قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: (قلْ للمؤمنينَ يغضُّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجَهم ذلك أزكى لهم إنَّ الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظْن فروجهن...) آية 30 ـ 31 من سورة النور.
الحفظ في اللغة يدل على مراعاة الشيء كما يقول ابن فارس، وصاحب مصباح اللغة يتوسَّع أكثر في المادة فيقول: (حفظتُ المالَ وغيره حفظا: إذا منعته من الضَّياع والتلف، وحفظته: إذا صنته عن الابتذال... والتحفظ: التحرّز... وحفظ القرآن: إذا وعاه عن ظهر قلب)، ولكنْ صاحب المفردات يقول: (الحفظ: يُقال تارةً لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدِّي إليه الفهم وتارةً لضبط في النفس ويضادُّه النسيان، وتارة لاستعمال تلك القوة، فيقال حفظت كذا وكذا حفظاً ثم يُستعمل في كل تفقد وتعهد ورعاية...)، ويبدو أن مادة الحفظ في كل ما تصرَّف منها يرجع إلى الرعاية والصيانة. فقوله تعالى (قال أجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) أي أصون وأرعى، وقوله تعالى (وعندنا كتاب حفيظ) أي يصون كل شيء ويرعاه) وفي قوله تعالى (وإن عليكم لحافظين) أي رقباء.
وليس من شك أن مفهوم الحفظ يختلف باختلاف مجال الاستعمال وتنوع موارده، فحفظ الصلاة مثلا هي آداؤها في وقتها وتأديتها بتمامها وعدم الإخلال بجزء من أركانها وشروطها، وحفظ المال صيانته من التلف والتبذير والسفه، ورعايته بما ينميه ويزكيه، وحفظ النفس النأي بها عن المهلكات المادية والروحية.
هناك من يرى أن مادة الحفظ لا تعني الصيانة والراعية بل إضافة لذلك الضبط، واعتقد أن مفهوم الصيانة يلتقي مع الضبط بشكل وآخر، كما قد يُضَمَّنْ (حافظ، وحفيظ) معنى رقيب مهيمن فيتعدى بحرف
الآية الكريمة تدعو المؤمنات إلى أن (يحفظن فروجهن)، كما دعت المؤمنين أيضا، والدعوة إلى حفظ الفرج جاء أكثر من مرَّة في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى (ولفروجهم حافظون)، وفي قوله تعالى (والتي أحصنت فرجها)، وآيات أخرى.
الفرج في الاستعمال الأخير بالنسبة للرجل هو العضو الذكري الخاص، وبالنسبة للأنثى هو العضو الأنثوي الخاص، والدعوة إلى حفظ الفروج ينصرف على أكثر الآراء إلى الابتعاد عن الزنا، سواء بالنسبة للرجال أو النساء.
قال تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون).
قال الطبرسي في تفسير هذه الآية الكريمة:[ (والذين هم لفروجهم حافظون) قال الليث: الفرج اسم لجميع سوآت الرجال والنساء والمراد بالفروج ها هنا فروج الرجال بدلالة قوله (إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) قال الزجاج المعنى أنهم يلامون في إطلاق ما حظر عليهم وأُمِروا بحفظه إلاَّ على أزواجهم ودلَّ على المحذوف ذكر اللوم في قوله تعالى (فإنهم غير ملومين)... فـ (من ابتغى وراء ذلك) أي طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة (فأولئك هم العادون) أي الظالمون المتجاوزون إلى ما يحل لهم ].
فحفظ الفرج بالنسبة للمؤمن هو عدم وضع نطفته في موقع الحرام، أي الزنا، وهو بذلك لا يصون حقيقةً بذلك (عضوه الذكري) بل يصون نفسه من الابتذال والانحراف عن الخط السوي، ومن هنا فإن حفظ الفرج بما يعنيه في المعنى القصي هو هذه العفة النفسية والطهارة الروحية، كذلك فيما يخص المرأة المؤمنة، فهي مدعوة إلى حفظ فرجها، أي لا تمارس الزنا، فهي بذلك تهدم كرامتها الإنسانية، وتأبيها عن الزنا صيانة لروحها وضميرها ونفسها، فليس الزنا عملية إدخال عضو في عضو خلاف الموازين الشرعية، بل الزنا عملية تحطيم للكرامة الإنسانية، سواء بالنسبة للزاني أو الزانية، فحفظ الفروج يمتد إلى هذه المساحات المقدسة الكبيرة.
ولكن حفظ الفروج لا يتم فقط عن هذا الطريق، فإن ستر الفرج هو الآخر عملية صيانة ووقاية لهذا العضو، سواء كان على صعيد الرجال المؤمنين أو النساء المؤمنات. وستره هنا يعني بكل بساطة عدم إبداءه لغير الزوج أو الزوجة، والآية التي نحن بخصوصها هي لإفادة هذا المعنى بالنسبة للمؤمنات، فالمؤمنات مطالبات بستر فروجهن، أي عدم إبداء الفرج لغير الزوج، والعكس بالعكس، فقوله تعالى (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن)، أي لا يُطلعن على فروجهن غير الأزواج. وعن أبي مسلم (كل موضع في القرآن ذكر فيه حفظ الفروج فهو من الزنا إلاّ في هذا الموضع فإن المراد به الستر، حتى لا ينظر إليها أحد، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: فلا يحل للرجل أن ينظر إلى فرج أخيه، ولا يحل للمرأة أن تنظر إلى فرج أختها)، فحفظ الفرج في هذه الآية لا يعني الامتناع عن الزنا، بل يعني تغطيته عن ناظر الآخر.
ويربط بعضهم بين غض البصر وحفظ الفرج! حيث يذهب إلى أن الله تعالى أمر بغض البصر لأن النظر سهم من سهام إبليس،وأن بداية الزنا هي النظر، وفي تصوري هذه مبالغات متأخرة عن نص النبوة والإمامة، فإن البصر العادي، ذلك البصر الذي نتبادله فيما بيننا في سياق الحياة العامة، لا علاقة له بهذا الهاجس المحموم، الذي يكشف عن نفس مضطربة، بل النظر بمعنى التملي الجنسي، النظر التلذذي هو الذي يمكن أن يكون بداية لذلك العمل المهين، فمثل هذه الأحكام المتشددة خا صة في المجال الجنسي ينم عن هاجس شبقي لعين يكمن في ذات مهوسة