لطالما كان عدم عودة كاظم الساهر لبلده العراق بعد ثمان سنوات من الإحتلال مثيرا ً للجدل، حتى أن وفاة والدة الفنان لم تقنعه بالعودة لإلقاء النظرة الأخيرة وحضور مراسم الدفن. أما الآن فقد عاد الفنان كاظم الساهر للعراق ولكن ليس كعابر سبيل، ولا كزائر جاء فقط ليلقي التحية، بل عاد كسفير لمنظمة اليونسيف. فهل عودة كاظم الساهر كعودة كبار المسؤولين العراقين الذين عادوا بمناصب رفيعة؟ وهل هذا المنصب سيكون نافعا ً لأطفال العراق المنكوبين أم سيكون مجرد برستيج (كشخة بالعراقي) كباقي السفراء لليونسيف من الفنانين العرب، والذي وقف بعضهم ضد الحريات التي تطالب بها شعوبهم، والذين لايفقه الكثير منهم معنى الثقافة ليكونوا سفراء للثقافة.

لابد من الذكر إن للفن رسالة، ورسالة الفن هي الرفع من شأن القيم الإنسانية الراقية لجعلها نموذجا ً يمكن العمل به وذلك من خلال تطبيع بعض المفاهيم وجعلها صالحة للعمل في الحياة الإجتماعية اليومية. ومن هذه المفاهيم، الحب الجمال الأحساس الجميل إلخ. فيمكن للفن أن يصقل ذوق الإنسان ويجعله منسجما ً مع مفاهيم يجعلها ذات قيمة من خلال تحريك المشاعر ومخاطبة الإحساس الداخلي للإنسان. هذه نتائج تترتب على الفن بصورة عامة، أما بصورة حاصة فيمكن للفن أن يصنع نموذجا ً مثاليا ً يخاطب الواقع من خلال طرح البديل. فيمكن للفن أن يلقي ظلاله على ذلك الواقع من خلال طرح مفاهيم راقية يمكن أن تنتقد الواقع لتكشف عيوبه، وأغلب هذا الفن هو فن سياسي. فالفن بصورة عامة يمكن أن يكون جزءا ً من منظومة نقدية تكشف عيوب المجتمع وتنتقد الأيدلويجا التي تحرك الظروف لتخدم مصالح فئة معينة. فمن خلال اللفن يمكن أن تطرح قضية العدالة والطفولة ورفض الحروب ومحاربة الجهل والبطالة والفقر. ولا ننسى هنا أن الكثير من الفنانيين العرب كشفت مواقفهم التي أفسدوا بها تاريخهم الفني بأكمله لوقوفهم مع الدكتاتوريات أو حتى على الأقل رفضوا التغيير كي لاتمس مصالحهم وشهرتهم المرتبطة بشكل أو بآخر بالسلطة ومؤسساتها. فقد تعلمت الشعوب العربية أن لايوجد هناك فنان كبير بفنه بل بمواقفه الكبيرة مع الشعوب، حتى مواقف الحياد لاتقبل من الفنان بإعتباره كائن مثقف، ولابد أن يكون للمثقف الحر صوتا ً حين تخرس الشياطين. فالكل لايعلوا على مصلحة الوطن وإن كان فنانا ً كبيرا ً بإسم لامع.

إذن، من هذا الشرح الموجز يلقى على الفنان العربي بصورة عامة والفنان كاظم الساهر بصورة خاصة مسؤولية لابد من إنجازها على أكمل وجه. فكلنا يعلم أن شهرة الفنان كاظم الساهر في الوطن العربي أتت من بوابة العراق الذي كان يعاني من حصار ظالم دام أكثر من عقد من السنين. فطرح الفنان كاظم الساهر قضية أطفال العراق في الكثير من البلدان العربية والعالمية جعله سفيرا ً للأغنية العراقية في الخارج. لكنه ظل ذلك الفنان الذي صمت ولم ينبس ببنت شفة عما كان يجري في داخل العراق أبان فترة النظام السابق وقمعه وإستبداده وإستغلاله للشعب العراقي، بالرغم من أن الفنان كاظم الساهر عانى من عجرفة عدي صدام حسين وطريقة تعامله الفجة مع الفنانين والرياضين. حتى أن غناء كاظم الساهر للرئيس العراقي السابق صدام حسين لم يشفع له فقرر مغادرة العراق. ويمكن أن يقول الإنسان إن هناك إتفاق غير متفق عليه أو ربما حدث بالصدفة بين الفنان كاظم الساهر والنظام العراقي السابق، على أن يقوم الأول بعرض الجانب المظلم من مأساة العراق، خصوصا ً موضوع الأطفال، بطريقة تجعل المجتمع الدولي فقط مسؤولا ً عنها، من غير المس بالنظام السابق، وعلى النظام السابق أن يسكت ويتوقف عن ملاحقة كاظم الساهر ومحاصرته في الخارج أو حتى لأهله بالداخل مقابل هذا العمل.

من هنا لابد أن نقول أن الفنان كاظم الساهر دخل أبواب الشهرة من خلال العراق وأطفال العراق، وآن الأوان أن يرد الفنان كاظم الساهر الجميل بإن يعمل للأطفال العراق الذين لم يرى أحدا ً منهم خيرا ً لامن نظام سابق ولا لاحق. كل الأماني أن لايكون هذا المنصب الرفيع مجرد برستيج كباقي الفنانين العرب.

إن هذا المنصب لهو مسؤولية كبيرة على الفنان أن يحملها بكل ما أوتي من قوة ليكون خير رسول للفن الذي لابد أن يؤدي دوره في بلد مثل العراق ينهشه الإحتلال من جهة والفساد والإرهاب من جهة أخرى. كل الحب والمودة للفنان كاظم الساهر ونتمنى له الموفقية في هذا المنصب الرفيع والذي لايمكن أن نفهمه إلا من خلال المسؤولية، ونتمنى أن لايكون كباقي المسؤوليين الذين لم يعودوا للعراق إلا بمناصب رفيعة من أجل ملء جيوبهم ورفع أسمائهم عاليا ً على حساب أبناء هذا الوطن المساكين.

عماد رسن
[email protected]
nbsp;http://www.elaphblog.com/imadrasan