر على تصوير معركتها على أنها واقعة بين quot;شياطينquot; وquot;ملائكةquot; و لا تتردد في نهش مخالفيها حتى وإن لم يكونوا في صف خصومها و تحبس ملكة التحليل في تجارب قياداتها الشخصية المريرة.
في ظل هذا الجو المرضي، غابت عن ناظري ndash; وربما عن نواظر آخرين كثر- مسألة أجد أنها في منتهى الأهمية بالنسبة لأي محاولة تقييمية ل23 عاما من حكم الرئيس زين العابدين بن علي، رأيتها بمثابة quot;بصيرةquot; على رأي المفكر الكبير الراحل خليل عبد الكريم، الذي استعاض في أحد كتبه التحليلية في السيرة النبوية، بكلمة بصيرة عن كلمة قراءة، لأن الأخيرة سطحية حسية كما قال، بينما ظهرت له الأولى عميقة و عرفانية و نافذة.
أصل هذه البصيرة عندي أحداث جرت مؤخرا في بلدين، يهمني متابعة أخبارهما بإستمرار، هولندا حيث نظمت الانتخابات البرلمانية في بداية يونيو و لم تتشكل حكومتها إلا في بداية أكتوبر الماضي، حيث استمر العمل الحكومي شبه مشلول لمدة خمسة أشهر، والعراق الذي انتظمت فيه الانتخابات التشريعية في بداية مارس و ما تزال نخبه السياسية تراوح مكانها عاجزة عن تشكيل حكومة إلى يوم الناس هذا، و كلا البلدين غني، واحد باقتصاده المزدهر لمدة تقارب الأربعة قرون، والثاني بموارده الطبيعية التي جعلت منه صاحب أكبر احتياطي نفطي عالمي.
عندما طبقت هذه الحالة على بلد مثل تونس، رأسماله موارده البشرية وجدت السيناريو مرعبا حقا، فهل بمقدور هذا البلد الصغير محدود الإمكانيات أن يظل بلا حكومة مدة تزيد عن نصف سنة لو كان اعتمد نظاما برلمانيا وانتخابات نسبية مطلقة عقب التحول الذي قاده الرئيس زين العابدين بن علي، الذي ورث من سلفه اقتصادا شبه منهار و عجلة تنموية شبه متوقفة و أحزابا ونخبا سياسية منقسمة على ذاتها بشكل غير مسبوق، بين يسار علماني محض و حركة إسلامية دينية.
و لا يمكن للنخب السياسية التونسية أن تزعم أنها أكثر نضجا من نخب المعارضة العراقية السابقة ndash;الحاكمة حاليا- فتقاليد الوفاق لديها في منتهى الضعف، وهي اليوم عاجزة في مجملها عن صياغة أي بيان سياسي موحد بالحد الأدنى من المطالب ممكنة التحقيق، تماما كما لا يمكن لهذه النخب أن تزعم أيضا أنها قريبة من النخب السياسية الهولندية التي يتخاصم سياسيوها في البرلمان و مؤسسات الحكم ساعات طويلة، ليخرجوا بعدها إلى أقرب مقهى أو حانة لشرب كأس على نخب ديمقراطيتهم العتيدة.
و إذا كان لهولندا أو العراق احتياطي نقدي يسعف البلد صبرا على ما قد يفضي إليه نظام حكم برلماني من شلل في أجهزة الحكومة والدولة لفترات طويلة حتى تتمكن النخب السياسية من التوافق على تشكيل ائتلاف قيادي، فإن بلدا مثل تونس كان سيخاطر بمنجزات عقود من منجزات دولته المستقلة ومشروعه المجتمعي الوطني الغض لو فعل ذلك، خصوصا في ظل موقعه الجغرافي وسط منطقة متأزمة و بين دولتين كانتا أيام وقوع تحول السابع من نوفمبر 1987، تتجهان نحو حرب أهلية و أزمة دولية، لم تصمدا في وجهيهما إلا بفضل احتياطاتهما النفطية الكبيرة، التي ليس لتونس حظ منها إلا قليل.
إن ضعف التكوين الاقتصادي لجل القيادات السياسية التونسية، دفعها غالبا إلى تبني وجهات نظر سياسية محضة ndash; سياسوية أحيانا- للعملية السياسية، بينما يبدو أي تحليل سياسي في رأيي لا يأخذ بالاعتبار أن السياسة ما هي إلا تجل لعملية اقتصادية أعمق و ذات أطراف أقوى ومتطلبات أولى بالتلبية، مخلا دافعا بصاحبه في الأغلب إلى سلك خيارات وطنية غير صحية تكتنفها الكثير من المغامرة، فالديمقراطية السياسية الغربية على سبيل المثال، لم تكن نتاج إرادة سياسية فحسب، بقدرة ما كانت إفرازا لعملية اقتصادية تمكنت من خلال الرأسمالية من مراكمة أرصدة مالية واحتياطات نقدية خيالية، قادرة على امتصاص أي عنت أو مماطلة أو عطب قد تمر به آليات العمل السياسي أو يحدثه دلال النخب الحزبية و تمنعها.
