ليس الحزن حسرة تذرفها ذات خسرتْ معركتها في سوق أو شارع أو مدرسة أو حزب، ولا هو أغنية تترنّم بها شفاه مكلومة من صدمةِ الواقع المعاكس، ولا هو قصيدة ينشدها شاعر مجروح الفؤاد، بل هو يأس نابع من الذات، يأس كوني ممزوج بالنقمة على هذا العبث بأقدارنا، هو خروج على سنّة البشر المتخدّرة في أغلفة الجد الزائف، يأس ينبثق من أعماق الوجود.
ما ذنب هذه الصخرة لا تحس؟
ألم يقولوا ان الحسَّ بداية المتعة الوجودية؟
ما ذنب هذا النبات لا يشعر؟
ألم يقولوا انّ الشعور بداية الإحساس بلذّةِ الحياة؟
ما ذنب هذا الحيوان لا يعقل؟
ألم يقولوا ان العقل أعظم نعمة؟
ولكن ما ذنب البشر وعقله عاجز عن إدراك سرّ الوجود؟
ألم يقولوا انّ الوجود ملك لنا؟
وما ذنب الوجود عصيُّ على الفهم والإدراك؟
ألم يقولوا ان الوجود مشروعاً للفهم والوعي؟
ما ذنب الإدراك يتعثر في مسيرته بين جهل وعلم؟
الذات الحزينة تفتش عن أرض قفار، تهرب من كل أرض خصيبة، فليس هناك ارض خصيبة بريئة من جربمة... كل أرض خضراء تختزن داخلها جريمة مرعبة، ليس هناك جريمة بلا بذرةٍ تُمْعنُ في تعزيز عنفوان غضبها على القدر، فهي وليدته وربيبته وصنيعته... هذه هي جِبلّتها وهويتها منذ الأزل... كل جمال يخفي في داخله اغتصاباً سريِّاً لعيناً، والاغتصاب يهرب من طهارة المولد وبرائة المصير، هذه هي طبيعته وذاته، ليس له ذنب... كل فرحة تتغذّى على فريسة محجوبة بمهارة شيطانية، وكل فريسة تئنُّ من أزَلها المعجون بالظلم، ليس هناك مناص من الإعتراف بهذا المصير الموجِع.
الذات الحزينة تهرب من هذه الأرض القفار، تألفها ساعات ثم تهرب... تهرب... تهرب.. لقد جاء وقت حرثها وزرعها وسقيها وفلاحتها... فعاد الخوف الى الذات الحزينة من الجرائم الخفية... عاد اليها الخوف من مشهد العظام المستباحة التي سوف تصهرها الصخور، ويمتصُّها التراب الجاسي... تهرب... تهرب... تهرب... ولكن دون جدوى، فإنَّ لعبة التاريخ المزيّف أقوى من إرادتها، أقوى من طموحها بالنجاة...
هذه هي الصخرة الصماء، تُرى كم حبيب وحبيب نقش في ذراتها الخرساء من ذكريات جميلة؟ كم صمدت للرياح العاتية؟ لقد مضى عليها قرن من الزمان ولكنّها ما تزال صامدة، ألا يحق لها ان تعرف قيمة صمودها؟ ألا يحق لها ان تستمع الى نبضات الحب المخزونة في أخاديدها؟
هذه هي الشجرة الباسقة، تُرى كم جنينا من ثمارها اللذيذة؟ كم أنبتت لنا من مثيلاتها؟ كم حَطْبنا جسدها الرائع بالمناشير والفؤوس؟ كم أضرمنا النار في أغصانها وأوراقها؟ ألا يحق لها ان تعرف ثمن وجودها؟
كل شي في هذا الوجود أخرس...
نعم...
هذا هو الإنسان، كم هو عظيم، ولكنّه خُلق مجبولاً على حب الخلود، فيما كل ممكناته عاجزة عن ذلك، فتسيَّد القلق عليه، وأطبق عليه الحزن، يأتي إلى هذه الدنيا ويخرج منها، وهو يسعى لهدف لا يتحقّق، فكم هي مروَّعة مأساته الوجودية؟
كل شيئ في هذا الوجود اخرس...
نعم...
يا إلهي ماالذي يحدث؟
الصخرة تحسُّ... تستذكر خواطر حبيبين طالما كانا ضيفين على صخورها الصلدة... الشجرة تشعر، تهتز فرحا لانَّها تسمع تلامس الأنامل الجميلة التي ما برحت تقطف ثمارها الطيبة...
يا إلهي ما الذي حصل؟
أسرار الكون تتفتح...
حقائق التاريخ تعلن عن وجودها بلا ثمن...
بدأ الانسان يشعر ان طريق الخلود هو استنفاذ الممكن...
ذاك هو السرّ.
(أصالة) بدأت تغني، صوتها يلتحم مع نبض الإله الطيب، فيفيض على الوجود نعمة الفرحة الشاملة.
هل استبدل اليأس بالغناء؟
(أصالة...) صوت الحزن ينبعث من أعماق الكون المتصدّع بهموم أهله،
[email protected]