لقد جاء الرئيس زين العابدين بن علي إلى الحكم، بعد ما يقارب عشر سنوات من ضعف نظام الزعيم بورقيبة و انغماس النخب السياسية والنقابية في صراعات ونقاشات ومواجهات، عجزت كافة أنواع الإدارة على استيعابها أو الحد منها أو تلطيفها، بل كان ضعف مؤسسات الحكم مشجعا لها على مزيد من الانقسام والتصادم والصراع وتعميق الاستقطاب.
و رأيي أن أكثر تجربة أثرت في اختيارات الرئيس زين العابدين بن علي السياسية، هي تجربة الوزير الأول الراحل محمد مزالي، الذي نهج منذ وصل إلى سدة الوزارة الأولى منهج الحوار و محاولة استيعاب جميع الفرقاء، فكان كلما قدم تنازلا للأطراف الحزبية والنقابية، فهم ذلك لدى هذه الأطراف على أنه ضعف لا يقتضي التقدير بقدر ما يقتضي مزيدا من الطمع، حتى انتهت أوضاع الدولة إلى حالة من الفوضى والإفلاس و عجز الحكم عن اتخاذ أي إجراءات إصلاحية حقيقية قادرة على إعادة سفينة البلاد إلى وجهة التنمية المطلوبة.
و ما يخلص إليه، أنه لم يكن بمقدور الرئيس بن علي أن يمنح شعبه ديمقراطية سويسرية في حين أن حالة بلاده الاقتصادية و نخبه الحزبية ليست سويسرية وإن كان خطابها يزعم أنها كذلك، و لا شك أنه حاول ما أمكنه أن يحقق معادلة يكون معها وفيا ما أمكنه للشعارات التي رفعها في بيانه فجر السابع من نوفمبر 1987، لكنه كان مجبرا في الوقت ذاته من منطلق وطني صرف أن يحافظ على هيبة الدولة ومصالح طبقاتها الشعبية العريضة، التي يعتقد أنه بدونها لا يمكن إنفاذ إصلاحات اقتصادية ضرورية، هي في نهاية الأمر المحدد الجوهري لأي عملية سياسية.
و أحسب أن مواجهة الرئيس بن علي للحركة الإسلامية، التي تقرأ اليوم على أنها كانت من منطلق سياسي يستهدف تصفية أبرز خصوم الحكم الجديد، لم تكن في واقع الأمر إلا ضرورة اقتضتها عملية الإصلاح الاقتصادي الواجب إجراؤها آنذاك، فهذه الحركة بقيادتها المنتصبة حينها ndash; والمستمرة إلى غاية اليوم- و التي كانت قد بدأت في تسربها إلى هياكل المؤسسات النقابية والاجتماعية، ما كانت لتسهل مهمة الحكم الجديد في إمضاء العملية الاقتصادية الإصلاحية، ولم يكن ثمة خيار آخر أمام رئيس البلاد الجديد إلا أن يقصيها، بعد اختبارات عدة لقادتها، أثبتت في مجملها عجزهم على تقدير المطلوب منهم وفهم المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية الطارئة ومتطلبات العملية الاقتصادية والتنموية لبلدهم محدود الإمكانيات كبير الطموحات.
و صحيح أن عملية إقصاء الحركة الإسلامية الذي ميز جزءا كبيرا من حكم الرئيس بن علي، قد ابتدأ لضرورات اقتضاها قرار الإصلاح الاقتصادي الصعب، لكنه من الطبيعي أن يرتب لاحقا نتائج سياسية مريرة لعدد كبير من التونسيين، زادتها ظروف المحيط العربي والدولي مرارة، عندما سيشهد العالم بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001، موجة من المواجهات الشاملة مع الحركات الإسلامية، وضعت الجميع في سلة واحدة، و قدمت لأطراف سياسية معادية لأسباب عقائدية وايديولوجية فرصا لمواصلة النفخ في نار المواجهة، و قد سهل عليها أمر النفخ -و ما يزال- إصرار قيادة الحركة الإسلامية التونسية على المضي في خطاب التشدد السياسي و التصعيد الإعلامي و عدم القدرة على تجاوز الألم الشخصي.
و في خاتمة البصيرة، فإنني على الرغم من تقديري لمرارة و قساوة ما طال البعض من آلام جراء الآليات الأمنية التي اتبعتها أجهزة الدولة التونسية في معالجة بعض الملفات السياسية، فإنني لا أرى في خط الرئيس زين العابدين طيلة ال23 عاما الماضية، إلا خط الزعيم الوطني المحب لرفعة وطنه و العامل على تقدم وازدهار و رفاهية شعبه، والذي دفع بسفينة تونس في الاتجاه العام الصحيح، وإنه لمن الطبيعي جدا أن يكون طموح النخب التونسية إلى مزيد من الرقي السياسي أعلى و أكبر بعد هذه الفترة الطويلة من الاستقرار والنماء، لكن الحذر كل الحذر من الشطط.

كاتب تونسي